واشنطن ـ «القدس العربي»: كانت الطنطورة قرية صيد فلسطينية جميلة تبعد 15 ميلاً جنوب حيفا، وفي الساعات الأولى من يوم 23 ايار/مايو 1948 تعرضت للهجوم من قبل القوات الإسرائيلية «لواء الإسكندروني» وعصابة الهاغانا الصهيونية «الكتيبة 23» واستشهد أكثر من 200 قروي، معظمهم من الشبان العزل، وتم وضع العشرات في معتقلات مع الأشغال الشاقة، وانتهى المطاف بمعظم الناجين في مخيمات اللاجئين في الدول المجاورة، ولم يتبق سوى منزل واحد في القرية (قائم جزئياً). وفي حزيران/يونيو 1948 تم إنشاء مستعمرة «كيبوتس» في القرية المهجورة.
هلا جبريل مخرجة فلسطينية-أمريكية، خريجة معهد كاليفورنيا للفنون، وحائزة على الجائزة الفضية لمهرجان هيوستن السينمائي الدولي، ولدت كلاجئة لوالدين هربا من وحشية الاحتلال في الطنطورة (المنزل الذي بقي كان ملكا لعائلتها) وأمضت سنواتها الأولى في أماكن مختلفة في سوريا، وكانت لا تزال صغيرة عندما هاجر والداها معها إلى الولايات المتحدة.
وفي عام 2010 تمكنت هلا من زيارة موقع قرية أجدادها، كما قابلت أقاربها، الذين لجأوا إلى قرية الفريديس المجاورة، التي نجت من الدمار، وقابلت العديد من الإسرائيليين، الذين شاركوا في المجزرة، وأخيراً تمكنت من إخراج فيلم «الطريق إلى الطنطورة».
وقد بحثت جبريل عن تاريخ عائلتها بشغف بعد أحداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر، وللمفارقة وجدت قصة إخبارية عن الباحث الإسرائيلي تيدي كاتس، الذي كتب رسالة ماجستير حول ما حدث في الطنطورة، وقد أشار هذا الباحث إلى مذكرات والد هلا جبريل، لتبدأ قصة البحث عن الحقيقة المرعبة.
وبعد ذلك، تحولت رحلة الباحث الإسرائيلي نفسه إلى موضوع لفيلم مثير الجدل، سلط الضوء على مذبحة «الطنطورة» وقد حاول الفيلم الإسرائيلي، الذي كشف عن تفاصيل المجزرة، الدخول في منطقة محظورة عند الإسرائيليين، وهي عدم الاعتراف بوحشية وبشاعة ما فعله الجيش الإسرائيلي والعصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين، ولكن النقد السينمائي للفيلم نفسه ما زال يتناول الموضوع مع مفردات منحازة لإسرائيل، بما في ذلك استخدام كلمة «حرب الاستقلال الإسرائيلية» بدلاُ من النكبة الفلسطينية.
ويتضمن الفيلم، شهادات مصورة من جنود الاحتلال الإسرائيلي والضحايا من الفلسطينيين، والشخصية المركزية في الفيلم هي للباحث كاتس، وهو الآن في أواخر السبعينيات من عمره وعانى من سكتات دماغية، ولكن لا يزال محققاً شجاعاً، وقد قام في أواخر التسعينيات، عندما كان في الدراسات العليا بقسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة حيفا، بتقديم أطروحة حول ما حدث في قرية الطنطورة بعد أسابيع قليلة من إعلان قيام إسرائيل من قبل ديفيد بن غوريون.
وقد كانت الرواية الإسرائيلية سابقاً تتلخص في أن «معركة» الطنطورة كانت قصيرة للغاية ولم يزد عدد الضحايا عن 10. ولكن التحقيق كشف عن قصص مرعبة وحكايات اغتصاب وعمليات نهب من قبل القوات الإسرائيلية ضد السكان المدنيين، وقصص عن قتل الناس من قبل قاذفات اللهب وقطع الرؤوس.
وبطبيعة الحال، لم يعد للمكان أي ذكر، وأصبحت مقابر «الطنطورة» تحت مرآب للسيارات، كمكان مثالي يشبه أماكن العطلات في اليونان.
تدور قصة «الطنطورة» حول كيفية قمع المعرفة بسلوك إسرائيل خلال الحرب المزعومة، وإنكارها، والتستر عليها من خلال خرافات مضادة، وقد أشارت قراءة نقدية أمريكية إلى أن «القصة الصهيونية» تستند أساساً على أكذوبة مفادها أن الجيش الإسرائيلي هو الأكثر استقامة إخلاقياً على هذا الكوكب، وهناك حالة من الوهم عند الإسرائيليين بأن إسرائيل عبارة عن مجتمع أخلاقي، ومن المعتقد، وفقاً للعديد من الباحثين، أنه من الصعب على الإسرائيليين الاعتراف بارتكاب جرائم حرب، لأن هذا يسبب مشكلة كبيرة لمشروع الصهيونية، وهو يعني إنه لا يمكنك إنشاء ملاذ آمن من خلال كارثة للآخرين.
وهذا هو الاتهام العميق الذي تم توجيهه في «الطنطورة» وهو «أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب عام 1948 وتسترت على كل شيء».
وقد يسأل العديد من المراقبين في جميع أنحاء العالم: «ما الجديد؟» والإجابة كما توفرها القراءات النقدية الأمريكية هي عدم توفر أي خبر ملفت للنظر عما حدث، وهذا يعني أن القدرة على إخفاء هذا الواقع في إسرائيل والولايات المتحدة أصبحت مروعة للغاية.
وأشارت قراءة نقدية نشرها موقع» سينترال ريكورد» إلى أن الطنطورة ليست الكلمة الأخيرة في الموضوع، ولكنها تشبه الانفجار الذي يثير مخاطر الحقيقة، وقالت إن الفيلم الوثائقي يسجل خطايا إسرائيل المدفونة، كما أن الطنطورة تعني بأن الأكاذيب ستطارد إسرائيل حتى النهاية، وهي تذكير بأنه لا يمكن تحويل الأكاذيب إلى أسطورة حتى النهاية.
وعلى المستوى السياسي والإعلامي، تجاهلت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تماماً تجدد الحديث عن مذبحة الطنطورة، في حين غابت أخبار الكشف عن الوحشية الصهيونية ضد الفلسطينيين عن وسائل الإعلام الأمريكية، إلى درجة أن ذكر المجزرة لم يأت إلا ضمن سياق النقد السينمائي لفيلم إسرائيلي كشف عن تفاصيل جديدة متعلقة بالمذبحة.
وعلى الرغم من الفهم المتجدد لنكبة 1948 ومجزرة الطنطورة، إلا أن إدارة بايدن لا تحاول بذل أي جهد حقيقي ضد الاحتلال الإسرائيلي وتصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين والحصار على غزة، وفي الواقع، لم تعد عملية السلام برمتها مسألة لها أولوية في السياسة الأمريكية.
وتجاهلت جميع المؤسسات السياسية الأمريكية وغير الحكومية ومنظمات حقوق الإنسان والتحالفات الأمريكية ضد العنصرية وغير ذلك، الأخبار المفزعة عن الطنطورة على الرغم من قدرتها على التفتيش على أي تجاوز لحقوق الإنسان في أي بقعة في العالم في الوقت الحاضر أو الماضي، وعلى النقيض من ذلك، كان هاجس إدارة بايدن وأعضاء الكونغرس من الحزبين الديمقراطي والجمهوري خلال الأسابيع القليلة الماضية هو الهجوم على تقرير منظمة العفو الدولية «أمنستي» عن الفصل العنصري الإسرائيلي.
وردت وزارة الخارجية على التقرير بالقول إنها ترفض فكرة اتهام إسرائيل بأنها دولة فصل عنصري، كما هاجم العديد من أعضاء الكونغرس التقرير، على الرغم من عدم تعامل أي منهم مع النتائج التي توصلت إليها منظمة العفو الدولية.
ووصلت تعليقات السيناتور بوب مينينديز إلى حد وصف تهمة الفصل العنصري ضد إسرائيل بأنها عمل شائن، وكتبت النائبة ريتشي توريس (ديمقراطية من نيويورك) على تويتر أن وصف إسرائيل دولة فصل عنصري، كما فعلت منظمة العفو الدولية، كذبة، وزعمت بأن شيطنة إسرائيل لن تخفف من معاناة الفلسطينيين، ودعا النائب لي زلدن (جمهوري من نيويورك) إدارة بايدن إلى إعادة أي مساهمات في حملات منظمة العفو الدولية، وغرد النائب تيد دويتش (ديمقراطي من فلوريدا) بأن التقرير مليء بالتوصيفات الخاطئة والاتهامات الكاذبة واللغة المنحازة ضد إسرائيل.
وهذا هو الاستنتاج الوحيد الذي يمكن أن نخرج به من التجاهل الأمريكي لتجديد الحديث عن المذبحة والدفاع عن اتهامات منظمة أممية محترمة ضد نظام الفصل العنصري: القدرة على إخفاء حقيقة الجرائم الإسرائيلية والتستر عليها في الولايات المتحدة أصبحت حقيقة مرعبة، كما أن حجم الأكاذيب بشأن الحرص على مسألة حقوق الإنسان في أمريكا يزيد عن بشاعتها في إسرائيل.