إسرائيل ما زالت تسكت صوت الحقيقة التاريخية والطنطورة «حادثة» استثنائية

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: مرة أخرى كانت صحيفة «هآرتس» قد غردّت خارج سرب الصحافة الإسرائيلية، فقد كانت الوحيدة تقريبا التي كشفت عن جرائم صهيونية تاريخية كما حصل في تقريرها في الشهر الماضي حول إفادات واعترافات جنود في فيلم إسرائيلي عن مذبحة الطنطورة للمخرج ألون شفارتس. ولم تكتف «هآرتس» بفتح صفحاتها أمام المؤرخ اليهودي آدم راز لنشر وقائع الفيلم حول هذه المذبحة التي ارتكبتها إسرائيل من خلال جيشها في الثاني والعشرين من أيار/مايو 1948 (لا العصابات الصهيونية) بل كرست واحدة من افتتاحيتها للقضية داعية للاعتراف الرسمي بها والسماح بإعادة الاعتبار لضحايا المذبحة من خلال دفن رفاتهم من جديد وبناء نصب تذكاري في المكان، من دون أن تتطرق طبعا لحق أهالي القرية المسفوحة المدمّرة بالعودة لديارهم. وذهبت الصحيفة إلى أن قضية الطنطورة تجسد إصرار جنود حرب 1948 على إنكار ما اقترفوه في تلك الحرب: «القتل والعنف ضد السكان العرب والطرد والنهب». واعتبرت أن «الاستماع إلى شهادة الجنود اليوم، مع الأخذ في الاعتبار الموقف العسكري الذي أظهروه عندما رفعوا دعوى ضد كاتس، هو إدراك قوة مؤامرة الصمت والإجماع على أن هناك أشياء مسكوت عنها».

فيلم صادم

كذلك وكما كان متوقعا تقدم الكاتب فيها الصحافي غدعون ليفي عدة خطوات منها فقال في عدة مقالات عن الفيلم الوثائقي الجديد الذي سيثر ضجة أوسع عندما يتاح لمشاهدة العامة إن أشباح الطنطورة لن تتركنا حتى يموت آخر الشهود والأحفاد، ولن تتركنا إلى أن تخرج الحقيقة إلى النور وتعترف بها إسرائيل. هذا هو شأن الحقيقة… لا تترك. ويتابع ليفي «رغم بذل كل الجهود لإخفائها وتصفية من يكشفها إلا أنها تظهر من جديد كل مرة. الفيلم الوثائقي الصادم (طنطورة) الذي تم بثه في مهرجان ساندنس في الولايات المتحدة، كان يجب أن يبث في مهرجان إسرائيل. قد يؤدي إلى راحة صحيحة للأشباح ويجبر إسرائيل على الاعتراف أخيراً بالحقيقة. بالطبع، لن يحدث هذا».

تسمية غدعون ليفي

وفي تلميح للشبه بين جرائم الصهيونية والنازية قال غدعون ليفي «لم يكن هناك الكثير من الأسماء المحملة في طفولتي، مثل الطنطورة. كانت الطنطورة شاطئاً رائعاً مع البحيرات الزرقاء، كنا نسافر إليه بعد أن اشترى والدي أول سيارة بأموال التعويضات التي حصل عليها من ألمانيا. كان السفر إلى الطنطورة أكثر إثارة من السفر إلى نيويورك الآن. ولم يكن هذا بسبب لون المياه الأزرق؛ لقد عرفت أن الرمال البيضاء مشبعة بالدماء. في الطنطورة قتل جدعون بخراخ، الابن الوحيد للزوجين الطبيبين البينا وآرثر بخراخ، أفضل أصدقاء جدي وجدتي. وقد تمت تسميتي على اسم جدعون المتوفى. عرفت أن شاطئ الطنطورة مشبع بدمائه، ولم أعرف أن هذا الشاطئ مشبع بكثير من الدماء. أعرف أن الطنطورة كانت قرية صيادين رائعة، قرية سيتم الحفاظ عليها لمئات السنين، ولم يخطر ببال أحد محوها عن وجه الأرض وطرد سكانها أو ذبحهم». وخلص للقول «شاهدوا طنطورة وانظروا إلى منكري النكبة بكل بؤسهم، شاهدوا طنطورة وانظروا إلى ما حدث في 1948. تحت المكان الذي اعتاد والدي أن يركن سيارته عندما كنا نسافر إلى شاطئ الطنطورة، غير بعيد عن النصب التذكاري الذي أقيم لذكرى قتلى لواء السكندروني، كان هناك قبر جماعي، وربما هو موجود حتى الآن. هناك يد شريرة محت ذكره».

ليست «فزعة» للفلسطينيين

من جانبها تجاهلت بقية وسائل الإعلام العبرية هذه القضية ليس لاعتبارات صحافية ومنافسة إعلامية بقدر ما أن ذلك ينم عن تماهيها مع الرواية والرؤية الإسرائيلية الرسمية للصراع. وهنا لابد من التنبيه أن «هآرتس» بكشفها عن مثل هذه الفضائح المحرجة لإسرائيل في الماضي والحاضر لا ينم عن «فزعة» للفلسطينيين بل هي قناعة صحافية مهنية بأن النشر للحقيقة يخدم حق الإسرائيليين بالمعرفة، والأهم تبنيها الرؤية التي تقول إن الاعتراف بما ارتكبته إسرائيل من فظائع بحق الفلسطينيين يفتح الباب أمام المصالحة الحقيقية وإنهاء الصراع شرط أن تتحمل المسؤولية والتبعات عن ذلك. وهذا ما تدعو له منظمة «ذاكرات» الإسرائيلية منذ عشرين عاما قضتها في محاولة توثيق القرى الفلسطينية المهجّرة وتعميم الرواية التاريخية الفلسطينية على الإسرائيليين باعتبار ذلك المدخل الوحيد للمصالحة بين الجلاد وبين الضحية. كذلك ينشط في السنوات الخمس الأخيرة معهد إسرائيلي يعنى بالأرشيفات ويدعى «عكافوت» وهو الآخر ينشر تباعا عن الجرائم الصهيونية بحق الفلسطينيين في النكبة وبحق فلسطينيي الداخل في فترة الحكم العسكري (1948-1968) وهو ذات الهدف المذكور.
لكن التيار الإسرائيلي المركزي في كل الساحات ما زال يصم أذانه عن سماع مثل هذه المضامين ويواصل التنكر لها ويشيطن كل من يحاول فتحها ويدعو للتداول بها والاعتراف بانتهاكات إسرائيلية تاريخية. ولذا فإن مقالات الرأي الإسرائيلية لم تعالج القضية هذه كسابقاتها حتى وإن كانت من منطلقات تخدم مصلحة إسرائيل. من ضمن الاستثناءات مقال للباحث الإسرائيلي دكتور ميخائيل ميليشطاين من جامعة تل أبيب الذي دعا لفتح هذه الملفات الحساسة لكنه في التزامن حمل على الجانب الفلسطيني الذي «يرفض حتى الآن معاينة تجربته بروح نقدية مثلما يرفض الاعتراف بانتهاكات بحق اليهود».

عندما يصبح الفلسطيني مذنبا

في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» أول أمس قال ميليشطاين بعنوان «الطنطورة برأي إسرائيلي: باعترافنا يصبح الفلسطيني مذنباً» إنه مرة أخرى، ثارت مؤخراً عاصفة حول قضية الطنطورة، وذلك عقب فيلم وثائقي جديد تضمن اعترافات لجنود الجيش الإسرائيلي بأنهم شاركوا في مذبحة ارتكبت بحق سكان القرية في 1948. ويثبت مرة أخرى أن «قصة 1948» لم تنته قط. وهو الآخر يرى أنه لا شيء جديداً في هذا النقاش الذي يثور من جديد، المحكمة التي بحثت قبل 20 سنة في رسالة البحث التي كتبها تيدي كاتس في الموضوع، بعد أن رفع جنود لواء السكندروني دعوى ضده على نشر كاذب، أثبتت بأن البحث كان مفعماً بالتزوير، ولا سيما الفارق الشاسع بين الأمور التي كتبت وتلك التي قيلت على لسان شهود عرب، لكنها لم تقرر قط عدم وقوع مذبحة. معتبرا أن النقاش الحالي هو حلقة إضافية في الخطاب الذي يجري في إسرائيل منذ منتصف الثمانينيات، حين بدأ يتطور تيار المؤرخين الجدد، الذي يجري في إطاره خطاب نقدي وسليم حول تأريخ إسرائيل. بخلاف الرواية السائدة، فالنكبة ليست «سراً مكبوتاً». ويضيف «صحيح أنه كان هناك تقييد ما للكلام في الموضوع بعد 1948 لكنه كان يبحث دوماً في جملة من المستويات، ولا سيما في الكنيست، ووسائل الإعلام والإبداع الفني، وقد ساد في الخطاب الجماهيري والسياسي داخل الدولة في العقود الأخيرة».

مؤرخون جدد فلسطينيون

وبرأيه ليس السؤال إذن حول ما إذا وقعت بالفعل مذبحة في الطنطورة، وواضح أنه من الحيوي أن تنبش إسرائيل في جراح ماضيها حتى لو لم يكن الفلسطينيون يفعلون هذا ويتابع «مع ذلك، من الضروري التساؤل كيف أن جهداً إيجابياً يصبح في أساسه حملة أحادية البعد تتحرك بقوة فكر وأهداف سياسية. يبرز في هذا السياق باحثون يدعون بأنهم كاشفون للمظالم التاريخية لكنهم يستندون عملياً إلى قوة استنتاجات تبلورت مسبقاً بدون تطلع لبلورة صورة متوازنة، الهدف الذي يستوجب الغوص أيضاً في أرشيفات عربية (قلة منها مفتوحة) وبالطبع إتقان العربية. عملياً، ما يفترض به أن يكون بحثاً تاريخياً مهنياً يصبح دعاية تشبه محاولة وصف الحرب العالمية الثانية، مع تركيز تام على المعاناة التي شهدها سكان اليابان وألمانيا».

الأفق السياسي
غرق في بحر الطنطورة

ويخلص ميليشطاين للقول «إن نشوء مؤرخين جدد فلسطينيين كفيل بجرّ الخطاب العقيم المتحجر بين الشعبين ويسهم في الدفع ببحث في مستقبلهم الغائب في هذه اللحظة ويتطلب من الزعماء في الطرفين أن يبدوا عظمة روح ويتجهوا نحو تحقيقه». بين هذا وذاك وفي ظل ما تشهده إسرائيل من تحولات هامة بعضها يزيد الصراع تعقيدا نتيجة تزايد قوة اليمين والمستوطنين وارتفاع شأن الدين كمركب في الصراع، يبدو أن الصراع على الرواية ما زال وسيبقى مفتوحا على مصراعيه والأرشيفات والتسريبات كفيلة بتأجيجه لا إطفائه خاصة وأن الأفق السياسي قد غرق في بحر الطنطورة منذ سنوات كثيرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية