إصرار تركي وترحيب أوكراني وتوجس روسي: ما هي فرص نجاح وساطة اردوغان؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
3

تحاول تركيا اقناع أوكرانيا بأن بعض الدول الغربية تسعى لتصعيد النزاع مع روسيا من أجل استنزافها في أوكرانيا، وتتوقع من زيلينسكي تقديم بعض التنازلات لتثبت لروسيا أنها قادرة على الوساطة.

إسطنبول ـ «القدس العربي»:  تؤمن أنقرة أن منع وقوع حرب في أوكرانيا هو الخيار الوحيد القادر على حماية مصالحها وتجنيبها خيارات صعبة قد تخلف آثاراً كارثية عليها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وفي هذا الإطار تضغط بكامل ثقلها للوساطة بين موسكو وكييف لإبعاد شبح الحرب ويصعب التكهن بمدى نجاحها في ظل التوجس الروسي المتزايد من العرض التركي رغم الترحيب الأوكراني الواسع.

فروسيا التي تضغط لإجبار الولايات المتحدة الأمريكية وكبار دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» على التفاوض معها وتقديم ضمانات أمنية استراتيجية لها، لا ترى في الوساطة التركية ما يلبي طموحاتها التي تسعى لتحقيقها من التلويح بالحرب وما رافق ذلك من نقل عشرات آلاف الجنود وأعداد هائلة من الأسلحة المتطورة بتكلفة ربما وصلت إلى مئات ملايين الدولارات، الأمر الذي يعطي انطباعاً أن موسكو لا تضع في أولوياتها التجاوب مع الوساطة التركية، أو في هذه المرحلة على أقل تقدير.
كما أن روسيا لا تعتبر أنقرة «وسيطاً حيادياً» في ملف أوكرانيا، حيث تربط أنقرة وكييف علاقات «استراتيجية» وسط تعاون متزايد في كافة المجالات، والأهم هو التأكيد التركي الدائم على دعم أنقرة لوحدة الأراضي الأوكرانية والإصرار حتى اليوم على عدم الاعتراف بقانونية ضم روسيا لشبه جزيرة القرم ودعم أنشطة تتار القرم وجهود أوكرانيا لتفعيل القضية في المحافل الدولية رغم تراجع الجهود الغربية في هذا الإطار.
إلا أن الملف الأكثر حساسية في هذا الإطار، هو التعاون الدفاعي المتزايد بين أنقرة وكييف، حيث باعت تركيا سابقاً لأوكرانيا قرابة 20 طائرة مسيرة من طراز بيرقدار التي بدأت أوكرانيا بالفعل في استخدامها ضد المتمردين المدعومين من روسيا في دونباس، وهو ما فجر غضب موسكو، قبل أن يجري التوقيع خلال زيارة اردوغان لكييف، الخميس، على اتفاق جديد لصناعة المزيد من هذه الطائرات بشكل مشترك على الأراضي الأوكرانية وهو ما يمنح الجيش الأوكراني فرصة امتلاك أعداد أكبر بكثير من هذه الطائرات التي أثبتت قوة أدائها العسكري ضد المنظومات الدفاعية والهجومية الروسية في معارك سابقة في ليبيا وسوريا وقره باغ.
وعلى الرغم من الغضب الروسي المتزايد، أكد فخر الدين ألطون رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية في تصريحات لشبكة «بلومبرغ» أن بلاده لن توقف بيع الأسلحة إلى أوكرانيا لإرضاء روسيا الغاضبة، مشدداً على أن التعاون الدفاعي بين تركيا وأوكرانيا غير موجه ضد روسيا، لكن هذه التطمينات لم تلق صدى في روسيا التي إنبرت وسائل إعلامها وكبار كتابها لاتهام تركيا بـ«النفاق» ودعم أوكرانيا عسكرياً من جانب و«ادعاء الرغبة في الوساطة» من جانب آخر.
في المقابل، وعلى الجانب التركي، تشير كافة التحليلات والمعطيات إلى أن أنقرة ليست لديها أي مصلحة في اندلاع نزاع عسكري في أوكرانيا، بل على العكس تماماً تُجمع كافة التقديرات على أن تركيا سوف تكون الخاسر الأكبر بعد أوكرانيا في حال حصول اجتياح روسي، حيث ستجد أنقرة نفسها أمام خيارات معقدة وصعبة للغاية لا ترغب على الإطلاق في الانزلاق إليها ليبقى خيارها الأول الزج بكامل قوتها الدبلوماسية في محاولة للعب دور الوسيط ومنع وقوع هذه الحرب.
فإلى جانب التحولات الاستراتيجية التي ستفرضها سيطرة روسية على أوكرانيا تتضمن تغيير موازين القوى في حوض البحر الأسود الذي سعت تركيا تاريخياً للحفاظ على الهدوء والسلام فيه، ستكون تركيا أمام خيارات صعبة يمكن أن تفجر مواجهات غير مباشرة مع روسيا في سوريا وليبيا وساحات أخرى إلى جانب الخسائر الاقتصادية المتوقعة في حال وقف تدفق السياح الروس وتراجع التبادل التجاري وصولاً لإمكانية تضرر امدادات الغاز الطبيعي من روسيا الذي تعتمد عليها تركيا بدرجة أساسية في توفير احتياجاتها من الطاقة.
ورغم هذه التناقضات والتعقيدات، إلا أن الرئيس التركي يعول على علاقاته المباشرة مع الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أجل عقد هذه المباحثات في أقرب وقت ممكن وإن كان عبر لقاءات ثنائية مع الجانبين في محاولة لإقناع بوتين بعقد لقاء ثلاثي مع زيلينسكي وهو ما ترفضه روسيا حتى اليوم التي تضع شروطاً مسبقة لعقد هذا اللقاء ما زالت ترفض أوكرانيا تنفيذها.
وإلى جانب التعويل على العلاقات الشخصية، تحاول تركيا اقناع أوكرانيا بأن الغرب لا يريد مصلحتها بالضرورة وأن بعض الدول الغربية تسعى لتصعيد النزاع مع روسيا من أجل استنزافها في أوكرانيا التي لم تحصل على دعم غربي كاف حتى الآن، وبالتالي تتوقع من زيلينسكي ربما تقديم بعض التنازلات تستطيع من خلالها تركيا الإثبات لروسيا أنها الطرف القادر على الوساطة في هذا الملف، وظهرت إشارات ذلك من خلال توجيه اردوغان انتقادات حادة لتعامل الإدارة الأمريكية والغرب بشكل عام مع الأزمة الأوكرانية.
كما تعول تركيا على قدرتها على إقناع روسيا بأن أي نزاع ستكون له نتائج صعبة على روسيا نفسها وأمن البحر الأسود ويفتح الباب أمام تدخلات غربية ربما تكون تركيا جزءا منها في حال تمادت روسيا باجتياح أوكرانيا وهو سيناريو لا ترغب فيه موسكو الراضية حتى الآن عن سياسة تركيا الحذرة تجاه إدخال قوات الناتو إلى البحر الأسود عبر المضائق التركية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية