الناصرة- “القدس العربي”:
كشفت وثائق تاريخية ضمن دراسة لباحث إسرائيلي عن عملية تهجير لبدو صحراء النقب داخل أراضي الـ48 وهي واحدة من مخططات التهجير التي وضعتها دولة الاحتلال للتخلص من فلسطينيي الداخل بعدما تنبهت بعد 1948 أنهم يشكلون أقلية قومية كبيرة. وبناء على طلب أهالي النقب المهددين بمصادرة ما تبقى من أراضيهم أعد المحاضر في جامعة تل أبيب المناهض للصهيونية دكتور غادي الغازي دراسة عن البدو والأرض في النقب.
وفي الدراسة كشف النقاب عن عملية عسكرية قادها قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال وقتها موشيه ديان استهدفت انتزاع الأراضي من البدو الفلسطينيين عنوة. وكتب ديان في مذكرة عثر عليها الغازي، أن “نقل البدو إلى مناطق جديدة سيُلغي حقهم كأصحاب الأرض وسيتحولون إلى مستأجرين لـ”أراضي الدولة”. كما تكشف وثيقة تاريخية إسرائيلية أخرى عن رفض البدو الانتقال من أراضيهم، وأنه إذا لم “ينتقلوا طواعية” فإن الجيش “سيضطر لنقلهم” بالقوة.
وأوضحت “هآرتس” أن الاعتقاد السائد في النيابة العامة هو أن “انتصارها” في هذا الملف سيؤدي إلى نهاية دعاوى ملكية البدو للأراضي التي عاشوا فيها طيلة قرون في النقب، قبل النكبة وقيام إسرائيل عام 1948 وترى أن هذا الملف سيكون عندئذ الأخير في هذه القضية. يشار أن محاكم إسرائيلية رفضت في العقود الأخيرة دعاوى قدمها بدو من النقب لتثبيت ملكيتهم على الأراضي التي صادرتها إسرائيل أو شرعت بإجراءات لمصادرتها. وفي الحقيقة هذه دعوى قضائية أخرى لملكية البدو على أراضيهم في النقب التي قامت إسرائيل بمصادرتها بعد نكبة 1948، ودعوى أخرى من شأنها مثل كل سابقاتها وأمثالها أن ترفض من قبل المحكمة الإسرائيلية خاصة أنها تميل لتبني موقف الدولة بكل ما يتعلق بقضايا الأرض والصراع وهذا أحد عوامل نعت منظمة العفو الدولية (أمنستي) إسرائيل بنظام فصل عنصري (آبرتهايد).
لكن مرفقا بهذه الدعوى القضائية يمكن أن يغير القصة، حتى لو كانت احتمالية ذلك غير كبيرة. والحديث يدور عن رأي للبروفيسور غادي الغازي من قسم التاريخ في جامعة تل أبيب. في بحث معمق أجراه تم الكشف عن عملية عسكرية قادها موشيه ديان، كان هدفها، كما يتضح من الوثائق، “فصل البدو عن أراضيهم بالقوة، (لأن) نقل البدو إلى مناطق جديدة سيلغي حقهم كأصحاب للأرض وسيكونون مستأجرين لأراضي الدولة”. في وثيقة أخرى خاصة بالحاكم العسكري جاء أنه إذا لم يتم نقلهم بإرادتهم فإن الجيش سيضطر إلى نقلهم”.
وفي هذا المضمار يوضح المحقق الصحافي الإسرائيلي نيطع بندل أنه حتى إذا كانوا في وزارة القضاء الإسرائيلية يؤمنون بأن هذا الملف سينتهي مثل سابقيه فهناك احتمالية بأن هذه المواد التاريخية يمكن أن تصبح سابقة قضائية، مع تداعيات أكبر من اعتراف محتمل بقرية العراقيب. ويتابع بندل في تقرير حول هذه القضية “قامت السلطات الإسرائيلية عشرات المرات بإخلاء قرية العراقيب الممتدة على مساحة 2000 دونم تقريبا. سكانها يعودون إليها ويبنون. بدرجة كبيرة قصة العراقيب هي قصة الشتات البدوي. عشرات آلاف الدونمات التي عاشوا وما زالوا يعيشون فيها، لكن غير معترف بها من قبل الدولة”.
راية النضال في الداخل
عمليا، تحولت قرية العراقيب في العقد الأخير إلى راية لنضال البدو الفلسطينيين في النقب البالغة مساحته ثلثا فلسطين التاريخية على ملكيتهم. وجاءت عشرات المرات قوات الأمن الإسرائيلية وقامت بإخلاء من اعتبروا كـ”غزاة” وهم أبناء المكان أبا عن جد وهذا وطنهم. ولكن قرار الحكم الذي أصدره غرونس أعطى للعائلات الأمل أيضا. هذه الثغرة الضيقة جعلت عائلة أبو مديغم وعائلة أبو فريح تقدم دعاوى ملكية على الـ2000 دونم في العراقيب للمحكمة المركزية في بئر السبع بواسطة المحامي ميخائيل سفارد والمحامي كارمل كومرنتس.
العراقيب ترفض الخضوع حتى لو دفنوها حية
في السابق تم تقديم دعوى مشابهة لقبيلة أخرى من المنطقة وتم رفضها ولكن في هذه الدعوى لم يكن هناك الرأي التاريخي للباحث غادي الغازي. “حتى لو لم نفز بالدعوى، لا سمح الله، فإنني حققت رغبتي” يقول الدكتور المحاضر في التكنولوجيا عواد أبو فريح لـ”القدس العربي” منوها أن التاريخ محكي ومكتوب ويتابع “قصتي وقصة والدي وجدي انتصرت. هذه لم تعد حالة أو مجرد اسم. هذه هي العراقيب التي صممت على الاستمرار والبقاء وترفض الخضوع حتى لو دفنوها حية”.
في البحث كشف الغازي للمرة الأولى ملامح العملية الإسرائيلية التي انطلقت في نوفمبر/تشرين الثاني 1951، عملية واسعة النطاق لقيادة المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال بمصادقة قائده في حينه يغئال يدين، لإخلاء البدو ونقلهم إلى منطقة أخرى في النقب. للوهلة الأولى كان ذلك له مبررات أمنية، لكن أيضا كان هناك هدف آخر وهو فصل علاقتهم بالأرض. والرأي الذي تم تقديمه للمحكمة بناء على الوثائق التاريخية يثبت بأن ما تم نفيه في الكنيست الإسرائيلي بصورة صريحة من قبل دافيد بن غوريون حدث. لقد تم إجراء نقل منظم للبدو من شمال غرب النقب إلى الشرق، إلى مناطق قفراء بهدف السيطرة على أراضيهم، كما يؤكد البروفيسور الغازي منوها أن الأمر تم من خلال استخدام “التهديد والعنف والرشوة والخداع”.
اعتبارات أمنية
ويوضح الغازي أن ديان طرح اعتبارات أمنية لنقل البدو إلى منطقة الحدود مع الأردن، لكنه أيضا طرح اعتبارات أخرى منها أن نقل البدو إلى مناطق جديدة سيلغي حقهم كأصحاب للأراضي وهم سيكونون “مستأجرين لأراضي الدولة”. تعابير مشابهة أطلقها ديان في يونيو/ حزيران 1959، في جلسة مباي قال فيها عن مجمل فلسطينيي الداخل: “يجب على سياسة الحزب أن تكون موجهة بحيث أننا نرى هذا الجمهور، الذي يعد 170 ألف عربي، وكأنه لم يتم البت في مصيرهم. أنا آمل أنه في السنوات القريبة القادمة ستكون هناك إمكانية أخرى لتنفيذ ترانسفير لهؤلاء العرب من أرض إسرائيل”. وبعد سنة من ذلك، كما يتبين من الوثائق التاريخية، نفذ ولو جزئيا فيما بقي آخرون.
على أي حال، الآن الجميع ينتظرون ما ستقوله المحكمة الإسرائيلية ولكن يوجد للغازي توقع آخر وهو أن يتم كشف المزيد. ويضيف “الصعوبة تكمن في إعادة استرجاع عملية، من قاموا بتنفيذها عرفوا أنها غير قانونية تماما، لذلك توجد أمور حرصوا على عدم كتابتها. إضافة إلى ذلك، أيضا عندما يدور الحديث عن أحداث حدثت قبل سبعين سنة، فإنه فقط جزء من وثائق أرشيف الجيش الإسرائيلي تم كشفه، ونحن ننتظر اليوم الذي يمكننا فيه الاطلاع عليها جميعا”.