محمد لِـفـتـحكما في حالة الجاحظ، كذلك في حالة المعرّي، وجد كيليطو في كلّ مرّة مستشرقا عالما يسأله بنبرة تمتزج فيها الدّعابة بالإعجاب، إذا ما كانت الشخصيتان المشهورتان وُجدتا حقّا أم أنّهما من ابتكار مخيّلته.
هذا يدعو إلى إضفاء مراعاة خاصّة على لفظة ‘مقال/ بحث eai ‘ حين نستعملها بخصوص كيليطو. يتنقّل هذا الكاتب باستمرار بين المقال/ البحث وبين ما هو روائي مصطنعا كتابة ذات أسلوب متعذر مضاهاته حيث المقتضى الأكاديمي والملمح اللعبي يتمازجان في غبطة لا مثيل لها.
في بدء ‘مقاله/ بحثه’ *، يصطحبنا كيليطو إلى بلاد فارس برفقة العظيم عمر الخيام. وإلى ليلية صيفية بهيّة يُرجع الإلهام الذي أملى على الشاعر بيته المشهور:
فامش الهوينى إنّ هذا الثرى // من أعين ساحرة الإحوار.
ثمّ يتخيّل كيليطو الشاعر ناظرا ببصره صوب الشام، وتحديدا نحو المعرّة؛ هذه الضيعة التي ما كان التاريخ ليحتفظ باسمها لولا الشاعر المشهور الذي سكن فيها والذي، قبل ذلك بقرن، كتب هذا البيت:
خفّف الوطء ما أظن أديم ال // أرض إلاّ من هذه الأجساد.
التغيير الطفيف الذي أخضع له عمر الخيام بيت المعرّي، باستبدال الأجساد بالأعين، هو إحالة بارعة على عمى سلفه الذي فقد بصره في سنّ الرّابعة، هو أيضا تكريم مضمر له، هو اعتراف بالدّيْن. وهنا نلامس ملمحا جوهريا عند المعرّي: رفضه لكلّ أبوّة أو بنوّة، وهو القائل للبيت المشهورالذي يقرّ فيه بأنّه، خلافا لأبيه، لم ‘يجن’ على أحد بأن يهبه ديْن الحياة. غير أنّ هذا الرّفض، عند المعرّي، للأبوّة ــ البنوّة، للدّيْن، للتّبادل يقف عند عتبة مجال هو مجال الكلمات والأدب. بالنسبة للمعرّي، كان الشعر ‘أفقا للتفكير’ لا يمكن الاستغناءعنه، كان التبادل الوحيد المقبول.
لقد تميّز المعرّي بذاكرة حيّة، استثنائية استوعبت كلّ الشعر العربي الذي تمّ تناقله حتى حدود زمنه. النقل الوحيد الذي سيقبل أن يضطلع به هو نقل اللغة العربية وعلومها الملحقة بها.. نقل سيمتدّ إلى الماوراء حيث سيعرض لشعراء لا زالوا يواصلون هناك مجادلاتهم الدنيوية المثيرة، أقصد في ‘رسالة الغفران، المؤلّف الذي لم يمحضه معاصروه عناية متميّزة، ولم تتأرّخ بداية شهرته إلاّ مطلع القرن العشرين بعد أن نشر المستشرق الإسباني أسين بلاسيوس لدراسة مقارنة بين ‘رسالة الغفران’ للمعرّي و’الكوميديا الإلهية’ لدانتي التي كُتبت، بعد ذلك، بثلاثة قرون.
اليوم، لا يمكننا بتاتا أن نقرأ العمل الأوّل بتجاهل الثاني. بطل المعرّي، ابن القارح، بالنسبة للقارئ العربي اليوم، لا يتحاور مع الشعراء العرب فحسب، لكن أيضا مع الشاعر العبقري الإيطالي.
واحدة من الكلمات المتواترة عند المعرّي، كلمة ‘ الميْن ‘ التي تفيد الكذب. وهو، بكيفية منهجية، يعقد الصّلة بين هذه الكلمة والشعر. مع ذلك، لا يمكن للمعرّي أن يتوقف عن كتابة الشعر أو يمسك عن شرحه ( المتنبي، البحتري، أبو تمام، إلخ.). من بين آثاره التي انقسم بصددها النقاد الذين درسوها وحتى اليوم، كتاب ‘اللزوميات’ (عنوان ترجمه المستعرب أندريه ميكيل ب ‘إلزاميات’) . في هذا المصنّف، يؤكّد المعرّي، مرّة بعد مرّة، أنّه يخفي بعض ما يعرف، أنّه يحتفظ بسرّ لا يودّ إفشاءه. لماذا؟ لأنّ الكلام، كما يجيبُ بكيفية واضحة، مُهلك وخطر ويمكن أن يقود الذي يتفوّه به إلى الموت. مجرّد الإشارة إلى وجود خطاب غائب في المصنّف يشكّل دعوة للقرّاء قصد كشفه؛ لصنف متميّز من القرّاء لا يقنعون بقراءة من الدّرجة الأولى. سينتهي المعرّي بتعميم تصوّره عن الشعر المقترن بالميْن، بتعميم ارتيابه المنهجي تجاه كلّ كلام. هذا الموقف ناتج عن اعتقاده الذي عبّر عنه أكثر من مرّة والمتمثل في غلبة الشرّ على العالم. هكذا، سيوسّع المعرّي ريبته لتشمل الخطابات التي تزعم التعبير عن الخير والإيمان الصّحيح. سيستشهد بخاصّة بأناس يريدون أن يُقال عنهم تقاة، في حين أنّهم، في الواقع، يتّخذون الدّين تجارة. فبالإحالة على مقاطع من اللزوميات، يستند أغلبية النقاد الذين اتهموا المعرّي بالزندقة أو بشكل ضمني بالإلحاد. لكن ما يدهش عند هؤلاء المتشكّكين هو، رغم معرفتهم العميقة لهذا الكتاب المُتّهم، يعرضون بكيفية غير مباشرة للمقاطع موضع الاتهام كأنّهم يخافون من الاحتراق عند الاتصال المباشر بالأبيات الهرطوقية، بأن يُتّهموا بدورهم بفتور معتقدهم الديني.
عديدون هم الذين وضعوا موضع الشك إيمان المعرّي بالإشارة إلى أنّه كان أعمى عمى مضاعفا؛ عمى البصر وعمى البصيرة. عديدون من لم يتراجعوا أمام الإهانة التي، وببساطة، وصفت الشاعر ب’ الكلب الأعمى’ . بابتعاد المعرّي عن الإيمان، يكون، بالنسبة إليهم، قد فقد إنسانيته وأصبح كلبا ضالا و… أجرب! (إنّ جذر كلمة المعرّة، إسم مسقط رأسه هو المعر وتفيد ‘الجرب’). هذا النعت المتكرّر للمعرّي ب’الكلب’ يقودنا بشكل لا يُقاوم، يكتب كيليطو، إلى استحضار الكلبيين اليونان (الكلمة اليونانية Kunikus والتي انحدرت منها اللفظة اللاتينية Cynicus تعني في الواقع ‘ كلب’ ). مع هؤلاء يقتسم عدم امتثاليتهم، سخريتهم واستهانتهم بالآراء الشائعة وبالمعتقدات. لم يكتف كيليطو بهذا الاستحضارللكلبيين اليونان، بل انطلاقا من واقعة حقيقية، سيمنح لشتيمة: ‘كلب أعمى’ امتدادات حكاية ظريفة وعجيبة. تعثر المعرّي في مشيته وهو يلج مجلس علماء، فسمع أحدهم يقول: ‘من هذا الكلب الأعمى؟’ لم يتأخر جواب المعرّي، وعلى الفور طرح تحديا سيصعق الحضور: ‘الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما’. المعجم العربي الغني، أيمكنه أن يكون كذلك إلى هذا الحدّ؟ إذا كان المعرّي يعرف حقيقة سبعين مرادفا للكلب، فإنّ ذلك ليس بطريقة آلية، وإنّما عبر قراءات حيّة لمدوّنة شاسعة من الأدب ومن الشعر يحيط بها علما على الوجه الأكمل. لم يكن التحدّي موجّها فقط للشخص الذي نطق بالشتيمة، ولا حتى لمجلس العلماء، ولكن للإنسانية جمعاء. بعد انصرام قرون، أقدم السيوطي على رفع التحدّي، لكنه لم يتوصّل إلى إحصاء سوى خمسة وستين اسما للكلب. ثمّ تبيّن أنّه نسي اسميْن، فارتفع العدد إلى سبعة وستين. هيهات! نفس المكتشفين للإسميْن الجديديْن، اعترضوا على ثلاثة أسماء أثبتها السيوطي، وهو ما أرجعنا إلى أربعة وستين. عند هذه النقطة سيتدخل باحث آخر يرغب في رفع تحدّي المعرّي بغية أن يستكمل آدميته. ليس هذا الباحث شخصا آخر سوى كيليطو؛ وهو يعيد قراءة كتاب الحيوان للجاحظ؛ الكاتب الأثير لديه، عاين في هذا الكتاب ثلاثة أسماء جديدة للكلب لم يثبتها السيوطي. ما يرفع العدد، في الحالة الرّاهنة، إلى سبعة وستين. بنعته ب’الكلب الأعمى’، ألقى المعرّي على الأجيال القادمة تحدّيا يجعل منه، إلى إشعار آخر، الانسان الوحيد على وجه الأرض.
خلال الأيام الثلاثة التي سبقت منيّته، سيملي المعرّي على أقربائه وصية حيث سيتكلّم أخيرا وللمرّة الأولى بلا رقابة. للأسف، وكما سيعرف التاريخ الأدبي حالات مماثلة، سيعتبر اقرباء المحتضر أنّه لم يكن حينئذ في كامل قواه وسيتلفون الجمل الأخيرة التي أملاها. ربّما يتضمّن هذا المكتوب الذي تمّ إعدامه مفتاح متاهات المعرّي. * عبد الفتاح كيليطو، أبو العلاء المعرّي أو متاهات القول، دار توبقال، 2000.** النص مأخوذ عن صحيفة Le Matin ليوم 3 / 3 / 2002 ترجمة: إسماعيل أزيات