الخرطوم ـ «القدس العربي»: خرجت عدة تظاهرات في أحياء وطرق مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، رفضا للانقلاب العسكري وتنديدا بزيارة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، للولاية التي تشهد أوضاعا أمنية متردية وأحداث عنف واسعة منذ انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
في الموازاة، نفذت «مبادرة لا لقهر النساء» وعدد من الناشطات النسويات، وقفة احتجاجية أمام مقر مفوضية حقوق الإنسان وسط الخرطوم، طالبت بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين خاصة النساء السياسيات، ومنهم رئيسة المبادرة أميرة عثمان التي اعتقلتها الأجهزة الأمنية الشهر الماضي، بعد اقتحام منزلها في حي الرياض، في الخرطوم.
واعتقلت الأجهزة الأمنية العشرات من الناشطين السياسيين وأعضاء لجان المقاومة، منذ انقلاب قائد الجيش في الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
وحسب إحصاءات الهيئة القانونية للدفاع عن المتأثرين بالقبض الجزافي والاحتجاز غير المشروع، لا يزال 46 شخصا معتقلين في سجن سوبا في الخرطوم، اعتقالا غير شرعي دون توجيه أي تهم أو بلاغات، بينما قتل 79 شخصا في التظاهرات الرافضة للانقلاب حسب لجنة أطباء السودان المركزية، وأصيب أكثر من 2000 شخص، بعضهم إصاباتهم حرجة حسب منظمة «حاضرين لمعالجة مصابي الثورة السودانية».
خمس جلسات
وفي الأثناء، تواصل بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان (يونيتامس) اجتماعاتها في إطار مبادرة المشاورات غير المباشرة، التي أطلقتها منذ أربعة أسابيع.
قالت (يونيتامس) في بيان صحافي أمس، إنها عقدت خمس جلسات تشاور في إطار المبادرة، مع مجموعة أكاديميات وخبيرات في (الجندر) والموقعين على مسار الشرق في اتفاقية السلام ومنبر السودانيين الحر للوحدة، بالإضافة إلى مجموعة من قدامى المحاربين وضحايا الحرب وقوى التجمع الشبابي الثوري الحر.
الترتيبات الأمنية
في الموازاة، وصل رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، الأربعاء، برفقة وفد من أعضاء المجلس إلى مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور (غرب) لبحث الترتيبات الأمنية وفق اتفاق سلام جوبا الموقع قبل نحو 15 شهرا.
ووفق بيان لمجلس السيادة، وصل البرهان «ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) وعضوا المجلس الهادي إدريس والطاهر حجر، إلى مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور».
وأفاد البيان بأن «وفد مجلس السيادة سيعقد اجتماعا مع المجلس الأعلى المشترك للترتيبات الأمنية».
وأعلنت تنسيقيات لجان المقاومة في الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور والتنسيقية العامة للنازحين واللاجئين رفض الزيارة التي تعد الأولى لقائد الجيش ونائبه، لإقليم دارفور، منذ الانقلاب.
ورغم التظاهرات المنددة بالزيارة، عقد قائد الجيش ومجموعة من قادة الحركات، الاجتماع الدوري للمجلس الأعلى المشترك للترتيبات الأمنية لاتفاق السلام الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2020.
وناقش الاجتماع تنفيذ بند الترتيبات الأمنية لمسار دارفور في اتفاق السلام بجانب الوقوف على التطورات الأمنية في الإقليم وسير تشكيل القوة المشتركة المخصصة لمهام تحقيق الأمن والسلام في دارفور، حسب بيان لمجلس السيادة.
جرحى واعتقالات
في هذه الأثناء قمعت الأجهزة الأمنية التظاهرات في الفاشر، التي كان أكبرها في الطريق المؤدية لمطار الفاشر، حيث استقبل رئيس إقليم دارفور مني أركو مناوي، ووالي ولاية شمال دارفور نمر محمد عبد الرحمن، البرهان وقادة الحركات المسلحة.
وقالت عضوة لجان مقاومة الفاشر، مها الرشيد لـ«القدس العربي» إن القوات الأمنية هاجمت المتظاهرين الرافضين لزيارة قادة الانقلاب، بالهراوات والغاز المسيل للدموع وطاردتهم في أحياء المدينة، مما أسفر عن سقوط عدد من الجرحى، واعتقال خمسة متظاهرين.
ووصفت لجان مقاومة الفاشر زيارة قائد الجيش والوفد المرافق له للولاية بالخطوة المثيرة للريبة والدهشة معآ، منددة بقمع واعتقال المتظاهرين.
رفض الزيارة
وشددت على رفضها القاطع للزيارة، مؤكدة أن الطريق إلى الحرية والسلام والعدالة يبدأ بأسقاط الانقلاب العسكري وتقديم عضويته للعدالة الناجزة ومحاسبتهم على ما اقترفوه من مذابح ومجازر بحق الشعب السوداني.
وقفة لمبادرة «لا لقهر النساء» للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين
وقالت، في بيان الأربعاء: «إن زيارة قادة الانقلاب لشمال دارفور، محاولة للتغطية على جرائمهم البشعة بالحديث الخادع عن الترتيبات الأمنية والهروب إلى الأمام من أجل تمكين الانقلاب الذي قادته حفنة من القيادات المتورطة في المظالم والمكرسة الجبروت والطغيان».
وأضافت: «أن هذا القمع والإرهاب لن يمنعنا من مقاومة هذه السلطة الانقلابية، لا يوجد ما يكفي من الرصاص لإيقاف ثورتنا ضد هذا الانقلاب الدموي».
وحسب التنسيقية العامة للنازحين واللاجئين، قتل 300 شخص على أيدي مجموعات مسلحة في إقليم دارفور منذ الانقلاب العسكري، بينما أصيب ونزح المئات.
وقال المتحدث الرسمي باسم تنسيقة النازحين واللاجئين، آدم رجال لـ«القدس العربي» إن الأجهزة الأمنية ظلت تقمع التظاهرات التي اندلعت منذ بداية الانقلاب العسكري، في مدن دارفور المختلفة، فضلا عن تورط المجموعات المسلحة التابعة للمجلس الانقلابي في أحداث العنف والنزاعات في الإقليم.
وأكد أن مواطني دارفور فقدوا إيمانهم باتفاق السلام، بعدما تكشف لهم أنه لا يخاطب جذور الأزمة الحقيقية في دارفور، ولن ينهي الحرب والموت والنزوح في الإقليم، واصفا إياه باتفاق «المحاصصات وتقاسم مقاعد السلطة».
وشدد على أن أولى خطوات السلام الحقيقي تبدأ بإسقاط الانقلاب العسكري وتسليم السلطة للمدنيين، مؤكدا أنهم سيظلون يقاومون الانقلابيين، ومشيرا إلى أنهم امتداد للنظام السابق الذي ظل يرتكب المذابح والجرائم في حق إنسان دارفور لعشرين عاما.
وطالب بإسقاط الانقلاب وإصلاح الجيش وتسليم جميع مرتكبي الجرائم للمحكمة الجنائية ومحاسبتهم على كل الانتهاكات في دارفور ومناطق السودان المختلفة.
محاكمة المجرمين
وقالت التنسيقية العامة للنازحين واللاجئين في بيان أمس: «سنظل صامدين خلف مطالبنا وأهدافنا ولن نتراجع عن واجباتنا الثورية والوطنية حتى إحداث التغيير وإرجاع الحقوق المسلوبة ومحاكمة المجرمين وطرد المستوطنين وعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم الأصلية وتعويضهم فردياً وجماعياً».
وأضافت: «نعلن رفضنا القاطع لزيارة الانقلابي المدعو عبد الفتاح البرهان ونائبه» مطالبة إياهم بـ«التنحي الفوري عن الحكم وتسليم السلطة إلى الشعب دون قيد أو شرط، بدلاً مما وصفتها بزيارات خلق وإثارة الفتن والنعرات القبلية».
ودعت التنسيقية العامة كافة الشعب للوحدة، مؤكدة أن «لا وقت للخلاف» مشددة على ضرورة العمل المشترك من أجل تحقيق هدف إسقاط الانقلاب وبناء دولة المواطنة المتساوية التي تسود فيها قيم الحرية والمساواة بين جميع مكونات المجتمع السوداني المتعدد عرقيا وثقافيا واجتماعيا ودينيا وسياسيا.
وأضافت: «سنظل صادقين وصامدين في مبادئنا تجاه قضيتنا العادلة التي لم ولن نقبل فيها أي مساومة مع هذه النظام الانقلابي الاستبدادي العنصري البغيض إيماناً منا إما أن ننتصر أو نموت دونها».
ودعت التنسيقية مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي ودول الترويكا والمنظمات الحقوقية والإنسانية، للضغط على الانقلابيين لإيقاف العنف المفرط ضد المتظاهرين السلميين ووقف حمام الدم وقتل المتظاهرين العزل.
ووقعت الحكومة الانتقالية السودانية، في اكتوبر/تشرين الأول 2020، اتفاق سلام مع عدد من التنظيمات والحركات المسلحة، مكونا من خمسة مسارات مثلت أقاليم السودان الخمسة، شملت مسار دارفور. وأسهم اتفاق السلام إبان توقيعه في استقرار إقليم دارفور، إلا أن تأخر تنفيذ بنوده خاصة بند الترتيبات الأمنية، وظهور معارضين للاتفاق، اعتبروه «لا يخاطب أزمة» دارفور، أعاد النزاع للإقليم..
وقامت مجموعات مسلحة تابعة للحركات الموقعة على اتفاق السلام، بمهاجمة ونهب مقار بعثة «يوناميد» ومخازن برنامج الغذاء العالمي، في الفاشر، في ديسمبر/كانون الأول الماضي.
وطالب حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي» وقتها، المجموعات المسلحة بإعادة ممتلكات «يوناميد» وبرنامج الغذاء العالمي، ولكن دون جدوى، ما أدى إلى تعليق برنامج الغذاء العالمي لأنشطته في دارفور، قبل أن يعلن لاحقا، فك التعليق.