تفاجئنا المجموعة الشعرية لعبد الجواد العوفير بِحَفريَاتٍ مختلفة، تتجاوز السائد في التجربة الشعرية الجديدة لشعراء التسعينيات، ومغامراته مع الكلمة التي لا تريد أن تكون نسخة للمتداول، قتل الأصل ومجاوزته، والتأسيس لأصل يميز الشاعر عن باقي التجارب الشعرية الأخرى، وهذا يتجلي في لغته الشفافة التي تخلصت من التعتيم اللغوي، فهذا الصفاء المنحوت بدقة، لم يأت من فراغ، بل هو ثمرة إطلاعه على نصوص شعرية وفكرية عالمية، واهتمامه بترجمة أشعار تجاوره، بغية الانخراط في وخز القارئ بٍإبر الجمال. هذه الإقامة في العبور (على حد تعبير عبد السلام بن عبد العالي) بين الثقافات والنصوص العالمية والعربية، جعلت من الباقة الشعرية لعبد الجواد العوفير تجربة متفردة هدفها إحداث ثقوب في جدار السائد.
بعد هذه الإضاءة لا بد من الانخراط في تجربة الشاعر المؤسسة لأفق جديد، تؤثثه اللغة الشفافة والرؤيا المستشفة لأرض بكر، لسحر الكلمة، دون سبق إصرار، تاركا للصورة الشعرية حرية البوح المفاجئ للشاعر والقارئ معا. إنها رؤية العارف بسر الوجود وسحر الأشياء، تؤطرها ثيمات نلمسها في كل قصائد الديوان، ما يجعل منه باقة شعرية فعلا، ولكي نعبر خفية من قصيدة إلى أخرى لا بد من طرق أبواب العناوين في غفلة من الساحر، الذي نظمها في زمن يستعصي على التحديد، وعبورنا هذا لا يخضع لترتيب القصائد عبر بياض المجموعة، بل لاستدعاء تفرضه لعبة إغراء تمارسه علينا عناوين قبل أخرى، ونبدأ بقصيدة “الأبدية أصغر من جسدين”.
فتجاوز الأبدية هنا يعتبر أقصى درجة العشق، لأن ضحية تجربة الحب لا يختلف عن المجنون، فكلاهما يصير حاضرهما أبديا، حيث يتوقف الزمن، ثم يمحي الماضي ويستحيل المستقبل، فالمجنون لا يبرح هلوساته التي تستبد به، والعاشق تنعدم كل الأجساد الأنثوية، التي كانت تؤثث ذكرياته، أما التي يصادفها يوميا فإنها تصير ضبابية، لا قيمة لها ولا وجود أمام حضور جسد المعشوق في الذاكرة وتفاصيل اليومي، بين سطور الكتب التي يقرأها وتضاريس الوجوه التي يراها.
إن هذا التجاوز يجعل من درجة العشق العادية، دون حبه الذي يتجاوز الأبدية كما في المقاطع التالية:
أيتها الأبدية كم أنت صغيرة
لماذا عيناك تبرقان في الليل كقطة
سنمسكك ونعلو بك إلى ما هو أعلى منك
أما في قصيدة “جسدك الأكثر علوا” فإن جسد المعشوقة حاضر، رغم غيابه في الزمن والمكان كما في الأبيات التالية:
جسدك الأكثر علوا
من الكرسي، من مزهرية،
من شاطئ، من توازن،
من درب يخترق الفؤاد ولا يعتذر،
ومن هذه العتمة التي ترسم، صورتها على شاكلته.
الحضور هنا يلقي بالأشياء الأخرى التي تؤثث فضاء الشاعر إلى هوة العدم، فالكرسي والمزهرية والشاطئ تتوارى في هدوء، لأن سلطة جسد المعشوقة لا يمكن مقاومته إلا بالانسحاب، والدرب الذي يخترق الفؤاد بعنف، يدثره جلال الحضور بالغياب والنسيان، وتؤجل كوارثه التي لا تعتذر، وحتى العتمة تصير صورة لهذا الجسد من تلقاء نفسها. أثناء هذه المصاحبة لنصوص عبد الجواد العوفير، رحل بنا الشاعر عبر معابر ومسارب الحياة بفرحها الموزاري وقلقها البيتهوفوني، ونلمس ذلك في قصيدة” المنعزلون” الذين يحتفون بإقامتهم في الأبدية بعيدا عن تفاهات القطيع اليومية، فسعادتهم ليست سعادة الواجهة، كما يرى الفيلسوف الفرنسي مارسيل كونش، بل هي سعادة المبدعين التي تتميز بالإرادة النتشوية والعمل، وقلقهم ليس هو ذلك الحزن الذي ترشقنا به يوميا الأغاني العاطفية، بل يأسا سبونفوليا، أي البداية في الزمن والمكان بعد كل فشل، وإحداث القطيعة مع الحنين معا.
بعد هذا العبور الممتع من قصيدة إلى أخرى، تسللت إلى ذهننا أسئلة حارقة، لماذا يحتفي الشاعر العوفير بالكلمة على إيقاع العزلة؟ ولماذا هذا العشق لجمرة الإبداع على حدود الكارثة؟ على حد تعبير موريس بلانشو، ولماذا هو مصر على إحداث ثقب في جدار التقليد؟ إلا أن الإجابة البديهية هي أن مهمته كمبدع السفر عبر الكتابة بحثا عن عزلة حميمية، وخلق مسافة مع مجتمع مأسور في اليومي والتكرار، إنه الهروب اللانهائي رغبة في الإفلات من قبضة الأب الرمزي والسير نحو الأفق، والكشف عن أكذوبته، لأن النهاية وهمُ الأفق، الأفق بداية السفر.
فتحية لهذا المسافر الأرفيوسي عبر ليل الكتابة بحثا عن النص المنفلت، النص الذي يقيم على حدود الكارثة، والرحالة الذي يتقدم رويدا، رويدا نحو تخوم الخطر، والإقامة هناك فداء للكتابة.
شاعر و ناقد مغربي