«النظر في المرآة»

من الكتب الصادرة حديثا، والتي يمكن اعتبارها كتبا مهمة، بعيدا عن زخم الروايات، التي نتعثر بها في كل وقت وأي مكان، كتاب «النظر في المرآة» الذي أعده الصديق صفاء ذياب، وقدم له عبد الله إبراهيم، وصدر عن دار شهريار العراقية، ذات الإصدارات النوعية غالبا.
الكتاب الذي يحتوي على ثلاثمئة صفحة من القطع المتوسط، ضم في داخله شهادات عن الكتابة، لثلاثين كاتبا وشاعرا عربيا، نادرا ما تجدهم في ملتقى واحد، وهناك بعض منهم لم تلتق به قط، بسبب تباعد الأماكن، وبذلك حقق كتاب المرآة، بعدا اجتماعيا صادقا، إضافة إلى كونه شهادات عميقة، أجابت كلها عن سؤال الكتابة الأزلي. وكل إجابة لا شك أشارت إلى عمل كل مبدع، وطريقة سلوكه طريق الكتابة، وماذا فعل قبل أن يصل إلى قارئه، وبعد أن وصل، وما حجم ما قدمه من تعب ليظل مبدعاً.
وبوجود تجارب كبيرة، ولامعة مثل تجربة الروائي فاضل العزاوي، والشاعر قاسم حداد، والكاتبة لطفية الدليمي، والحسن بكري، وعيسى الياسري، وآخرين أكثر أو أقل تغلغلا في زخم الكتابة، لا تستطيع إلا أن تحس بالغبطة، أن الكتابة ليست عملا ثانويا على الإطلاق، وليست إضاعة للوقت أو بحثا عن الشقاء البعيد، بلا هدف، وإنما هي وظيفة أصيلة من وظائف الإنسان، فهو إما يبدعها، وإما يتلقاها من مبدع، وتحمل دائما المتعة والمعرفة.
لقد أشار عبد الله إبراهيم في تقديمه للكتابة، إلى المقومات التي ينبغي توفرها، حتى ينهض جسد الكتابة، ويسير مستقيما، أي ماذا يجب أن يفعل الكاتب، الذي لم يكتب بعد ويحس بأنه ينبغي أن يكتب؟ وهؤلاء كثيرون في هذه الأيام، ونجد بشكل يومي وكثيف، شبابا في كل مكان، قرأوا قليلا أو لم يقرأوا كتبا قط، يلجون سكة الكتابة، ونستطيع أن نؤكد كلام الناقد المتمكن عبد الله إبراهيم بضرورة التسلح قبل المضي في الطريق، وقد كانت الأسلحة قديما، أي في الزمن الذي بدأت فيه أجيالنا العملية الإبداعية، أسلحة تقليدية وسهلة للغاية، ما على الشخص الذي يود أن يكتب ويحس بإمكانية أن يكتب، سوى أن يقرأ، ليس قراءة الرواية والشعر فقط، لكن قراءة كل شيء يعثر عليه، ولأن القراءة أيضا ميول وأذواق مثل الكتابة تماما، فيجب إجبار النفس على قراءة كل شيء، ومحاولة تذوق كل شيء من أجل الحصول على ذهن يمكن إشعاله في كتابة النصوص في ما بعد، ولعل الأمر اختلف الآن، حيث ظهرت ورش الكتابة، التي يقدمها كتاب مخضرمون، ويمكن أن تمسك بالمواهب، وتعيد توجيهها، وهذا بالطبع لا يلغي مسألة القراءة المتصلة في كل المعارف.

كتاب «النظر في المرآة» مدخل جيد لعالم قد يكون غامضا، وربما بالاطلاع على شهادة كل مبدع من الذين شاركوا فيه، نصل إلى فهم عميق عن سؤال الكتابة الأزلي، وكيف تمت الإجابة عليه من الذين شاركوا.

أذكر أنني كنت أدرس في مصر، حين توقفت فجأة عن كتابة الشعر، الذي كنت أكتبه منذ تعلمت القراءة والكتابة، ولمعت في ذهني فكرة كتابة الرواية، كنت طالبا بموارد محدودة للغاية، وفي كلية يصعب فعلا أن تجد في مقررها الكثيف ثغرة تلج بها إلى قراءة أخرى مبدعة، لكن كان لا بد من تعب، وتعب كثير، ومحاولة ضغط مصروفات الجامعة للحصول على وقود الكتابة، أي الكتب والمجلات الأدبية التي ينبغي قراءتها.
كانت المقاهي في ذلك الوقت، هي وسائط التواصل الاجتماعي المعتمدة، والقراءة أو الكتابة في عزلة، وحده لا يكفي، ولا بد من لقاء أحد، من المشتغلين بالإبداع والاستماع إلى ما يقوله، وما يقدمه، وما يمكن أن يرشحه للقراءة، وكنت أفعل ذلك، أسعى للقاء كتاب وشعراء كبار ومهمين في السياق العربي للكتابة مثل عفيفي مطر، ومحمد مستجاب، وعبد الحكيم قاسم، ومحمد سليمان، وإبراهيم عبد المجيد، وعبد المقصود عبد الكريم، وقد تعلمت فعلا أشياء ربما ما كان من الممكن تعلمها، لولا التعب، وكان أهم ما تعلمته، هو أن تكتب فقط دون انتظار لدهشة من أحد، أو إشادة من ناقد، أو مال يأتي منقادا إليك من نص كتبته، اكتب فقط، ولا تسعى لجعل كتابتك جسرا لمصلحة ما، أو تسخرها للنيل من خصم، هكذا.
كتاب «النظر في المرآة» وضح تلك المعاني الجليلة لأولئك الكبار، المغرمين بالكتابة، المشغولين برصف السكك لغيرهم، والذين لا ترد أسماؤهم كثيرا في الجوائز والتكريمات، التي استحدثت في هذا الزمن، وكم سيكون مؤلما حين تكتشف أن كثيرين من الأدباء الذين ملأوا العالم بالجمال وزركشوا له المعاني الطيبة، وحكوا القصص الممتعة، لم يكونوا سعداء أبداً، فقد كانت العزلة الشبيهة بعزلة التوحد أو الجنون الهادئ، متمثلة عند كثيرين، كانوا شغوفين بلم المعرفة وإعادة إنتاجها، ولا تعني لهم الحياة الرغدة خارج بيوتهم أو أماكن عزلتهم شيئا.
أيضا سيكون مفيدا ربما لكتاب الجيل الحالي أن يعرفوا أن ليس كل ما يكتب ينشر، فالكاتب الحقيقي، قد ينتج نصا كاملا، رواية أو حتى ديوان شعر ممتلئ بالقصائد، ثم فجأة تنتابه الهواجس تجاه نصه، ويحس بتفاهته، ويمزقه، إنه فعل معروف في الكتابة قديما، وأعتقد أن نصوصا كثيرة ربما كانت مهمة، ضاعت بسبب هواجس المؤلف، ووصوله إلى قناعة التمزيق. شخصيا عندي كمية من النصوص، سميتها النصوص المهملة، ولم أنشرها قط، إنها نصوص لي، كتبتها بطقوسي وأدواتي نفسها، لكن هواجس كثيرة طالتها، وألغيت تماما من التجربة. أيضا في شهادات المرآة هذه، حديث عن النشر، وصعوبته في البدايات، وهي معضلة ما تزال قائمة حتى الآن، على الرغم من وجود عدد ضخم من دور النشر، ذلك باختصار أن الأمر تحول إلى بيزنس، أكثر من كونه تبنيا لنصوص جيدة، والمشاركة في إيصالها لقارئها.
كتاب «النظر في المرآة» بلا شك مدخل جيد لعالم قد يكون غامضا، وربما بالاطلاع على شهادة كل مبدع من الذين شاركوا فيه، نصل إلى فهم عميق عن سؤال الكتابة الأزلي، وكيف تمت الإجابة عليه من الذين شاركوا.

كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية