رام الله ـ «القدس العربي»: كالعادة، عندما يكشف المحتل الإسرائيلي عن جانب من جرائمه ومجازره التي مورست بحق الفلسطينيين، تتعالى صيحات ودعوات ومطالبات بتشكيل لجنة تحقيق دولية، مذبحة الطنطورة التي أصبحت حديث الشارع الفلسطيني نموذج دال على ذلك، بعد أن كشفت جهات إسرائيلية عن مقبرة جماعية لشهداء قرية الطنطورة الفلسطينية (شمال فلسطين المحتلة) نفذتها عصابات صهيونية في 1948 حيث استشهد فيها 250 فلسطينيا.
الحكومة الفلسطينية وعلى لسان رئيسها محمد اشتية طالبت بتشكيل لجنة تحقيق دولية حول ما أعلنته صحف إسرائيلية عن اكتشاف مقابر جماعية لفلسطينيين على شاطئ الطنطورة قتلوا عام 1948 وبشهادات موثقة من جنود إسرائيليين شاركوا في هذه المجازر.
وقال اشتية، في كلمة له بمستهل جلسة الحكومة الفلسطينية الأسبوعية، قبل أيام، إن «هذا يؤكد صدق الرواية الفلسطينية، ويؤكد جسامة المظلمة الفلسطينية وحجم الفظائع والمذابح التي ارتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني ولا يزال يرتكبها» مطالبًا بتشكيل لجنة تحقيق دولية في المجازر.
وأكد اشتية في خطابه على مسألة أنه «لا يمكن أن نقبل أن تبقى إسرائيل تتمتع بالحصانة من دون مساءلة ولا محاسبة على جرائها المستمرة» فيما طالب بفتح الأرشيف الإسرائيلي لكشف المجازر التي ارتكبتها في الفترة الممتدة بين 1948-1956 والتي تصل إلى 70 مجزرة.
حملة دولية تنصف الضحايا
وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية أيضا دخلت على الخط سريعا حيث قالت في بيان صحافي، إن الحقائق حول المجازر الفلسطينية تتكشف باستمرار، رغم محاولات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التكتم عليها بغرض دفن جرائم العصابات الصهيونية ومنع نشر المعلومات الموثقة عنها، مشيرة إلى أن القيادات المسؤولة عن هذه المجازر قد تسلمت مناصب عليها في جيش الاحتلال وفي المؤسسات الإسرائيلية الرسمية.
وأضافت الخارجية: «دولة الاحتلال لا تخجل ولا تبدي أي شعور بالندم على هذه المجازر الجماعية، وإنما تعيد سردها كـ(بطولات) تُسجل في التاريخ الشخصي لمرتكبيها وسيرتهم الذاتية، ويتم تخليدهم من خلال إطلاق أسمائهم على ميادين عامة ومعالم أساسية في دولة الاحتلال».
وطالبت الوزارة بتبني حملة دولية واسعة لإنصاف الضحايا الفلسطينيين ومعاقبة المسؤولين الإسرائيليين والمؤسسة الرسمية الإسرائيلية، التي تواصل إخفاء بشاعة تلك الجرائم والمجازر والتستر عليها.
حركة المقاومة الإسلامية «حماس» اعتبرت الكشف عن مجزرة الطنطورة يؤكّد مجدّدًا حجم وحقيقة المذابح والمجازر التي ارتكبها الاحتلال وعصاباته الإجرامية ضدّ شعبنا الفلسطيني من المدنيين العزّل.
وأكدت «حماس» هذا «دليل واضح على وحشية الاحتلال والسَّادية الممنهجة التي يمارسها قادته وجنوده ضد شعبنا».
السر المذاع
الناطق باسم الحكومة الفلسطينية إبراهيم ملحم تحدث لـ«القدس العربي» قائلا: «إن الكشف الجديد مصدره إسرائيل وهو من مخرجات الأرشيف الإسرائيلي الذي يجعل المجرم هو المصدر الأول لمعرفة حجم الجريمة وخفاياها وأسرارها».
وأضاف: «تاريخيا كان المستعمر مصدرا لإفشاء الأسرار عبر الإفراج عن الوثائق، مثال ذلك الجرائم في حرب تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي، فالأخير هو الطرف الذي امتلك الأرشيف وبالتالي تفاصيل الحدث».
ويرى ملحم أن الفلسطيني دوما ما ينتظر ما يكشفه هذا العدو وما يكتبه بعض كتابه المنحازون للضحية والعدل وقيم الحرية، وهذا لا يعني أن الجرائم تسقط بالتقادم، وهي تحمل بعدين مع كل كشف، الأول انها تحضر كما لو كانت حية حدثت اليوم في ضوء أن هناك ما يبقيها طازجة، وتحضر أيضا من خلال وجود مطالبات بتحقيق العدالة عبر لجان التحقيق الدولية والمحايدة.
وتابع قائلا: «صحيح أننا لا نصل للعدالة بحكم اختلال موازين القوى عالميا، حيث يغيب العدل عن العالم في ظل الهيمنة والغطاء الأمريكي على الجرائم الإسرائيلية، ومثال ذلك الأخير الموقف الأمريكي خاصة والغربي عموما من تقرير منظمة العفو الدولية أمنستي، الخاص بنظام الفصل العنصري والابارتهايد الإسرائيلي».
ويؤكد ملحم أنه «سيأتي اليوم الذي يحاسب المجرم على شر أعماله، وهذا لا يعني أن نتوقف عن المطالبة بمحاسبة المجرمين عبر مسارات تحقيق العدالة الدولية، هذا مطلب دائم لكل فلسطيني ولكل الأجيال المتعاقبة».
وحول مسألة الجهد الفلسطيني في ضوء أنه الضحية ومن وقع عليهم فعل القتل واحتلال أراضيهم، يرى ملحم ان الرواية الشفوية مدخل مهم لتحرك الفلسطينيين في توثيق الجرائم التي تعرضوا لها، وهناك مبادرات وجهود وثقت تفاصيل ما جرى في الكثير من الجرائم والمجازر الاحتلالية.
وأكد أن ما كشفه الفيلم ومن ثم التغطية الصحافية في وسائل الإعلام الإسرائيلية ومن قبل ذلك رسالة الماجستير لباحث إسرائيلي هو بمثابة السر المذاع الذي تحدث عنه ناجون من المجزرة.
ويشير ملحم إلى مفارقة مؤلمة تتمثل في أن شهادات الناجين لم تأخذ الاهتمام المستحق لكونها كانت آتية من الضحايا الذين لا ينظر لهم باهتمام كبير، للأسف الشديد، أما عندما تأتي من المحتل والمجرم أو كتاب ومؤرخين إسرائيليين فإن ذلك ينال الاهتمام عالميا، «التجربة تقول أن الضحايا لا يسأل بهم أو عنهم ولا يلفتوا أي انتباه، أما ما يكشف عنه المجرم فيأخذ زخما وقوة أكثر، وهو ما يتطلب جهدا قانونيا أكبر وأشمل».
ويؤكد ملحم أن هناك توثيقا للكثير من الجرائم في الأرشيف الفلسطيني إضافة إلى كتابات لمؤرخين فلسطينيين نقلوا شهادات من ألسنة الضحايا والناجين الذين سردوا التجربة التي عاشوها وهو ما جعلها حاضرة على ألسنة الجيل الجديد الذي تورثها جيلا عن جيل.
تقصير على مساحتين
الأكاديمي والباحث الفلسطيني خالد الحروب يرى أن الفلسطينيين مقصرون في جانبين متعلقين في المجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، الأول بحثي تأريخي، والثاني رسمي.
وتابع: «نحن مقصرون في الأمرين، بحثيا هناك جوانب لا تعد ولا تحصى في وضعنا وحالنا وتاريخنا ومجتمعنا وسياستنا ما تزال لم تنقب ولم تبحث. أشعر بالخجل عندما أرى سبقا بحثيا يفتح آفاق معرفة جديدة فلسطينيا ويكون صاحب البحث أجنبيا، ويتضاعف هذا الخجل عندما يكون هذا البحث قائما على معاينة ميدانية، وعندنا ألوف الباحثين في الميدان لم ينتبهوا لمئات المسائل».
وأضاف: «بحثيا أيضا، هناك مظاهر مريرة مثل انحدار مستوى البحث العلمي وخاصة عند حملة الشهادات التي يحصل عليها أصحابها إما بالتزوير أو طرق قريبة منه، أو من جامعات ومراكز بحث ضعيفة، وتمنح شهاداتها لمن يدفع. مظهر آخر سلبي يتمثل في غياب النظرة النقدية والتمجيد للذات الجمعية وأسطرة أسماء وقيادات وأحزاب وتخليق أصنام سياسية ووطنية. هذا كله يرفع حائطا صلبا في وجه أي عملية نقدية بناءة تهدف استخلاص الدروس وتفادي ارتكاب ذات الأخطاء. مثلا، قليلة هي الأبحاث الفلسطينية النقدية لقيادات ورموز ارتكبت أخطاء جسيمة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية بدءا بالحاج أمين الحسيني وليس انتهاء بعرفات وجورج حبش، ناهيك عن أبو مازن. الكل يتم تصنيمه وتقديسه.
أما المساحة الثانية بحسب الحروب فتتعلق بجرائم الصهيونية وإسرائيل حيث لا يقل فشلنا فداحة عما هو عليه الحال إزاء الشق الأول من مصادر الفشل، هنا تتضاعف المسؤولية، خاصة في جانبها الرسمي. وإذا أخذنا مجزرة الطنطورة نموذجاً، فإن أحد الأسئلة التي تصفع الرسمية الفلسطينية، هي أين المتابعة القانونية الدولية لإسرائيل ومسؤوليتها عن هذه الجريمة؟ لماذا تتابع إسرائيل مقتل كل يهودي في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، وتقاضي الدول والحكومات الحالية على ما فعلته حكومات سابقة، بينما تقف الرسمية الفلسطينية مقيدة عن فعل الأمر ذاته؟
وأضاف: «أين هي القضايا المرفوعة ضد إسرائيل إزاء جرائمها ضد قطاع غزة وقتل آلاف الأبرياء وإعاقة عشرات الآلاف؟ أين هي القضايا ضد قناصة الجيش الإسرائيلي الذين كانوا يلعبون في تصيد ركب وسيقان الأطفال والشبان على الحدود مع غزة، وهذه كلها قضايا منشورة؟ أين هي الرسمية الفلسطينية من الجريمة الإسرائيلية اليومية المتمثلة في هدم بيوت الناس؟ أين يحدث هذا على وجه الكرة الأرضية؟».
وختم قائلا: «لكني أقول أيضا ان تحميل السلطة والمنظمة تلك المسؤولية، وهي مسؤوليتها، لا يعفي الجهات الفكرية والمدنية والشعبية، ولا يعفينا نحن كباحثين وكتاب ومؤرخين وإعلاميين، نحن شركاء في جريمة الصمت، كلنا مدانون وانا أولهم».
تأخر في عملية التوثيق
بدوره قال المؤرخ الفلسطيني المتخصص في قضايا اللجوء وأحداث النكبة الفلسطينية د. صالح عبد الجواد أن
الاحتلال يحاول ان يصور ان الفلسطينيين خرجوا من ديارهم وبلداتهم وقراهم في العام 1948 خوفا، ولا يتم الحديث عن هول الجرائم التي ارتكبها هذا الكيان الغاصب لطرد الفلسطينيين من أرضهم، وما يتم تداوله الحديث عن عدد قليل من هذه الجرائم».
وينتقد عبد الجواد عملية توثيق ما جرى للفلسطينيين بعد النكبة، «لقد تأخرت عمليات التوثيق للنكبة الفلسطينية بشكل أفقدها الكثير من أهميتها، وخاصة فيما يتعلق بالتأريخ وتوثيق الرواية الشفوية الفلسطينية فيما يتعلق بالتهجير».
ويعتبر أن أول توثيق للجوء الفلسطيني كان في وسط التسعينات، من خلال جهد د. وليد الخالدي في كتاب «كي لا ننسى» وكانت التجربة الأفضل للتوثيق وكان العمل شاملا وركز على قضية المجازر في العام 2003.
وعن أسباب التأخر في التوثيق يرى أن عدم وجود دولة تحتضن مشاريع التوثيق، إلى جانب عدم الالتفات إلى القضايا الخاصة بما يتعلق بالنكبة والحديث عن العموميات، كما ان الفلسطينيين كانوا مستغرقين بالعمل الدبلوماسي السياسي لحل هذه القضية بدون إعطاء أهمية للبعد التاريخي العملي التطبيقي لما جرى على أرض.
أما الكاتب الفلسطيني نبيل السهلي فيطالب بالعمل على إنشاء مركز بحث فلسطيني يضم متخصصين لتوثيق المعلومات حول المجازر التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي وقبل ذلك العصابات الصهيونية.
وقال في مقال نشر على موقع «ملتقى فلسطيني» أن هذا المركز يجب أن يساهم في عملية البحث والتحليل التي يقوم عليها قانونيون وعلماء اجتماع وعلماء نفس من كافة الدول العربية إضافة إلى الاستعانة بخبراء أجانب مناصرين للقضية الفلسطينية.
وشدد على أهمية نشر ما تم التوصل إليه في البحوث في وسائل الإعلام العربية وخاصة عبر ندوات في الفضائيات وترجمتها إلى لغات عديدة حيث لم ينشر إلا القليل عن المجازر الإسرائيلية المرتكبة وعمليات التطهير العرقي الصهيونية التي ما زلنا نشهد فصولها وخاصة في مدينة القدس وأحيائها المختلفة مثل؛ حي الشيخ جراح.