إشكالية الخصوصية في الرواية العربية

يمثل مصطلح «خصوصية الرواية العربية» المفهوم الأساسي الذي ينبغي أن يجد تأصيلا وتعميقا على المستوى النظري، على الرغم من وجود جهود سابقة في هذا المضمار، إلا أنها قليلة بشكل عام، وغالبا ما يُستَخدم المصطلح من أجل تمييز الرواية المكتوبة باللغة العربية، عن غيرها من الروايات المكتوبة بلغات أخرى، فهو تمييز يستخدم اللغة معيارا أساسيا له، ولكن الأمر لا يقتصر على البعد اللغوي، فهناك أبعاد ثقافية وفكرية عميقة، تتجاوز اللغة، وتجعل الرواية معبرة عن ملامح عامة تخص الرواية المكتوبة بالعربية، المعبرة عن – والموجهة إلى- المجتمع العربي.
إن مصطلح «الخصوصية «Privacy يرتبط بحقول معرفية وإنسانية عديدة، مثل خصوصية الفرد وذاته، وخصوصية المجتمع وثقافته، أو خصوصية المعلومات. كما يرتبط بشكل وثيق بكل الممتلكات والحقوق الخاصة للأفراد، ماليا وفكريا واعتباريا، بل يتجه أيضا إلى ملكية الجسد، وحق التصرف فيه، على حد قول طوني بينيت، «مفاتيح اصطلاحية جديدة: معجم مصطلحات الثقافة والمجتمع» (بيروت، 2011)، وهذا ينسجم مع دلالة المصطلح، التي تأتي في مقابل كلمة «العام» أو العمومية، وتعني ما يشترك فيه عموم البشر، سواء على مستوى الوطن مثل الملكيات العامة، أو على مستوى الفضاء الإنساني، مثل الهواء والبحار، وأيضا المشتركات في التلاقي والتعارف البشري.
لقد وُجِدت إشارات مبكرة على استخدام المصطلح في مجال الفن التشكيلي، مثل صور البورتريه الشخصية للأفراد، أو للعائلات. كما استُخدم المصطلح لوصف التيار الرومانسي في الأدب والفنون، حيث يميل المبدع إلى التأمل الذاتي العميق في نفسه والكون والطبيعة والناس، والتعبير عن عواطفه الجياشة، دون التحسب لقيود العادات والتقاليد. وأيضا ارتبط بفلسفات الحداثة، التي جعلت الذات الفردية الإنسانية جوهرا لها، ورأت أن الشخصية الفردية هي مناط كل شيء في الحياة، وفق رؤية بول بافلو, Paul A. Pavlou في بحثه: «الحالة المعرفية والخصوصية الأدبية» STATE OF THE INFORMATION PRIVACY LITERATURE،
وقد ندرت المفاهيم التي تضيف المصطلح إلى المجال الأدبيPrivacy in the literature، فقلةٌ من الدراسات أشارت إليها؛ فجعلت الخصوصية في دوائر ضيقة تتصل بالأديب أو نوعية معينة من الأدب، كما هو الحال في الدراسات التي تبحث في ملامح التميز لاتجاه أدبي ما، أو حقل أدبي بعينه، أو منهجية نقدية، أو خصوصية الأديب/ المؤلف، وتعني أبرز الصفات التي يتميز بها هذا الأديب أو ذاك وتتبدى في أدبه، أي أنها ارتبطت بخصوصية الشخص أو النص أو تيار.

لقد وُجِدت إشارات مبكرة على استخدام المصطلح في مجال الفن التشكيلي، مثل صور البورتريه الشخصية للأفراد، أو للعائلات. كما استُخدم المصطلح لوصف التيار الرومانسي في الأدب والفنون، حيث يميل المبدع إلى التأمل الذاتي العميق في نفسه والكون والطبيعة والناس، والتعبير عن عواطفه الجياشة، دون التحسب لقيود العادات والتقاليد.

وهناك آليات ـ كما يذكر بافلو- تبحث في طرق الوصول إلى الخصوصية الأدبية، عبر مستويات من التحليل Levels of Analysis، والمقترح في هذا الصدد أربعة مستويات: الفردي، والجماعي، والمؤسسي، والاجتماعي، ويتوقف على هدف الدراسة المبتغى، فهناك دراسات تنصب على دراسة التميز الفردي في الأسلوب والرؤية لأديب ما، الذي لن يتأتى إلا من خلال دراسة مختلف المعلومات عن هذا الأديب، والولوج إلى نصوصه عبر زوايا منهجية عديدة، وقد تتطرق دراسات أخرى، وتتناول أوجه تفاعل الأديب، ثقافيا وفكريا مع محيطه الاجتماعي، أو الجماعات الأدبية والثقافية والفكرية التي انتمى إليها، وأيضا المؤسسات التي عمل فيها، أو ناقشت أعماله. وعندما يتعلق الأمر بالبحث في خصوصية جنس أدبي، فإن المعالجة ستكون على مستوى ما يتميز به هذا الجنس على مستوى الشكل الجمالي والأسلوب اللغوي، وأيضا على صعيد الطروحات الفكرية التي يمكن أن يضطلع بها، ويواكب كل هذا تأصيل مصطلح «خصوصية الرواية العربية» الدال على ما وصلت إليه الرواية العربية من نضج وإبداع وتعبير عن خصوصية الإنسان العربية.
لأن نمو المعرفة يستلزم نمو مصطلحاتها، ونمو المصطلحات يعني أن تكوينها يحتوي على ما هو نسبي وخاص، مثلما يحتوي على ما هو مطلق وعام، حتى يتحلل المصطلح من القيود التاريخية، ويتحلى بالثبات، وهو ثبات يساوي ما فيه من تجريد، بذلك القدر الذي تصبح الرموز والأشكال الرياضية نموذجه الأكمل. وهو نموذج تطمح إليه العلوم في مختلف حقولها الطبيعية والإنسانية، أملا في إدراك خصوصية الوعي بها، ونسبية القيمة، وأن نؤرخ للأفكار من خلال حركة التاريخ المبينة لما فيها من جانب جامد أو نامٍ أو فاعل أو منفعل أو أصيل أو دخيل. فأي تطور في الأدب العربي، لا بد من أن يُترجم إلى مصطلح، يعبر عن هذا التطور، ويمكن أن يكون المصطلح خاصا بحقبة معينة، أو يكون عاما دالا على شكل أدبي بعينه. وهو ما نطمح إليه في دائرة الرواية العربية، التي صارت راسخة في بنية الإبداع العربي الحديث والمعاصر، على مستوى الشكل والمضمون، فيجب أن تكون لها مصطلحات نقدية تؤرخ لها، وتوضح ملامحها، وتكون دائرة متشابكة من المفاهيم الاصطلاحية الخاصة بها، في سائر مراحل تطورها الحديث والمعاصر.
إن النقاش المنطلق من البحث عن خصوصية الرواية العربية، هو أساس من أجل النظر في كيفية تميز الرواية العربية على الصعيد القومي، وهو ما يستلزم الغوص في إشكاليتي الهوية العربية وموقفها من القطرية، وأيضا الأقليات غير العربية، وصولا إلى النظر في قضية الكونية/ العالمية وفضائها الإنساني، وبحث ما يثار في هذا الصدد، حول عالمية الرواية العربية، وكيفية تحقق ذلك، إيمانا منا، بأن العالمية لا تعني إلا أن نقدم الإنسان العربي: ثقافة وقيما ورؤى وأفكارا للبشر. كما سيفيدنا في بحث قضايا المركزية الثقافية والتراث والتجديد، وكيف تناولتها الرواية العربية، وسعيها للتخلص من إسار المركزية الغربية، وأيضا إشكالية كتابة الرواية بلغة أخرى غير العربية، وكيف تم تصوير الإنسان العربي فيها، وكذلك أدب المهجر، المعبّر عن العرب المقيمين في المهاجر، وصولا إلى تناول إشكالية علاقة الرواية العربية بالرواية الغربية، وأيضا علاقتها بالتاريخ الأدبي، لنصل في النهاية إلى الإجابة عن سؤال: هل نشأت الرواية العربية استجابة لحاجات اجتماعية وثقافية وذائقية؟ أم أنها كانت مجرد تقليد لشكل أدبي غربي؟

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية