د. عبد الوهاب الافندي(1) ‘كانت السنة انفصال البحر عن مدن الرماد’. وفي زمان صحوة العرب من موتهم، كانت امرأة أمريكية المولد (من نيويورك)، بريطانية المقام والمهنة، تعيش مع أهل حي بابا عمرو في حمص وقائع فيلم رعب يتحدى موهبة هيتشكوك في استكشاف الشرور الكامنة في أعماق البشر. تماماً كما يواجه بطل الفيلم ابنه الذي رباه وأسبغ عليه الحب كل عمره، وحشاً تقمصته الشياطين، أو حين يرى الطفل أمه، وقد أصيبت بمس من الجنون، فانحنت عليه… تذبحه. تماماً كما يستيقظ الشعب ليجد نفسه محاصراً بوحوش كاسرة تنكرت في زي’حماة الديار’. (2)غير بعيد، في بيروت التي شهدت أولى انتفاضات ربيع العرب، تجمعت ثلة من الخلق (عرب؟ بشر؟)، يحملون صور ‘دراكيولا’، ويهتفون للذبح والقتل، لقطع الماء والغذاء والدواء عن الناس، لقصف المدن من قبل جيش لا يريد أن يقاتل، بل أن يقتل. يقول هؤلاء للعالم كله: نحن مع الإجرام، نحن مع التعذيب، مع رئيس يجبر الناس على أن يركعوا له ويسبحوا بحمده، مع إرهاب لم تبتل أمة بمثله في زمان غابر أو ماثل. هذا أيضاً فيلم رعب آخر.(3)غير بعيد عن هؤلاء أيضاً، هناك يقف موقع الجريمة الأولى، شاهداً على أن حماة لم تكن هي اللقاء الأول بين قابيل وأخيه هابيل، بل كان ‘تل الزعتر، الخيمة’، في شرق بيروت، هو ذاك المكان. هناك، وحتى 12 اب/أغسطس عام 1976، استهدف الجيش السوري وحلفاؤه من الميليشيات المخيم طوال خمسة أشهر، قبل أن يطبقوا عليه بعد ذلك في حصار كامل لمدة 52 يوماً. قطع عن المخيم الماء والكهرباء، ومنع الغذاء والدواء، تماماً كما يفعلون اليوم في حمص وإدلب وغيرهما.(4)تماماً كما هو الحال في حمص اليوم، لم تكن هناك شفقة ولا رحمة، ولكن الجبن كان سيد الموقف. فبحسب الروايات، لم يزد عدد من قضى من المقاتلين الفلسطينيين بعد قرابة شهرين من القصف والحصار على عشرة أفراد. انسحب المقاتلون عبر طرق وعرة قبيل اجتياح المخيم. ولكن أعداد من قتل من المدنيين بالقصف والتجويع، ثم ذبحاً وتنكيلاً بعد الاجتياح، ناهز الثلاثة آلاف. وهكذا سنت السنة: الإرهاب ضد المدنيين من قبل قوات لا تجرؤ على مواجهة المقاتلين، ولكنها تريد ابتزازهم عبر أسرهم وذويهم.(5)قبل بضعة أيام، قتل شقيق أحمد رمضان، أحد قياديي المجلس الوطني، من قبل ‘مجهولين’ معروفين، حيث أطلقت على سيارته 27 طلقة. ولم تكن ‘العصابات المسلحة’ التي ارتكبت هذا الجرم بخافية ولا متنكرة. زارت الأجهزة الأمنية أسرة رمضان، وهددت ووالدته باستهداف أفراد الأسرة ما لم يتوقف ابنهم عن المعارضة. وقبل ذلك وبعده أبيدت أسر بكاملها لضباط انشقوا، ويحتفظ بأسر كثير من الدبلوماسيين وكبار المسؤولين رهائن. فنحن إذن أمام نظام لا يستخدم الإرهاب وسيلة فحسب، بل يجسد الإرهاب منهجاً وعقلية.(6)في السجال الذي يدور حول انحدار سوريا ونظامها إلى قاع القاع أخلاقياً وسياسياً وعسكرياً، يغفل كثير من أنصار النظام وحتى بعض خصومه- عن جوهر القضية. فالأمر لا يتعلق هنا بحجم المعارضة للنظام أو عدد أنصاره. فقد كان غالبية الألمان يؤيدون أدولف هتلر، وأيدت غالبية الهوتو في رواندا المجازر ضد أقلية التوتسي، بل وشاركت فيها. فليس حجم المشاركين في الجرائم ضد الإنسانية هو الفيصل، لأن الله سبحانه وتعالى أهلك من قبل أمماً بكاملها لمجرد التردد في إنكار إجرام المجرمين.(7)لا بد هنا من أن ننوه بأن النازيين في ألمانيا كانوا يعاملون أسرى الأعداء بكل احترام، ووفقاً للمعاهدات الدولية، وإنما كان جل إجرامهم موجهاً ضد اليهود وخصومهم السياسيين وأقليات أخرى. وفي هجمات إسرائيل الأخيرة على غزة وجنوب لبنان، لم تكن تستهدف المدنيين جملة، أو تقطع الماء والدواء عن مدن بكاملها، كما أنها لم تعدم الأسرى أو تجهز على الجرحى وتمنع العلاج عن المصابين، وبالقطع لم تمثل بجثث الأطفال بعد تعذيبهم حتى الموت. فهذا إجرام لم يسبق عليه العصابات الحاكمة في سوريا أحد من العالمين.(8)إجرام وانحطاط بهذا الحجم، وهذا الإصرار عليه، لا يخرج أصحابه فقط من دائرة الإنسانية (دعنا في هذا المقام من الإسلام والعروبة)، بل يطرح أسئلة مقلقة حول إنسانية من يجهدون لإيجاد العذر له، بل وحتى من يسكتون عنه. مفارقة مؤلمة إذن أن تطالب سوريا بعد مقتل المصور الفرنسي والصحفية الأمريكية بحماية المواطنين الأجانب، لأنها تذكرنا بالموقف المقابل للنظام السوري الذي ينازع العالم ليس في مسؤولية حماية مواطنيه، بل في الحق الحصري في إهلاكهم وإخضاعهم بالعنف والإرهاب. (9)نحن هنا أمام نظام يسابق نفسه للتجرد من كل ذرة إنسانية، ولن ‘ينتصر’ إلا عندما يعري نفسه تماماً أمام العالم كوحش شيطاني لا مكان له في عالم البشر، على علاته. وكما حدث مع الهوتو والنازيين، فإن هذا ‘الانتصار’ سيورث أجيالاً قادمة عبئاً ثقيلاً من الإثم والاعتذار والملاحقة والتشرد.(10)تبينت وأنا أراجع رائعة محمود درويش، ‘أحمد الزعتر’، التي خلدت آلام مأساة تل الزعتر، حجم الخلل الذي ساد تفكيرنا معشر المثقفين العرب. فمحور تلك المأساة لم يكن ‘أحمد’ المقاتل، بل كانت الطفلة ‘مريم’، و’أم أحمد’ وبقية سكان المخيم ممن لا ذنب لهم في المواجهة. فللمقاتل سلاحه، ولكن الإنسانية جمعاء هي خط الدفاع الأول والأخير عن الآلاف الذين أحصروا في حمص كما في تل الزعتر، لا يسمح لهم بالخروج، ولا يسمح بإغاثتهم. فمن واجب البشرية النهوض لإنقاذ هؤلاء، وألا تسامح المجرم أبداً، أبداً.