الطنطورة: محاولة التستر على المذبحة وأشباح الموتى تلاحق رواية النشوء الإسرائيلي

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

عندما يكتب الفلسطينيون تاريخ نكبتهم وتهجيرهم من وطنهم وأرضهم فهم يوثقون للمجازر والقرى المهجرة والفظائع التي ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد المدنيين العزل والقرى الوادعة مثل دير ياسين والطنطورة. وسجلت الروائية والناقدة الراحلة رضوى عاشور قصة الطنطورة في روايتها «الطنطورية» حيث تخيلت تاريخ النكبة عبر رواية قرية مدمرة، تماما كما أعادت تسجيل النكبة الأندلسية في ثلاثية غرناطة الجميلة. وهي جزء من الحفاظ على صورة فلسطين التاريخية قبل الشتات. فقد انشغل الكتاب الفلسطينيون والأكاديميون في هذا المجال وحافظوا على أسماء القرى المدمرة كما في عمل وليد الخالدي، وتسجيل الروايات الشفوية، وصناعة الأفلام وغير ذلك.
لكن الطنطورة ظلت مثل بقية المذابح التي ارتكبت قبل وبعد تأسيس دولة إسرائيل محلا لتستر الرواية الإسرائيلية التي حاولت التأكيد على أن الصهيونية نجحت ببناء وطن لليهود وحققت حلمهم، وقدمت تاريخا خالصا من العيوب وجيشا أقام الدولة محافظا على طهارة السلاح. فتاريخ إسرائيل سيظل متجادلا مع النكبة الفلسطينية ومضادا لها، ذلك أن رواية النشوء تحرم حتى الآن وتمنع الحديث عن النكبة باعتبارها حدثا يلغي وجودها.

الأرشيف يتحدث

وفي بداية الثمانينات من القرن الماضي بدأت مجموعة من المؤرخين الإسرائيليين النبش في أرشيف الدولة الإسرائيلية والتعرف على رواية أخرى غير الرواية الرسمية حول تاريخ النشوء. وعرفت هذه المدرسة بالمؤرخين الجدد، وكان من رموزها بيني موريس، الذي تخلى عن مواقفه لاحقا وتوم سيغيف وأدم راز وأفي شليم وإيلان بابيه الذي يواصل مع آخرين عملية نقد الرواية الإسرائيلية والتركيز على الظلم الذي حل بالفلسطينيين وعملية التطهير العرقي لهم. وهي مدرسة طرحت أسئلة عما بعد الصهيونية، وكشفت في الطريق عما كان قد أخفي وتستر عليه، بطريقة مقصودة أو غير ذلك. وتعد إسرائيل حساسة من محاولات نقض رواية النشوء أو وصف المذابح والقتل أو ما يشوش صورتها التي بنتها في الغرب معتمدة على الآلة الإعلامية والأفلام بحيث يجعل من نقد إسرائيل أو الخطأ بالتعليق عما حدث لليهود في أوروبا قضية كبرى.

فيلم

ومن هنا تأتي أهمية الفيلم الوثائقي «طنطورة» للمخرج الإسرائيلي ألون شفارتس وقدم فيه كما يقول أوين غليبرمان في مجلة «فيريتي» (31/1/2022) قصة ما حدث في «حرب الاستقلال» والذي كان أفظع وأشرس مما كانت تريد إسرائيل الاعتراف به و«يشمل الفيلم على شهادات تفصيلية تأتي من أكثر المصادر موثوقية، وهم الذين قاتلوا في الحرب وعاشوها- الفلسطينيون والجنود الإسرائيليون أنفسهم». والفيلم هو رواية عن الرواية، ويتركز حول شخصية رئيسية وهي تيدي كاتس، في نهاية السبعينات من عمره، وعاني من جلطات دماغية لكنه لا يزال محققا رشيقا للتاريخ، كما يقول. وفي نهاية التسعينات من القرن الماضي كان يعد أطروحة دراسات عليا في الشرق الأوسط بجامعة حيفا، وجمع معلومات حول ما حدث في الأسابيع التي أعقبت إعلان ديفيد بن غوريون دولة إسرائيل في 14 أيار/مايو 1948 ببلدة الطنطورة التي كان يسكنها مجتمع من الصيادين الفلسطينيين والواقعة على شاطئ البحر المتوسط. وقابل كاتس شهود عيان نصفهم من الفلسطينيين والنصف الآخر من عناصر لواء السكندروني وسجل شهاداتهم على أشرطة غطت 135 ساعة والتي نسمعها خلال الفيلم الوثائقي. وما كشف عنه كان هو «سجل مذبحة». وقيل لنا أن معركة الطنطورة كانت قصيرة وقتل فيها 10 أشخاص، لكن اهتمام فيلم «طنطورة» يتركز على ما حدث بعد المعركة، وبعد استسلام أهل القرية. وهو معني بمصير المدنيين والجنود الذين أسروا. وما نسمعه من أفواه المحاربين السابقين «فظيع» فهناك قصص عن تجميع الناس في صف وإطلاق النار عليهم، وهناك قصص عن الاغتصاب وعن ناس قتلوا بقاذفات اللهب وعن النهب والسرقة. وهناك قصة عن رجل يرتدي خوذة ويطلق النار على رؤوس حفنة من المدنيين وقصص عن رمي جثث المدنيين في مقبرة جماعية. والطنطورة اليوم تشبه منتجعا هادئا مثل أماكن النزهة في اليونان حيث تم تسوية المقبرة وبناء موقف سيارات فوقها. ويقول غليبرمان إن ما نسمعه في طنطورة «ليس وصفا لآلام المعركة، بل ما نسمعه هو وصف لجرائم الحرب والتطهير العرقي» وقتل ما بين 270- 280 شخصا. ولو أردنا وضع هذا الرقم في السياق فقد قتل ما بين 350- 500 في معركة ماي لاي بفيتنام أثناء الحرب الأمريكية هناك. وطنطورة هو «سجل عن مذبحة ومأساة». وبالتأكيد ليس هذا هو فحوى الفيلم كله، فعندما قدم كاتس أطروحته إلى الجامعة حصل على موافقة عليها ولم يهتم بها أحد. لكن عندما حصل صحافي من صحيفة «معاريف» على نسخة منها ونشر تقريرا عن نتائجها، تحولت القصة إلى قنبلة، ونفى الجيش الإسرائيلي ما ورد في الأطروحة. وأنكر المحاربون القدماء، ونفس الذين قدموا شهادات لكاتس ما قالوه وقدموا دعوى قضائية ضده. وانقلب كل النظام في إسرائيل ضده ولم يسمح له بأن يقدم أدلته المسجلة في المحكمة. وعاد شفارتس إلى نفس الجنود الذين شاركوا في المعركة وسجل كاتس رواياتهم ومعظهم في التسعينات من عمرهم. وقال أحدهم «كان هناك ضحايا عرب كثر وانتشرت جثثهم مثل النفايات». وقال آخر بابتسامة غير مريحة «من المحظور الكلام». وما حصل عليه شوارتس هو اعترافات ونفي وموازنة. ولكن القصة واضحة في وجوه الجنود.

التستر

ويظل «طنطورة» عن الطريقة التي تم فيها التستر على المعلومات حول سلوك إسرائيل وقمع ما لا يحمد من خلال أسطورة مضادة، فالمؤرخ أدم راز يصف «الحمض النووي للقصة الصهيونية» وهي أن الجيش الإسرائيلي كان الأكثر أخلاقية على وجه البسيطة. ويقول إيلان بابيه «أعتقد أن صورة إسرائيل عن نفسها كمجتمع أخلاقي شيء لم أر مثلها في أي مكان في العالم، فنحن الشعب المختار، وهذا جزء من تعريف الهوية، وأعتقد أن من الصعب على الإسرائيليين الاعتراف بانهم ارتكبوا جرائم، لأن المشروع الصهيوني يعاني وبشكل أساسي من مشكلة: لا يمكنك خلق ملجأ آمن من خلال خلق كارثة لشعب آخر». وبعبارات أخرى فالاتهامات في فيلم طنطورة هي أن إسرائيل ارتكبت جرائم في عام 1948 وتسترت عليها، وكيف قمعت الحقيقة التي ظلت الدافع الرئيسي للنزاع العربي- الإسرائيلي على مدى سبعة عقود. وقد يقول المراقبون حول العالم ما الجديد في هذا، ولو قرأت كتابات نعوم تشومسكي فلن تكتشف الجديد في الفيلم، لكن ما يقدمه هو أن المدى الذي ذهبت فيه إسرائيل وإلى حد ما الولايات المتحدة للتستر على الواقع أمر مروع فعلا. ويحكي فيلم «طنطورة» عن تهجير الفلسطينيين من وطنهم عام 1948 وكيف تم تحقيق هذا عبر حملة من التخويف وبمساعدة من الإعلام الدولي. ويقدم شوارتس كيف أحضرت إسرائيل فرق التصوير من كل أنحاء العالم، بمن فيها شركة مترو غولدين ماير «أم جي أم» لتقديم نسخ مزورة عما حدث ومنحه صورة ملطفة. ويدين الفيلم ديفيد بن غوريون من خلال تسجيل كيف طلب في الخمسينات إعداد دراسة تظهر أن العرب تركوا وطنهم عن رغبة منهم.

طهارة المحتل

وفي ضوء الانتقادات التي تتعرض لها إسرائيل بسبب نشاطاتها الاستيطانية ومعاملتها للفلسطينيين التي وصفها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في كتاب له عام 2007 بالتمييز العنصري، وأكدت كلامه اليوم عدة تقارير من منظمات حقوق إنسان إسرائيلية وأمريكية وآخرها تقرير منظمة «أمنستي» بأنها أقامت نظام فصل عنصري في المناطق الفلسطينية المتحدة، فإن فيلم «طنطورة» عن مجازر ارتكبتها إسرائيل في عام 1948 وما بعده تبدو ذكرى قديمة. لكن هذه الذكريات هي التي تظل وتلاحق إسرائيل كالشبح. وكما يقول غليبرمان «السبب الذي يعمل على مواصلة الأكاذيب: أي معرفة الإسرائيليين بأن احتلالهم القائم على أخلاقية عالية رفع هذه الأكاذيب إلى مرتبة الأسطورة. ولن يكون طنطورة هو الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع وقد يكون طلقة البداية لكي ترفع إسرائيل من سقف الحقيقة».

خلفيات

وكتب إيلان بابيه في موقع «ميدل إيست آي» (28/1/2022) عن خلفيات قصة الطنطورة والحرب على دراسة كاتس، طالبه، عندما كان يدرس مساقا شهيرا اسمه «النكبة» لكنه اضطر وبضغوط من الجامعة لتغيير اسمه إلى «تاريخ وتأريخ عام 1948» وشجع فيه الطلاب على كتابة أبحاث حول ما حدث في عام 1948 وفي المناطق التي عاشوا وولدوا فيها. ورد كاتس ابن الكيبوتز، مع أنه في عمر أكبر منه، ببحث عن الكيبوتز الذي يعيش فيه، مغال، ووجد أنه قائم على أنقاض بلدة زيتا. وقام بسذاجة بدعوة الناجين من حرب 1948 لزيارة الكيبوتز والحديث مع المستوطنين الذين سيطروا على قريتهم ، لكنه تعرض للسخرية والشجب من سكانه.
وأحب كاتس متابعة الموضوع في دراسة الماجستير، واقترح عليه بابيه كتابة تاريخ مصغر للقرى التي تأثرت بالنكبة. واختار خمس قرى في جنوب حيفا. ورفض بابيه الإشراف عليه، لاختلافه مع إدارة الجامعة حول تدريس تاريخ فلسطين. ولهذا اختار مشرفين آخرين. وحصلت الرسالة على علامة عالية، وفي الفصل الرابع كشف عبر الوثائق ومقابلات الجنود والفلسطينيين عن ارتكاب الجيش الإسرائيلي مجزرة في الطنطورة، وهي جريمة حرب لم تلفت انتباه المعظم لكن ليس كل ما كان يعرف عن النكبة حتى ذلك الوقت. ويقول بابيه إنه اطلع على مقابلات 60 ساعة ووثائق ومقتل حوالي 200 قروي بدم بارد من جنود غاضبين على مقتل ثمانية من زملائهم. ووصف الشهود من عرب ويهود المجزرة بشكل حي وألمحوا إلى مقبرة جماعية تحولت إلى موقف سيارات في الكيبوتز الذي بني على أنقاض الطنطورة. ولم يكن كاتس مضطرا لتسجيل المقابلات لكنه أشرك بسماعها من كان مهتما بها، بمن فيهم الكاتب الذي لا يزال يحتفظ بنسخ منها.
وعندما علم الجنود الذين اعترفوا بارتكاب الجريمة بأن صحافيا حصل على نسخة من الأطروحة ونشر نتائجها في «معاريف» شعروا بالخوف. وقرروا تحت ضغط من المحاربين السابقين وبمساعدة محام مرتبط بالجامعة تقديم كاتس إلى المحكمة وانكروا مقابلته وقاضوه بتهمة التشهير. وارتكب كاتس خطأه الأول عندما رضخ لطلب الجامعة وسلم الأشرطة لها، ولم يكن مجبرا على عمل هذا، وبناء على تناقضات بين التسجيلات والاقتباسات في الأطروحة- كانت ستة من بين مئات الاقتباسات- قدموه للمحاكمة وسط رفض الجامعة الدفاع عن أطروحته الممتازة. وارتكب الخطأ الثاني الذي ندم عليه بعد سنوات عندما رضخ لضغوط عائلته وبعد يوم مرعب في المحكمة، وأقنع بكتابة رسالة اعتراف بأنه زور الحقيقة حول الطنطورة. وأجبرته المحكمة في هذه الملهاة اليونانية على دفع رسوم المحكمة وطلبت منه الجامعة رسالة جديدة كتبها مضيفا إليها إثباتات قوية جديدة عن المذبحة. ونجح بعلامة متدنية حيث تم سحب رسالته من مكتبة الجامعة. وتركت الحملة ضده أثرها عليه بات اليوم يعتمد على كرسي متحرك وعانى من جلطتين دماغيتين. وحدث كل هذا رغم محاولات بابيه تشجيع الجامعة تغيير موقفها الذي كلفه وظيفته مع أنه كان محاضرا ثابتا. وكتب مقالا بالعبرية عن المذبحة ولم يتجرأ أحد على أخذه للمحكمة. وسخر الإعلام والأكاديمية الإسرائيلية منه وكاتس ووصفهما بالخونة. واستمرت محاولة نزع الشرعية عن أعمال بابيه على يد المؤرخين الإسرائيليين إلى يومنا هذا. وأقنع الطلاب بعدم استخدام أعماله ومن الصعب العثور عليها في المكتبات، وتنشر العروض القاسية عنها في الصحف المحلية مع أنها لا تقبل في المجتمع الدولي.
وأشار بابيه إلى فيلم شفارتس الذي استطاع تحدي الدعائيين اليهود في هذه المأساة الإغريقية. واعترف بعضهم أمام الكاميرا أن كاتس سجل كلامهم بدقة حول روايتهم عن أحداث عام 1948. واستطاع شوارتس وباستخدام تكنولوجيا متقدمة الكشف عن المقبرة الجماعية وحفز القاضية في حينه للاعتراف أنها لم تستمع لتسجيلات كاتس. وبعد استماعها لتسجيل في الفيلم اعترفت ان الحكم ربما كان مختلفا. وما يهم في كل هذا، يقول بابيه أن «المذبحة كانت جزءا من جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها إسرائيل عام 1948 ولا تزال حتى يومنا هذا، وجريمة أنكرتها. والإفلام والأطروحات من أصحاب الضمير الإسرائيليين ليست كافية لجبر الجريمة. وإغلاق ملف الجريمة لن يكون إلا من خلال إنهاء استعمار كل فلسطين التاريخية وتطبيق حق العودة. وفي فلسطين الحرة والديمقراطية فنصب للطنطورة قد يكون تذكيرا ذا معنى للماضي. ولكن عندما تظهر القصة على صفحات الصحف الصهيونية الليبرالية مثل هآرتس فإنها تزيد الطين بلة وبدون أي تصحيح لشرور الماضي».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية