مجزرة الطنطورة: فصل في صراع الروايتين الفلسطينية والإسرائيلية

هشام عبد الله
حجم الخط
0

لا ينفك الفلسطينيون، في الوطن وفي الشتات، وعلى مدار عقود من النبش في قصص وروايات النكبة التي حلت بهم قبل وبعد قيام إسرائيل على أرضهم عام 1948. وتظل حكايات المجازر التي حلت بأسلافهم على أيدي العصابات الصهيونية في حينها، أحد أبرز آيات هذا البعث المتجدد.
وتوجز حكاية مجزرة الطنطورة، إلى الجنوب الغربي من مدينة حيفا الساحلية، وقصة محوها عن الخريطة الجغرافية وارتكاب مجزرة بحق أهلها، فصلا صغيرا، من صراع الروايتين الفلسطينية وضدها الإسرائيلية، حول حقيقة ما جرى في السنين والأشهر من عمر فلسطين قبل صيف عام 1948 في غفلة من الزمن والناس.
وفي أعقاب إثارة قضية المجزرة مجددا بعد عرض المخرج الإسرائيلي ألون شوارتس فيلما وثائقيا كشف عن وجود قبر جماعي جديد لفلسطينيين راحوا ضحيتها، تداعت مجموعة من أهالي الشهداء وناشطين من الفلسطينيين في إسرائيل، لفتح صفحة جديدة من فصول حرب الرواية الفلسطينية في وجه غريمتها الإسرائيلية.
التداعي السريع لتشكيل لجنة ومحاولة تحقيق إنجاز، ولو بسيط، على طريق طويل في دفع إسرائيل للاعتراف بالمجزرة وبغيرها من المجازر التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني على يد أفراد العصابات الصهيونية، له ما يبرره هذه المرة.
«لدينا ما يكفي هذه المرة، استنادا إلى الفيلم وشهادات وقصص أخرى سابقة لنقوم بعمل يمهد خطوة حقيقية على طريق دفع إسرائيل للاعتراف بمجزرة الطنطورة وغيرها» كما قال سامي العلي، أحد المتحدثين باسم لجنة أهالي شهداء مجزرة الطنطورة لـ «القدس العربي».
وأضاف العلي «نحن لا نعول على القضاء الإسرائيلي، بل نحاول تحقيق بعض المكاسب لتكون اللبنة الأولى في ملف أوسع يمكن أن يصل إلى المحكمة الجنائية الدولية. نريد دفع إسرائيل للاعتراف بهذه القبور على أنها أماكن مقدسة لا يجوز تدنيسها».
هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها شهود من الجنود الصهاينة الذين شاركوا في المجزرة، من خلال الفيلم الوثائقي. بالرغم من أنهم لا يعترفون بأنهم ارتكبوا مجزرة، لكنهم يقرون بالقتل، وإسالة الدماء. وهي أيضا المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن وجود قبر جماعي. يتحدث الفيلم عن قبر جماعي يضم رفات نحو 200 شخص أو أكثر، أسفل ما أصبح موقف سيارات قرب مستوطنة دور الإسرائيلية، وقرب ما يعرف على انه أجمل شواطئ إسرائيل، أو حيث قامت بلدة الطنطورة حول خليجين صغيرين حتى أواخر أيار/مايو 1948 عام نكبة فلسطين.
وقد وضعت لجنة أهالي شهداء الطنطورة، التي مضى على تشكيلها أيام فقط وبالتعاون مع مركز عدالة (المركز القانوني لحماية حقوق الأقلية العربية في إسرائيل) تصورا لخطة عملية حكيمة تقوم على مبدأ التدرج واستخدام ما يتيحه القانون الإسرائيلي، مثل تقديم طلبات إلى سلطة أراضي إسرائيل والمجلس الإقليمي للمنطقة، الذي يحدد استخدامات الأراضي في المنطقة التي تحوي القبر الجماعي.
وقررت اللجنة في اجتماعها الذي عقد السبت الماضي «إقامة لجنة شعبية لذوي شهداء المجزرة، لمتابعة قضية القبور الجماعية والبدء بخطوات فعلية لتحقيق مطلب ذوي الشهداء، وهو إلزام المؤسسة الإسرائيلية بالاعتراف بالمجزرة ومنح ذوي الشهداء حق معرفة مكان دفن الضحايا ووقف انتهاك قدسية المقبرة التاريخية للطنطورة والقبور الجماعية من قبل مستوطنتي دور ونحشوليم، وحماية القبور وصيانتها وفق الشريعة الإسلامية».
وقال العلي «فحصنا مع مركز عدالة يجبر إسرائيل على التعامل معها» وأضاف «هناك أكثر من إجراء قانوني متاح نسعى لاتخاذه ويمكن أن يشكل اللبنة الأولى في مشوارنا الطويل، مثل طلب تعيين لجنة تحقيق على المستوى الحكومي من قبل الحكومة والكنيست، أو لجنة فحص من قبل وزير أو قاضي بناء على طلب من أهالي الشهداء لمعرفة مصير مكان رفات الشهداء».
تدرك اللجنة ومعها فلسطينيون ومراقبون أن الطريق نحو إثارة الرأي العام في إسرائيل وعر وطويل ويحتاج إلى جهد عظيم، لاسيما وأنه يساعد كثيرا في دفع المؤسسة الإسرائيلية الرسمية نحو الاعتراف بالمجازر التي ارتكبت بحق الفلسطينيين. وتسعى كذلك، إلى فتح قنوات اتصال مع منظمات وهيئات دولية ذات خبرة في مجال التحقيق في المجازر الجماعية التي وقعت في أماكن مختلفة من العالم.
المفارقة أن من كان يقف وراء إثارة قضايا مثل مجزرة الطنطورة، كانوا إسرائيليون على الدوام، مثل مخرج الفيلم الوثائقي الأخير، الذي استند أيضا لأطروحة ماجستير قدمها، قبل 32 عاما طالب دراسات عليا إسرائيلي يُدعى ثيودور كاتس، وتضمنت شهادات حول الفظائع التي ارتكبها لواء اسكندروني «الهاغاناه» ضد أهالي الطنطورة.
في حينه، رفع أفراد سابقون في المنظمة الصهيونية دعاوى قضائية ضد كاتس حتى تراجع، وأخير جاء المخرج شوارتس وأنتج فيلمه الوثائقي بناء على أطروحة كاتس، لكن الفيلم بث عبر الإنترنت فقط.
ويقول سامي العلي، من لجنة أهالي شهداء الطنطورة، وأحد العاملين على إعداد الفيلم، انه يسعى إلى عرض الفيلم داخل إسرائيل، حيث ما زال الحديث حول مصداقية الرواية الفلسطينية يجري في الأوساط غير الصهيونية واليسارية المحدودة فقط.

التوثيق الفلسطيني

ثمة مؤرخون إسرائيليون أمثال بيني موريس وبابيه، كانوا ضمن حلقة ضيقة خرجت عن الرواية الإسرائيلية التقليدية للنكبة وحقيقة ما تعرض له الفلسطينيون بسببها. لكن الرواية الإسرائيلية ما زالت هي الطاغية في إسرائيل والغرب على وجه الخصوص.
وعمليا، جاء التوثيق الفلسطيني متأخرا نحو ثلاثين عاما، ولولا بعض جهود توثيق التاريخ الشفوي للنكبة التي قام بها خبراء ومؤسسات فلسطينية، لضاع جل تاريخ النكبة، لاسيما في ظل استمرار إسرائيل في تمديد إغلاق الأرشيف.
ويقول الدكتور سعيد زيداني، الباحث والأكاديمي المتحدر من بلدة الدامون، إحدى القرى المهجرة عام 1948 «لا أذكر أن والدي تحدثا حول ما حصل ابان النكبة، التوثيق الفلسطيني تأخر، ومعظمه لم يرو، المعلومات وحقيقة ما جرى موجود في الأرشيف الإسرائيلي، وهو مغلق باستثناء بعض التسريبات هنا وهناك».
ولا يعول زيداني على ردات الفعل الفلسطينية ولا الإسرائيلية في ما يتعلق بإثارة قضايا المجازر التي ارتكبتها المنظمات الصهيونية.
وقال لـ «القدس العربي»: «تثير رد فعل في الغرب وعند أنصار الفلسطينيين الملتزمين بالحقيقة. أما ردات الفعل الفلسطينية فهي دائما محدودة وقصيرة النفس، يجب أن يكون هناك هدف لتحقيقه، السؤال ماذا نريد كشعب؟ المطلوب الاستمرارية».
وطالما حركت روايات وقصص المجازر التي ارتكبت لحظة النكبة وما قبلها، مواجع الفلسطينيين، لكن مرور أكثر من سبعين عاما عليها، ومواصلة إسرائيل في تعنتها وتمسكها بروايتها وإنكار حقوق الفلسطينيين، يحرك مواجع أكثر وأشد حتى لدى الباحثين والمؤرخين منهم.
وكتب المؤرخ الفلسطيني جوني منصور تعقيبا على إثارة مجزرة الطنطورة يقول «ليست مسألة المجزرة أوراقًا ووثائق يكشفها مندوبون عن المجرم وصاحب السطوة والهيمنة، وكأنّها الكلمة الفصل. إنّ انتزاع حيوات الناس أشدّ وقعًا من كلّ هذه الأوراق الّتي يحرسها الجاني ويُسَرِّب منها ما يحلو له ويطيب؛ فالذاكرة الّتي يحتفظ بها الأهالي في صدورهم وقلوبهم وعقولهم تحمل من القوّة الكثير الكثير؛ للحفاظ على حضور الطنطورة، وتاريخها، وثقافتها، وعلاقتها ببحرها وجبلها».
وتساءل منصور «هل نحن في حاجة ملحّة إلى اعتراف من الطرف الإسرائيليّ، بما اقترفت أيدي عسكره من جرائم بحقّ شرائح وجماعات وأفراد من الشعب الفلسطينيّ؟ وهل نحن على استعداد للتحرّك من أجل تحويل هذه الاعترافات إلى قوّة ضاغطة، وصولًا إلى اعتراف رسميّ من الحكومة الإسرائيليّة؟ سؤالان من الصعب علينا في ظلّ الظروف الراهنة الوصول إلى إجابات قاطعة لهما؛ فمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، ثمّ السلطة الفلسطينيّة، لم تقوما إلى الآن بأيّ خطوة لجعل المجازر الإسرائيليّة الّتي لحقت بالشعب الفلسطينيّ سلاحًا سياسيًّا، يمكن الاستفادة منه للضغط من أجل إحداث تغيير في التعاطي الإسرائيليّ والعالميّ أيضًا مع الرواية الفلسطينيّة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية