الصراع الليبي ـ الإيطالي: سيادة القانون أم قانون السيادة؟
د. سعاد الطيف الفيتوريالصراع الليبي ـ الإيطالي: سيادة القانون أم قانون السيادة؟ استعمار الشعوب يعتبر من الجرائم الإنسانية والأخلاقية بحق تلك الشعوب التي استعمرت، لأن الاستعمار يكرس انتهاك سيادة البلد وكرامة الإنسان فهو جريمة بكل ما في الكلمة من معني وعلي كافة الصعد والمقاييس.وليبيا واحدة من هذه الدول التي وقعت تحت نير الاستعمار المباشر من قبل (ايطاليا) من عام 1911م إلي عام 1943م، وفقد الشعب الليبي خلال هذه الفترة الزمنية ما يقارب 700.000 مواطن قضوا بسبب بطش وقساوة المستعمر الذي ما ترك وسيلة للإذلال والتعسف إلا واستعملها ضد هذا الشعب بدون وجه حق إضافة إلي اغتصاب أراضيه ومدنه عنوة وبقوة السلاح.ولم يكتف المستعمرون من سلب الثروات وانتهاك الحقوق العامة وإنما مارسوا التمييز العنصري بأبشع صوره، حيث صاروا يجعلون من أنفسهم وجلاوزتهم سادة المجتمع ولهم الامتيازات الكثيرة في امتلاك الأراضي والمساكن وكل مرافق الحياة الليبية، والمواطن الليبي تحول إلي عبد في وطنه وأجير بين أهله وقومه ويري بأم عينه سلب ثرواته ونهب خيراته والاستيلاء علي ممتلكاته، ناهيك عن المعاناة النفسية الهائلة التي تعرض لها الشعب الليبي من خلال اهانة قيمه الإسلامية والاجتماعية والتعرض لكرامته حيث وجد الليبيون أنفسهم أمام عدو غاز غاشم لا يرعوي عن ازدراء القيم الاجتماعية من عادات وتقاليد والتي هي بمثابة روح الشعب الليبي علي مختلف قطاعاته وتصانيفه والمعروف أن المعاناة النفسية هي الأشد والأقوي من أية معاناة أخري، لأن جرحها لا يندمل ما دامت صورها المرعبة واللاانسانية تعيش في أعماق نفوس المواطنين، فعذابات الروح لا تساويها أية عذابات أخري مها كانت قاسية ووحشية، لقد حول المستعمر الوحشي أجساد الليبيين مسطحات بشرية لسياط جلاديه واقتحم نفوسهم لتدميرها من الداخل وبسلبها جوهر وجودها الا هو الحرية.و الإنسان حين يفقد حريته يفقد أشياء كثيرة، يفقد إمكاناته علي الإبداع والتطوير وبناء الوطن، والسير في دروب التقدم والرفاه، مما أدي إلي حرمان ليبيا من الفرص الكثيرة للتقدم والبناء علي الصعيدين المدني والبشري وما ترتب علي هذا الحرمان من خسارة مفجعة لا تعوض حيث لا يمكن استرداد الفرص وإرجاع الزمن إلي الغابر من أيامه حيث حرم الشعب الليبي من الحد الأدني للخدمات الأساسية كالتعليم والصحة، إضافة إلي تدمير البني التحتية والتي لا يزال الشعب الليبي يعاني من ضريبة ذلك التدمير وآثاره، والتي هي في الحقيقة أشد من كل وسائل الحرب العسكرية المدمرة.من خلال هذا الركام من الدمار وانتهاك الحقوق تطلع علينا حفيدة (موسوليني اليساندرا) وتقول بأنه: (لولا الاحتلال الإيطالي لليبيا في عهد جدها، لكان الليبيون لا يزالون يركبون الجمال)، ولا أدري هل أن الحفيدة تعتبر ركوب الجمال عاراً علي الشعوب، وهي تعرف بأن الجمال أكثر تحضراً منها، فللجمل صفات تتحسر هي عليها لو أنها أنصفت نفسها والجمال، الجمل بالنسبة لنا هو موضع اعتزاز ولا نبدله بألف من الغزاة. أيتها الحفيدة كذلك هي الخيمة الليبية التي تنطوي علي قيم رائعة وشيم نبيلة، تفتقر إليها قصوركم التي شيدت بجماجم شعوبنا وزينت بالمنهوب من ثرواتنا وتراثنا.وحين مطالبة ليبيا بحقوقها في التعويض عن الأضرار النفسية والأضرار المعنوية (التي يصعب تعويضها) إضافة إلي الأضرار المادية، نري التسويف من قبل الإيطاليين والاكتفاء بكلمات الإعتذار التي لا تسمن ولا تغني من جوع، نقول للإيطاليين ان الجرائم وما يترتب عليها لا تسقط بالتقادم، فللشعب حقه في المطالبة بتعويضات حتي بعد مرور ثمانية عقود من السنين، لأن الحق هو الحق ولا يمكن أن يُلغي بمرور الزمن، علي العكس من ذلك فمرور الزمن يعني التخلف عن إعطاء الحقوق ورد المظالم لمن عانوها، وعاشوا عذاباتها وخسائرها، والتاريخ حافل بشواهد علي رد الحقوق وتعويض الشعوب عن خسائرها المادية والمعنوية، ومن هذه السوابق، هو ما حصل من تعويضات لجرائم ارتكبت بحق أعراق وشعوب تم التعويض عنها، منها جرائم ألمانيا النازية ضد اليهود والتي ما زالت ألمانيا وأوروبا مستمرة في دفع تلك التعويضات إلي يومنا هذا، ولا ننسي أن ليبيا استجابت لمتطلبات القانون الدولي عندما دفعت تعويضات باهظة بخصوص قضية (لوكربي) رغم عدم كفاءة الأدلة ولكن أرتأت الحكومة الليبية فض ذلك النزاع ودفع التعويضات كبادرة استجابة للقانون.ومن الجدير بالغرب وخاصة الدول الأوروبية أن تلتزم بمعايير القانون الدولي ولا تحاول أن تفترض معايير أخري حتي لا تسقط مصداقيتها في عيون العالم الذي يتطلع إلي احترام سيادة القانون وحقوق الدول والمجتمعات. فعليه يجب أن تتعامل مع جرائمها السابقة بنفس المعايير التي تطالب وتدّعي أنها تعمل علي ترسيخها اليوم، وإذا ما أصرّت علي تجاهل مخلفات جرائمها الاستعمارية فهذا يعني أنها تمارس الكيل بمكيالين.ومن خلال ما تقدم يتوجب علي المعتدي (الإيطالي) الفاشي أن يدفع فاتورة أخطائه واعتداءاته المشينة. وذلك وفقاً للمعايير القانونية والأخلاقية، بداية من التعويض المعنوي بالاعتراف بهذه الجرائم والاعتذار عنها إلي التعويضات المادية.ويبقي القانون هو السيد في كل المجالات، فنحن كما اعترضنا وما زلنا نعترض بشدة علي ما ارتكبته ايطاليا من انتهاكات وسلب للحقوق والممتلكات، فلو توقعنا أن ايطاليا لن تستجيب لمطالب الشعب الليبي، وتحاول أن تغمض عينها عن تلك الاستحقاقات القانونية والإنسانية، فالأمر سوف لن يكون لمصلحتها كدولة لها مصالح كثيرة آنياً ومستقبلاً في ليبيا، فإذا ما أصرت ايطاليا علي موقفها اللامبالي واللامسؤول، فهنا لا مجال إلا لتدخل (منظمة الأمم المتحدة) لتفصل في هذه الواقعة ضمن معايير القانون الدولي وحقوق الإنسان، ونتمني علي (منظمة الأمم المتحدة) الإنصاف وعدم التحيز لأي طرف حيث القانون يجب أن يسود الجميع.إن الجدلية القائمة بين ترسيخ قيم العدل واحترام حقوق الأفراد والجماعات وبين الانخراط في المسيرة الحضارية للإنسانية أصبحت حقيقة لا مجال لتجاوزها أو الغفلة عنها، بل لا بد من إشاعة هذه المفاهيم بين الأفراد والشعوب، فكلما احترم القانون وسادت العدالة كلما انتشر الاستقرار وعمّ التقدم والرخاء علي المستوي العالمي وفي داخل الدول نفسها.ہ كاتبة من ليبيا8