الناصرة ـ «القدس العربي»: لم تكن النكبة في الواقع حدثا تاريخيا انتهى عام 1948 بل بدأ قبله وجذورها تمتد عميقا إلى عقود قبله عندما كانت تحيك الصهيونية خيوط مخططاتها الاستعمارية في شرق وغرب أوروبا وسائر العالم. لم تنته النكبة عام 1948 لأن تبعات وهزات هذا الزلزال الكبير ما زالت تتفاعل على طرفي الخط الأخضر حتى وإن كانت ألسن لهبها تنخفض مرة وتعلو أخرى. وتزداد هذه المقولة صحة في ظل انسداد الأفق وحالة الموت السريري لتسوية الدولتية وبدء العودة المتسارعة للمربع الأول، إلى 1948. جاءت هبة الكرامة في أيار/مايو على طرفي الخط الأخضر لتذكر بذلك، فقد تفجرت المواجهات داخل المدن الفلسطينية التاريخية وسائر بلدات فلسطينيي الداخل والقدس انتصارا لها ولغزة وفي ذات الوقت تواصل إسرائيل مشاريع التهويد والتطهير العرقي التي بدأتها في النقب والجليل وسائر البلاد فيما تتواتر المواجهات العسكرية مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. هذا على الأرض، معركة تلو معركة لكنها قائمة أيضا في الوعي. فالمعركة على الرواية ما زالت مشرعّة على وسع أبوابها وتشهد تأججا جديدا كلما سمح بالكشف عن القليل من خبايا الأرشيفات الإسرائيلية المودعة في الخزائن بفعل قرار يهدف لحجب الجرائم الصهيونية عن وعي الإسرائيليين وعن وعي الجيل الفلسطيني الجديد كما حصل في الشهر الماضي عقب تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» عن فيلم إسرائيلي لم يعرض للعامة بعد، لكنه يثير ضجة متصاعدة لاحتوائه على شهادات واعترافات جنود إسرائيليين بالمشاركة في ارتكاب واحدة من أكثر المذابح الإسرائيلية دموية وبشاعة.
فيلم طنطورة
لم يكشف الفيلم الإسرائيلي عن مذبحة إسرائيلية لم تكن معروفة من قبل، فقد سبق ونشرت صحيفة عبرية أخرى عن ملامح المذبحة في العام 1998 ضمن تحقيق واسع يستند لأطروحة ماجستير وضعها طالب يهودي يدعى تيدي كاتس حول الطنطورة وقرى جنوب حيفا تحت إشراف المؤرخ الفلسطيني الراحل قيس فرو في جامعة حيفا. وقتها قامت القيامة داخل إسرائيل ليس بسبب بشاعة ماكنة القتل الجماعي الإسرائيلية التي قتلت معظم رجال قرية الطنطورة وهم بلا سلاح، بل لأن جهة إسرائيلية غردّت خارج السرب وفضحت ما يفترض أن يبقى سرا طي الكتمان وفق منطق الإسرائيليين، فهناك أمور «ليس جميلا أن نتحدث بها» كما قال أحد جنود وحدة اسكندروني التي ارتكبت المذبحة، منوها في الفيلم الوثائقي لألون شفارتس أنه «ينبغي عدم الثرثرة بهذه المسألة». ومن أجل إخراس صوت الحقيقة سارع المتبقون من وحدة الاسكندروني لتقديم دعوى قذف وتشهير على تيدي كاتس وطالبوه بالاعتذار والتراجع عن مزاعمه وتعويضهم ماليا. أمام ماكنة الضغط الإسرائيلية تراجع كاتس ورضخ للمدعين عليه بدون إطلاعه محامي الدفاع افيغدور فيلدمان الذين سحبوا الدعوى مقابل أن يعتذر عما كتبه ويتنصل منه رغم أنه كان بحوزته اعترافات مسجلة لجنود من وحدة الاسكندروني اياها والذين عادوا هم وآخرون بتقديم اعترافات تضمنها فيلم طنطورة لألون شفارتس.
رواية رضوى عاشور
كذلك تتصدر الطنطورة قائمة المذابح الصهيونية المعروفة والموجودة في وعي الفلسطينيين وسبق أن استوحت الكاتبة المصرية رضوى عاشور روايتها «الطنطورية» أحداث سرديتها من هذه المذبحة مثلما استلهمها عمل مسرحي فلسطيني في الماضي، وتناولتها كتب التاريخ التي وثقت السردية الفلسطينية التاريخية. وقبل صحيفة «هآرتس» العبرية كانت صحيفة «كل العرب» الفلسطينية الصادرة في الناصرة داخل أراضي 48 قد نشرت تحقيقا صحافيا موسعا مطعما بشهادات الناجين والصور التاريخية في العام 1991 أعده الصحافي محمد نجيب كعوش، لكن الضجة التي أثارتها صحيفة «هآرتس» كانت أكبر في صفوف الفلسطينيين أيضا رغم تطابق التفاصيل من عدة جوانب منها عدد ضحايا المذبحة البالغ نحو 200 ضحية دفنوا في عدة قبور جماعية بعضها موجود أسفل موقف للسيارات اليوم في منتزه الطنطورة التي أقيمت على سواحلها المدهشة وأراضيها مستوطنتان، دور ونحشوليم. ما دفع بعض المعلقين والباحثين للتساؤل عن الفجوة بين الحالتين وعما إذا كانت هذه هي «عقدة الخواجا» والانبهار بما يأتي من الجانب الإسرائيلي رغم أن معظم وسائل الإعلام العبرية معادية لحقوق الفلسطينيين؟
غبار قضية الطنطورة
وماذا يعني؟
في هذا المضمار قال المؤرخ الخبير في التاريخ الفلسطيني الحديث بروفيسور مصطفى كبها بلهجة عاتبة: «في المدة الأخيرة ثار غبار كثيف وجدل مكثف حول تقرير نشرته صحيفة هآرتس العبرية كتبه باحث شاب واعد يدعى آدم راز. ومرة أخرى نهتم كفلسطينيين بالتفاصيل الواردة ونتهافت عليها بالضبط مثلما حصل عند نشر المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس لكتابه (قضية اللاجئين) ونشر تفاصيل قضية تيدي كاتس وجامعة حيفا حول ما جرى في الطنطورة من فظائع يوم احتلالها بين الثاني والثالث والعشرين من أيار/مايو 1948. ويبقى السؤال إلى متى سيبقى الاعتماد على ما يكتبه المؤرخون الإسرائيليون ملاذ السردية الفلسطينية شبه الوحيد؟ ولماذا هذا الانبهار بما يكتبون هذا مع العلم بان هذه الرواية رواها أهل الطنطورة طيلة الوقت وكتب عنها العديد من الباحثين الفلسطينيين (وأنا منهم) على مدار سنين عديدة؟».
هل تعتذر جامعة حيفا؟
ويوضح كبها الحقيقة انه لا جديد في التفاصيل المنشورة مؤخراً سوى تضمنها على اعترافات مباشرة من قبل بعض من قاموا بالفظائع وذلك بعد أن أنكروا وتنكروا على مدار الفترة السابقة. ويتابع «لعلها فرصة الآن تمنح لجامعة حيفا كي تعتذر لتيدي كاتس ولمرشده المرحوم البروفيسور قيس فرو عما سببته لهما من مضايقة وحرج ونكران وجحود».
يذكر أن مجموعة من الأكاديميين الفلسطينيين وبعض المثقفين اليهود يسعون في هذه الأيام لإقناع جامعة حيفا بالاعتذار لكاتس ولقيس فرو بعد فضح هذه الشهادات والاعترافات الإسرائيلية عن مذبحة الطنطورة.
ماذا جرى بالفعل في الطنطورة؟
على سؤال «القدس العربي» هذا يجيب كبها بالقول: «في يومي الثاني والثالث والعشرين من آيار/مايو 1948 قامت قوات السكندروني بالسيطرة على قرية الطنطورة الساحلية ومينائها وذلك بعد قصف مركز من البر والبحر والجو. وقد سبقت هذه المعركة فترة مناوشات دامية استمرت بين أهالي الطنطورة والقوات اليهودية التي حاولت اقتحامها منذ شباط/فبراير 1948». موضحا أن «معظم الشهادات التي جمعت من الأهالي (جمعت بنفسي العديد منها) تفيد بانه أثناء احتلال واقتحام القرية من قبل القوات المهاجمة جرى ارتكاب فظائع حرب راح ضحيتها بين75 – 105 شخصا قتلوا بدم بارد، هذا عدا الذين استشهدوا وهم يحملون السلاح وهم يدافعون عن القرية وقد وصل عددهم العشرات من الشهداء». ويستذكر كبها أن الباحث تيدي كاتس قام من خلال بحث عن قرى الكرمل الجنوبي لنيل شهادة الماجستير بشرح حيثيات هذا الموضوع، ولكن القضاء الإسرائيلي تدخل في سابقة مثيرة وأقر ببطلان التفاصيل الواردة في الرسالة وعلى إثر ذلك قامت جامعة حيفا بإلغاء إقرار الشهادة ورفض منحها لكاتس.
ويتنبه كبها أيضا إلى قوة الرواية الشفوية الفلسطينية كمصدر في تأريخ السردية الفلسطينية خاصة بعدما صودرت ودمرت وثائق ومستندات فلسطينية مطبوعة في نكبة 48 ويقول إن هذا الموضوع أشغل وما زال يشغل الأوساط العلمية والأكاديمية الإسرائيلية والدولية حول ما حصل وحول قضية اعتماد الشهادات الشفوية كمصدر تاريخي وكيفية انعكاس ذلك على بحث ما جرى في حرب ونكبة 1948.
بين حيفا وقيساريا
وتابع كبها «على شاطئ بحر المتوسط المستقيم بين قيساريا وحيفا وقعت جملة من القرى الفلسطينية كانت أشهرها قرية الطنطورة المهجرة، وقد ربطتها علاقات وثيقة في المناطق المحيطة بهذا الساحل من قيساريا حتى أم الفحم ومن الطنطورة حتى طيرة اللوز وإجزم وعين غزال وأم الزينات وسائر قرى الروحة». موضحا أن ميناء الطنطورة كان أحد الموانئ الصغيرة المهمة في فلسطين وقد استقبل البضائع من الخارج وصدر البطيخ والغلة والبرتقال، وقد بلغ عدد سكانها نحو 1750 نسمة ومساحة أراضيها15000 دونم. كذلك يشير إلى أن الطنطورة عرفت باسم «الطنطورة أم العطورة» أما ميناؤها الصغير والذي كان يصدر البطيخ والملح والحجارة الكركارية المستتة للاسكندرية وبيروت ومرسيليا، فقد عرفه القاصي والداني باسم «مينا الطنطورة «وبعضهم سماه «مينا البطيخ» علما بأن هناك ميناء ليس بعيدا باتجاه الجنوب على حدود ديرة عرب النفيعات الجنوبية سمي بنفس الاسم ويحمل اسما آخر هو مينا أبو زابورة.
ويتفق المؤرخ دكتور جوني منصور ابن مدينة حيفا مع كبها ويقول إن تقرير «هآرتس» لم يأت بالنسبة له بجديد، ويوضح لـ «القدس العربي» إنه على الصعيد الشخصي يعرف كل هذه التفاصيل ليس من منطلق خلفيته الأكاديمية، إنما من خلال الذاكرة التي يمتلكها. ويضيف «حين كنا أطفالا اعتاد عدد من أهالي حيفا أخذ أولادهم للسباحة في شاطئ الطنطورة. وأتذكر جيدا انه عند وصولنا مع العائلة والأصدقاء إلى موقف السيارات القريب من الشاطئ كان والدي في كل مرة يقول لنا لقد «قبروهم» (دفنوهم) هنا. ونستفسر عمن يقصد، فيجيب أهالي الطنطورة. كان والدي يعرف شخصيا عددا من أهالي القرية بحكم زمالته لهم في العمل في عدة مواقع في حيفا القريبة من الطنطورة». ويتفق معه كبها حول خصائص الطنطورة بقوله إنه يمتلك روايتها كذلك بحكم وصول والده إلى القرية عدة مرات لنقل كميات من البطيخ الذي تشتهر به القرية بشاحنة جده إلى يافا والمجدل وأسدود وغزة. ويتابع «ما حصل في الطنطورة من مجزرة رهيبة يمكن وصفه بعبارة واحدة فقط: جريمة ضد الإنسان والإنسانية».
تيدي كاتس
وينوه جوني منصور أنه عندما تقدم قبل عقدين الطالب الجامعي ثيودور كاتس برسالة الماجستير إلى جامعة حيفا كاشفا بعض الحقائق حول ما جرى هناك في الطنطورة، رفع عناصر من لواء السكندروني في الجيش الإسرائيلي دعوى قضائية ضده مستنكرين «فعلته» ومتهمين اياه ومرشده (الباحث الراحل قيس فرو) بأنهما يزوّران الحقائق، وألزموه بالتراجع. ويتابع «غير مهم ما حصل بعد ذلك. التقيت كاتس عدة مرات في مناسبات مختلفة وتحدثت معه مباشرة عما كشفه. كان جوابه انه يرتجف كلما تحدث عن المجزرة، مما سمعه من شهود عيان ومما قرأه من وثائق وتفاصيل. لكن، وبعد مرور 25 عاما على قضية كاتس يبرز على السطح مقال آخر ترد فيه شهادات لعناصر من هذا اللواء بلغ بعضهم التسعين عاما، بأنهم يشيرون إلى وقوع المجزرة أو سلسلة من الأعمال الاجرامية وانه تم حفر قبر جماعي لدفن الجثث المذبوحة (يبدو ان دماء الشهداء تصرخ عاليا وتلاحقهم). في حين ان شهود عيان من الأهالي الباقين على قيد الحياة سواء في قرية الفريديس المجاورة أو في مخيمات اللجوء يشيرون بتأكيد إلى بقاء جثث في عدد من البيوت لأيام».
مسلسل مذابح صهيونية
وحول ظاهرة المذابح الصهيونية يخلص منصور للقول «كغيري، نعرف أن مجازر كثيرة ارتكبتها العناصر العسكرية والمدنية اليهودية – الصهيونية – الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في الطنطورة ودير ياسين وعيلبون والصفصاف وغيرها من القرى التي تم ترحيل أهلها وتطهيرها عرقيا». ويتساءل «نعرف أسماء الشهداء والجرحى، فهل الكشف عن القبر الجماعي سيُساهم في تثبيت التهمة على المجرم؟».
ويرى منصور إنه سؤال أخلاقي وسياسي وقانوني ويتساءل مجددا، وهل يمكن لطرف فلسطيني رسمي أو بحثي ان يتولى دوره في فتح ملف تحقيق جدي ويقدم توصيات فيما نحن فاعلون كفلسطينيين إزاء هذه القضية وغيرها؟
ولكن ورغم عتب المؤرخين الفلسطينيين المحق على الاهتمام الزائد بما ينشر عندما يكون الناشر إسرائيليا تبقى الشهادات عن الطنطورة في غاية الأهمية وبخلاف مذابح كثيرة أخرى، هنا يعترف القتلة بما اقترفته أياديهم مما يوفّر فرصة لحسم النقاش على الرواية التاريخية ويمد الفلسطينيين بذخائر مهمة من هذه الناحية على طريقة «من فمك أدينك» كما قال الأديب الراحل إميل حبيبي.