الطفل الذي أحيا ضمائرنا عندما سقط في «الجب»… ريان موجود في غزة والشام واليمن وعواصم الخوف

حسام عبد البصير
حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: ووري جسد الملاك ريان الثرى، وبقي السؤال عالقا بين السماء والأرض: كم طفلا على الخريطة العربية يستحق بعضا من الاهتمام.. في القدس كما في غزة والضفة، وكما في صنعاء ودمشق وبيروت، وسائر عواصم الخوف والبطش؟ كم طفلا غيب أو قضي في صمت.
في صحف أمس الاثنين 7 فبراير/شباط، بكى كثيرون الصبي المغربي في ما ذرفت الأغلبية دموعها بسبب خسارة المنتخب القومي أمام السنغال وضياع حلم الحصول على البطولة الافريقية، وظلت المعارك التي أطلقها موالون للسلطة مشتعلة، سواء تلك التي لها علاقة بالإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، أو تلك الموجهة ضد الحكومة بسبب تعثرها في التصدي للملفات الجماهيرية، ولم تخل المعارك من هجوم على جماعات المعارضة.
ومن أخبار القصر الرئاسي شهد الرئيس السيسي والرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلة، مراسم التوقيع على عدد من مذكرات التفاهم في مجالات التشاور السياسي، والطاقة والموارد المتجددة، وإنشاء المنطقة اللوجستية المصرية في جيبوتي. وأكد المستشار حسين أبو العطا رئيس حزب “المصريين”، أن زيارة عمر جيلة لمصر تكشف عن المجهود المضني المبذول لتنشيط العلاقات الخارجية، موضحا أن تعزيز العلاقات الثنائية على الصعيد الأمني والعسكري والاقتصادي يعكس بما لا يدع مجالا للشك خصوصية العلاقة مع جيبوتي.
ومن أخبار الرياضة: عادت بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم إلى مطار القاهرة الدولي قادمة من الكاميرون على متن طائرة خاصة، بعد المشاركة في بطولة أمم افريقيا. وحقق المنتخب الوطني المركز الثاني والميدالية الفضية في النسخة 33 لبطولة افريقيا بعد الخسارة بركلات الترجيح أمام السنغال بنتيجة 4 -2 عقب نهاية الوقتين الأصلي والإضافي بالتعادل السلبي. من جانبه غادر محمد صلاح قائد منتخب مصر ولاعب فريق ليفربول الكاميرون متجها إلى إنكلترا عبر طائرة خاصة للانضمام إلى صفوف الريدز. ومن ابرز المحاكمات: عاقبت الدائرة الأولى إرهاب في محكمة الجنايات، المنعقدة في أكاديمية الشرطة، 17 متهما في قضية أحداث العنف، وإضرام النيران والشغب التي وقعت في محيط مباني مجلس الوزراء ومجلسي الشعب والشورى والمجمع العلمي المصري، التي عرفت إعلاميا بـ”أحداث مجلس الوزراء”، بالسجن المشدد من 7 سنوات لـ15 سنة وإلزامهم برد 17 مليونا و622 ألف جنيه قيمة ما أتلفوه. ومن اخبار الداخلية قرار اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، إبعاد السوري مصطفى محمد المحمد زين، خارج البلاد، لأسباب وصفها بيان الوزارة بأنها تتعلق بالصالح العام. ومن أخبار المحاكم: قضت محكمة جنايات الزقازيق، بإحالة أوراق 3 من عصابة التوك توك إلى فضيلة مفتى الديار المصرية، وحددت المحكمة جلسة 4 إبريل/نيسان المقبل للنطق بالحكم بالإعدام على المتهمين بعد ثبوت قتلهم طفلا لسرقة “التوك توك” الذي يمتلكه.
وأكد الدكتور شعبان عبدالجواد المشرف العام على إدارة الآثار المستردة في وزارة السياحة والآثار، أن الإدارة مهتمة بمزادات القطع الأثرية كافة على مستوى العالم على مدار الساعة. ومن أخبار الفنانين: أكد الفنان مصطفى درويش أن المخرج محمود رحمي مخرج “بوجي وطمطم” يعاني من الشلل الرباعي، وبعض المشاكل في القلب، وكثير من الأمراض النفسية، طالبا من المسؤولين التدخل لإنقاذه.. ومن أخبار الراحلين: نعت نقابة المهن السينمائية المخرج أحمد يحيى، الذي رحل، بعد صراع مع المرض، تاركا خلفه العديد من الأعمال المميزة.
ليس وحده

انتفض العالم كما قال فاروق جويدة في “الأهرام” يتابع قصة ريان ابن الخامسة، وهو يعيش لحظة قاسية بين جدران بئر لم ترحم طفولته.. واتجهت أنظار العالم وقنواته وفضائياته ومراسلوه إلى موقع الحدث في قرية جبلية في إقليم شفشاون شمال المغرب الشقيق.. لم تدخر حكومة المغرب جهدا في محاولات إنقاذ الطفل، ابتداء من اهتمام الملك محمد السادس حتى فرق الإنقاذ والفرق الطبية وحفر بئر موازية للبئر التي سقط فيها ريان.. خمسة أيام وأكثر والطفل الصغير يواجه الموت بردا وجوعا وخوفا وأصوات الدعاء من الملايين تتجه للسماء تدعو الله أن ينقذ هذا الطفل الصغير.. وأصوات تنطلق في كل العواصم العربية في لحظة توحدت فيها المشاعر والقلوب، وكانت الإشادة بما قدمته الحكومة المغربية، ملكا وشعبا، لإنقاذ الطفل حديث العالم كله.. كانت الساعات تجري وفرق الإنقاذ على الشاشات والعالم يحسب الدقائق والطفل في البئر السحيقة، يواجه وحشة المكان والخوف والجوع.. خرج ريان من البئر وبعد دقائق صدر بيان عن القصر الملكي ينعى فيه العاهل المغربي الطفل الذي سقط في البئر واهتزت معه أركان الإنسانية، فقد مات ريان.. عادت أمامي صور ملايين الأطفال العرب الذين يطاردهم الموت في كل بقاع الأرض، وما بين الخيام يسقط كل يوم وسط تلال الجليد آلاف الضحايا.. حتى أن بعض الدول تأخذ الأطفال وترفض الكبار من الآباء والأمهات.. وتتوافد كل يوم وفود من الهاربين من الموت في أوطانهم، والحقيقة أنهم يهربون من الموت قتلا إلى الموت جوعا وبردا.. ربما حركت مأساة ريان شجونا كثيرة وأرسلت إلى العالم رسالة إنسانية دامية، وقد تحركت ضمائر ماتت، حتى لا ترى الملايين من الأطفال الجوعى، ما بين الخوف والجوع والموت.. العالم في حاجة إلى صحوة الضمير، وقد تكون مأساة ريان أول سطور هذه الرسالة.. لا أحد يعلم كم عدد الأطفال المشردين في المنافي، والذين تركوا أوطانهم أمام قوى البطش والموت والاستبداد.. قد تكون قصة ريان شيئا داميا وحزينا، ولكنها ربما حركت قلوبا نسيت الرحمة واستباحت كرامة الإنسان.

الرسالة وصلت

سكب حمدي رزق في “المصري اليوم” المزيد من الملح على دموعنا: أتعرفون ما غيابات الجب، أن يحتويك ضيق المكان، أن يفصلك عن الزمان، حبيس الجدران الصماء، قصة اللازمان واللامكان، السكون والصمت إلا من صوت نفس رتيب يدخل ويخرج بصوت كصوت بندول الساعة. أن تنظر من جوف بئر نفسك المظلمة فترى القمر بعيدا، ويراوحك ضوء النهار بأمل يفج من قلب العتمة فتبتسم للحياة. كلنا هكذا في غيابات الجب، الجب النفسي والشخصي. كلنا في بئر ما له قرار، نعيش في ظلمة أنفسنا، بلا مشاعر ولا إنسانيات، فقط أطماع غبية، ورغبات متوحشة، لا نشكر على نعمة البراح، نحن في براح رباني، براح الروح. كل هذا الخواء الإنساني، نعيش في دواخلنا، ولا نشعر بالجار المتألم، والقريب المتوعك، والصديق المخنوق، والرفيق الذي تغشاه سحابات الحزن.. غيابات الجب، ومنا من يعيش في جب نفسه الضيق، لا يسمح بدخول الضوء من خلف ستائر نفسه المعتمة، كمن يرتدي نظارات سوداء ليلا. ريان كان يحلم، يا له من حلم، والملائكة تحوطه بكل حنان، تملس على وجهه، وتربت على ظهره، وتسقيه من رحيق مختوم، ريان في غيابات الجب، يلهمنا درسا، لا تأوون في غيابات الجب طويلا، لا تصنعوا جبا بأيديكم، وتعيشوا فيه، لا تلعنوا الظلام، ولا تفرحوا بما أتاكم، وكونوا ربانيين، محبين، مسالمين، كونوا رحماء يرحمكم الله، مدوا أيديكم بالمحبة، وانفقوا من محبتكم لإسعاد الآخرين. ريان يقول لكم: كما تعاطفتم معي على البعد، الأقربون أولى بالمعروف، هناك في الجوار من يستحق عطفكم، هناك من هو في أمس الحاجة لدعائكم ودموعكم، لا تعدو أعينكم عنهم، وصلوا الرحم، وداوموا على السؤال، ولبوا الحاجات، وكونوا في العون، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. رسالة ريان وصلت للكافة، علّمنا، جمعنا على المحبة في لحظة فارقة، علمنا أن نشهد حقيقتنا، وكيف غارت إنسانيتنا بعيدا، استرددناها من عيون ريان، قال لنا بصمته الكثير، وعلمنا من بئره الكثير، ريان أكثر من طفل، وأكثر من حادثة، ريان رسالة للعالم على وقتها.. هل وصلت الرسالة، رسالة بعلم الوصول.. أفهمتم الرسالة، يا ليت قومي يفقهون؟

نم في سلام

من بين المؤمنين بدور كبير للصغير الذي عاش مأساة إيهاب صابر في “الوطن”: ابن الخامسة استخرج إنسانية العالم من داخل البئر، وجدنا الكل دون تفرقة عرقية أو جنس أو لون أو عمر أو دين، يدعو لطفل صغير لا حول له ولا قوة، راجيا الله أن يمنحه فرصة أخرى للحياة، كل المشكلات تضاءلت أمام طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره. نواجه في عالمنا العربي حروبا، ومشكلات مناخية ضخمة، وجرائم قتل، أقل وصف لها أنّها «بشعة»، وكوارث هنا وهناك، العالم لا ينضب أبدا من مثل هذه المشكلات، ولم يتوحد رغم ذلك، لكن ابن الخامسة جمعهم لأجله، لأجل الطفولة والبراءة والمستقبل والرحمة، لم يكن ريان إلا رسولا ينذرنا أن «اصطفوا فالمقبل يستحق». ربما سمعت أو وقع أمام نظرك ولو «منشور» عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن الأزمة السياسية بين البلدين الشقيقين «المغرب والجزائر»، ورغم ذلك امتلأت جنبات ومقدمات الصفحات الجزائرية بالدعاء والصلاة من أجل إنقاذ الطفل المغربي، هكذا تجتمع القلوب عند الأزمات، الكل لم يفكر في أي شيء سوى أن يخرج الله المسكين سالما، وليذهب أي خلاف إلى الجحيم غير مأسوف عليه. الأحداث الكبيرة تبدأ بشيء صغير، بلاغ لبلدية عن سقوط طفل في بئر، وجد من يرعاه ويبعث به من ركام المكاتب إلى براح السوشيال ميديا ليتصدر اهتمام العالم خلال ساعات، #انقذوا_ريان كانت الصرخة التي أوجدت في داخلنا أملا كان معظمنا يفتقده، شرارة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا العالم الملىء بأبشع الأمور والضغوطات، شملا كان محجوبا بسبب ظنون بين الأخ وأخيه. كانت رسالة ريان، ابحثوا عن براءتكم وإن كانت وسط ركام الضمائر الضائعة والتالفة، انقذوا إيمانكم ولو كنتم داخل الحانات والملاهي الماجنة، ترفّعوا عن مشكلاتكم فهي ليست نهاية العالم، انهزموا أمام دمعة طفل أو عجز كهل أو نظرة حبيب، فذلك قمة الانتصار لإنسانيتكم ومحبتكم وفطرتكم الأولى، أديت رسالتك يا صغيري وآن لك أن تستريح.

بين ريان والسنغال

عبقرية الرياضة كما قال عصام كامل في “فيتو” إنها أحد أهم أدوات الانتماء الوطنى وميزة كأس الأمم الافريقية أنها جمعت العرب على هدف واحد هو وصول أحد الفرق العربية والوقوف من ورائه دعما وتشجيعا، وعرفنا من كأس الأمم الافريقية أن العروبة ليست شعارا أجوف، رأينا شوارع العرب تجتمع على مباريات الجزائر، وتلتف حول منتخب المغرب، وتتعاطف بشدة مع منتخب مصر، وتقف بقوة خلف منتخب جزر القمر. حالة من الحب الصافي لم نرها منذ زمن طويل، إذ فرقتنا السياسة وجمعتنا كرة القدم، ورأينا كيف ناصرت اتحادات الدول العربية بعضها بعضا، ورأينا في المباريات العربية – العربية كيف تعانق اللاعبون بعد انتهاء المباراة. فعلا هناك حالة إنسانية قربت الشعوب بشكل كبير، وأنهت حالة من الجمود في العلاقات العربية – العربية فما فعلته كرة القدم لم تفعله مواقف عديدة اختلفنا حولها دون منطق أو مبرر. خرجت فرق عربية من البطولة مبكرا، فشهدنا حالة حزن عربي عام بسبب خروج الجزائر، ومن بعده تونس والمغرب، ولكن استمر الدعم العربي لمنتخب مصر حتى اللحظة الأخيرة. الحالة نفسها استطاع الطفل المغربى الشهيد ريان أن يجمع قلوب الأسر العربية دعاء له وصلاة من أجله.. يبدو أن الحالة العربية الشعبية أصبحت في موقع آخر تماما. كل ما نحتاجه هو التواصل بعيدا عن السياسة وانتهازيتها، وتباين المواقف بين العرب على المستوى الرسمي.. يبقى أن العروبة كيان حقيقي يظهر في المواقف التي تلتف حولها الشعوب.

من الفاعل؟

ما زالت القضية التي أثارها سليمان جودة في “المصري اليوم”، تثير المزيد من الأسئلة، حيث أكد كبير معلمي فيزياء الطيران أحمد لطفي، في رسالة للكاتب أن حكاية طائرة الرئيس السادات، الموجودة حاليا في إسرائيل، يجب ألا تمر مثل باقي الحكايات، لا لشيء، إلا لأنها ليست كأي حكاية، ولأننا في أشد الحاجة إلى أن نتلقى إجابة واضحة عن هذا السؤال: مَنْ باع طائرة الرئيس؟ سؤال لطفي لا يطرح السؤال من جانبه، باعتباره كبير معلمي فيزياء الطيران، ولا باعتباره المستشار السابق للشركة البريطانية للطائرات العسكرية لشؤون التدريب الفني، ولكنه يطرحه بوصفه مواطنا مصريا لا غير.. يطرح السؤال من واقع الغيرة على طائرة مصرية ركبها السادات في رحلته التي هز بها العالم، يوم أن طار على متنها إلى القدس في نوفمبر/تشرين الثاني 1977، ويوم أن كان العالم يتابعه كما تابع من قبل رحلة رائد الفضاء الروسي غاغارين إلى فضاء الكون إبريل/نيسان 1961 وكان الكاتب قد أشار إلى حكاية الطائرة في هذا المكان، صباح الجمعة الماضي، إثر زيارة قام بها بيني غانتس وزير الدفاع الإسرائيلي، إلى العاصمة البحرينية المنامة، حيث استقل في رحلته طائرة من طراز بوينج 707، وهي الطائرة التي أخذها السادات إلى القدس في زيارته الشهيرة قبل 45 سنة.. ولم تبخل الصحف ووسائل الإعلام ببعض تفاصيل انتقال الطائرة من القاهرة إلى تل أبيب، فقالت إن شركة إسرائيلية اشترتها في 2011، وإن ذلك جرى لصالح سلاح الجو الإسرائيلي، الذي خصصها لرحلات قادة وزارة الدفاع هناك، وكأنه هو الآخر تعمد أن يغيظنا كرر الكاتب السؤال: مَنْ باع طائرة الرئيس، وكيف، ولماذا؟ سؤال يؤرق صاحب الرسالة الحزينة، ولا بد أنه سؤال يؤرق كل مصري وطني يحزنه جدا أن تطير طائرة السادات في كل اتجاه وهى تحمل قادة إسرائيليين.

هو المقصود

آثر سيد علي محاولة البحث عن أسباب الهجوم على الإمام الأكبر متسائلا في “البوابة”: على هامش قضية التربص بشيخ الأزهر.. ماذا حدث مؤخرا ليتم إطلاق الأصوات إياها مرة أخرى ضد شيخ الأزهر، هذا ليس موقفا من قضية ضرب الزوجات، والأمر ليس له أدنى علاقة بهذه القضية، وأنها مجرد (تلكيكة) لنهش الرجل والإساءة إليه. والتساؤل المحير لماذا صار فضيلة الإمام هو الوحيد المستباح؟ وهل لذلك علاقة بهدم آخر قلاع قوة مصر الناعمة في الخارج؟ ما معنى إدخال شيخ الأزهر في دوامة الجدل العقيم من أشخاص غير مؤهلين لمثل تلك القضايا وطوال الوقت يكررون مقولات غلاة المستشرقين، ونحن أمام عملية منظمة وليس أحداثا عشوائية. والحقيقة التي يريدون التملص منها أن الأزهر أصدر فتوى أكد فيها أن التَّمرُّد على الفَضيلة، والتَّنكر لقيم المُجتمع السَّويَّة بمخطَّطات وحملات مُمنهجة ليست حُرّيَّة، أو تحرّرا، أو إبداعا، بل هو إفسادٌ وإِضعَاف للمُجتمعات، وأن المُشاركة في إشاعة الفواحش وتهوينها تهدِّد قِيم المُجتمع وأمنه واستقراره. وبعد تلك الفتوى هاجت بعض المؤلفة عقولهم واستعادوا كلاما للإمام قديما ونزعوه من سياقة عن ضرب الزوجات والاستدلال بالآية بعيد عن السياق، فيه تعسف شديد. ومعنى الضرب الذي تقصده الآية موضع الخلاف (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إن اللّهَ كَانَ عَلِيّا كَبِيرا) النساء/34. ولما كانت معاني ألفاظ القرآن تُستخلص من القرآن نفسه، فبتتبع معاني كلمة (ضرب) في المصحف وفي صحيح لغة العرب، نرى أنها تعني في غالبها المفارقة، والمباعدة، والانفصال والتجاهل، خلافا للمعنى المتداول الآن لكلمة (ضرب)، فمثلا الضرب على الوجه يستخدم له لفظ (لطم)، والضرب على القفا (صفع) والضرب بقبضة اليد (وكز)، والضرب بالقدم (ركل)، وفي المعاجم: ضرب الدهر بين القوم أي فرّق وباعد، وضرب عليه الحصار أي عزله عن محيطه، وضرب عنقه أي فصلها عن جسده، فالضرب إذن يفيد المباعدة والانفصال والتجاهل وكما هو معلوم بالضرورة أن الشرع لا يؤسس لأوضاع اجتماعية، ولكن يقيم أحكامه عليها.

أزمة على مقاسه

يرى محمد سعد عبدالحفيظ في “الشروق” أن “إباحة ضرب الزوجات”، لن تكون الأزمة الأخيرة التي تُثار حول شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب، ذاك الرجل الذي تسعى فرق وتيارات إلى إعادة تفصيله على مقاس أفكارها وتوجهاتها، فعندما يُصدر رأيا يتوافق مع ما يعتقده بعضهم يصبح «البروفيسور التقدمي التنويري»، وحينما يلتزم بحدود النصوص التي لا يملك تبديلها لا هو ولا غيره، يحوله البعض الآخر إلى «الرجعي المتشدد». رفعه التقدميون إلى سابع سماء عندما حسم بعض المسائل الفقهية المتعلقة بتهنئة غير المسلمين في أعيادهم وإخراج أموال الزكاة على فقراء المسيحيين، قاطعا بذلك الطريق على المتنطعين المتمسكين بتلابيب فقه إنكار وجود الآخر، وخسف هؤلاء به الأرض عندما قاوم حظر «الطلاق الشفوي» ودعوات «تنقية التراث». أكد أن هناك من يرفع الشيخ إلى مرتبة القداسة ويضع أفكاره وآراءه في مقام أعلى من النقد، وهناك من لم يملّ من التطاول عليه ونسف أُسس المؤسسة التي يترأسها، ولكل فريق في ما يرمي أدوات وجمهور يهلل ويكبر.لا يوجد أحد فوق النقد، «كلٌ يؤخذ من كلامه ويُرد عليه إلا صاحب هذا القبر»، كما أشار الإمام مالك إلى قبر نبينا محمد (ص)، لكننا في الواقع نُحمل الطيب أكثر مما يحتمل، ونلجأ في الكثير من الأمور الحياتية التي تنظمها نصوص الدساتير والقوانين المدنية إلى المؤسسة الإسلامية السنية، التي مهما تطورت واجتهدت في تأويل وتفسير واستنباط النصوص محتملة الدلالة للوصول إلى أحكام تناسب الواقع، لا يمكن أن تُبدل أو تغير النصوص صريحة الدلالة قطعية الثبوت. مسألة «ضرب الزوج لزوجته» التي أثارها الإعلامي عمرو أديب في برنامجه منذ أيام، وأشار فيه إلى أن شيخ الأزهر أكد «إباحتها وفق شروط»، ومنح مساحة للباحث إسلام البحيري لمهاجمة الطيب، معتبرا أن «كلامه ضد الدستور.. ويخلق دولة الغابة»، كان الشيخ قد حسمها قبل عامين، وقال إنه على الرغم من أن الإسلام أباح للزوج أن يضرب زوجته الناشز، إلا أن ولي الأمر من حقه أن يعدل عن هذا المباح ويقيده.

تقييد المباح

ضرب الإمام الأكبر كما اوضح محمد سعد عبدالحفيظ، أمثلة لتقييد «المُباح»، كرفع سن زواج الفتيات من 16 إلى 18 سنة، مطالبا أن يتم الشيء نفسه في قضية الضرب، «لا فقط للزوجة الناشز ولكن بشكل مطلق، إذ أن الضرب الآن إهانة للإنسان، وأصبح يسبب له عقدا لا تفارقه حتى يذهب إلى قبره». إذن رأس المؤسسة الدينية يرى أن مسألة تجريم ضرب الزوج لزوجته، من المسائل التي تخص سلطات الدولة المدنية التي سبق لها في عصور سابقة أن جرّمت الرق، وملك اليمين، وطورت الحدود التعزيرية بما يتناسب مع المتغيرات المجتمعية ويحقق مقاصد العقاب والردع والإصلاح. نظريا لا تُفرق القوانين في جرائم الاعتداء على المرأة بين زوج وغريب، لكن المشكلة في التطبيق، فالأجهزة والسلطات المناط بها إنفاذ القانون، عادة ما تتلكأ عندما تطرح عليها مثل تلك الوقائع بدعوى أنها مشاكل أسرية مآلها الحلول داخل إطار العائلة. فكثيرا ما تذهب الزوجة المعتدى عليها إلى جهات إنفاذ القانون لتشكو زوجها، لتفاجأ بأن الجهة الرسمية تَنصُب جلسة صُلح عرفية بحضور الأهل الذين يقنعونها بدورهم بالتنازل عن بلاغها حتى «لا تحبس زوجها وأبو أولادها»، ثم ينتهي الأمر بتطييب خاطر تلك المسكينة وعودتها إلى بيتها مهضومة الحق، ما يشجع الزوج على معاودة ضربها مجددا، في المرات التالية لا تفكر تلك المرأة في الرجوع إلى جهات الشكوى الرسمية فالنتيجة معروفة سلفا. إذا أردنا الحفاظ على حقوق الزوجة وحفظ كرامتها كمواطنة، فعلينا إجبار أجهزة الدولة المناط بها التعامل مع البلاغات الأسرية والتحقيق فيها على التفاعل بجدية مع أي شكوى تصل إليها، حتى لا تيئّس صاحبات الحقوق. أما الزوج الذى وصل به الحال إلى أن يعتدي على زوجته بأي حجة، فلديه الطريق الأسلم والأكرم «الطلاق» وهو حل وإن كان الله يبغضه، فإنه يبغض أكثر التعدي على الطرف الأضعف «بدنيا» في العلاقة الزوجية، وإن لم يبادر الزوج الأرعن الذي يستعرض قوته على قرينته فلها أن «تخلعه»، هذا أكرم لها ولأولادها.

في علم الوزارة

كلما شاهد أحمد إبراهيم في “الوطن” عبارة “بترخيص من وزارة الصحة” مكتوبة على الإعلانات عن الأدوية والأعشاب في القنوات الفضائية، انتابته الدهشة من صمت الوزارة على هذه الكارثة، كما يتعجب من موقف نقابة الأطباء التي لا تحرك ساكنا بشأن البرامج الطبية المعلنة، وإعلانات النصب على المواطنين من خلال وسائل الإعلام، وكذلك المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وجهاز حماية المستهلك، وأيضا المجالس الكثيرة في البلد من نواب وشيوخ وحقوق إنسان وغيرها، وكذلك الأجهزة الأمنية والرقابية. لا توجد دولة في العالم فيها أصلا إعلانات عن الأدوية في الإعلام، ووزير الصحة المصري نفسه لو احتاج دواء، وهو في أي دولة فقيرة كانت أو غنية لن يستطيع شراءه من أي صيدلية دون روشتة. كما أن هناك مراحل كبيرة وموافقات كثيرة جدا يجب أن يحصل عليها الدواء حتى يخرج للنور، وقبل طرحه للمواطنين. لا أظن أن أدوية الإعلانات الفضائية حصلت عليها لأنها مصنعة تحت السلم، ووصلت المهزلة إلى الإعلان عن دواء يُشفي تماما من مرض السكري، واستغلوا في ذلك اسم صديقنا العالم المصري الجليل الدكتور أسامة حمدي أستاذ الباطنية والسكر في جامعة هارفارد الأمريكية، الذي لجأ إلى القضاء، واشتكى في كل الدنيا لوقف هذه الكارثة، ولكن لا حياة لمن تنادي، والإعلان ما زال يبيع الوهم للمواطنين، وكما قلنا سابقا ‏صحيح أن معظم هذه البرامج والإعلانات يتم بثها من قنوات خارج مصر، ولكن النصابين داخل مصر والضحايا مصريون، ‏كما أن المجرمين معروفون للأعمى والبصير، والدولة في النهاية هي التي تتحمل تكلفة إزالة آثار الجريمة. مثل هؤلاء النصابين من الأطباء الذين نزع الله من قلوبهم الرحمة، وكذلك من أخصائيي التغذية والأعشاب والدجل والشعوذة الذين يمارسون مهنة الطب، وإعلاناتهم تملأ الإعلام والشوارع والطرق والكباري، هم محترفون يعلمون كيف يصطادون الفريسة ويرتكبون جريمتهم دون أدنى مسؤولية عليهم، لأنهم لا يتقابلون وجها لوجه مع الضحايا، ولكن من خلال وسيط.

مهمة عسيرة

يطمح مصطفى عبيد بتغيير صعب المنال كما قال في “الوفد”: أنا واحد من المؤمنين بأن أصعب تغيير يمكن إحداثه هو تغيير سلوك الناس، وهو في اعتقادي التحدي الأصعب عند بناء أي نهضة حقيقية. يُمكن أن تُنشئ أنظمة تكنولوجية عظيمة، وتعد تخطيطات عمرانية واسعة، وتقيم مساكن ومجتمعات عمرانية جميلة. ولا شك في أنك تستطيع إقامة مبان خرافية، ساحرة، خلابة، ومُبهرة. تستطيع مدّ خطوط طيران وسكة حديد واتصالات وعمل طرق وإنشاء جسور وتعديل تشريعات عتيقة، وكبح فساد شائع، وتحسين الصورة العامة للوطن خارج أرضه وبين أهليه. لكن التحدي الأصعب هو حضرنة الناس، تحفيز طاقاتهم، وغسل أدمغتهم من الرياء والكذب وكراهية الآخر. المشكل الحقيقي هو أن ننزع البداوة عن عقول أوصدت أبوابها وسدت نوافذ التفكير والتدبر لديها، تحت رياح شرقية عاتية عصفت بالمجتمع تحت لافتة الدين. والإنجاز الحقيقي هو أن نُحيى التسامح والوسطية والعقلانية لدى الناس، ونُعيد بعث جينات الجمال والإبداع لديهم.
على مدى خمسة عقود وأكثر كان المصريون يغادرون مصر بحثا عن رزق أوسع في بلاد النفط، ثم يعودون بزكائب المال والخير، لكنهم يحملون معها ثقافات وسمات وسلوكيات مجتمعات البداوة، ويورثونها أبناءهم باعتبارها التفسير الوحيد للدين، لتترسخ في بلادنا أفكار إطلاق الُلحى، وارتداء النقاب، وازدراء المرأة، ورفض غير المسلمين، والتساهل في تكفير وتخوين الآخرين. ولا شك في أن بناء الجمهورية الجديدة، وإطلاق النهضة العمرانية الشاملة، واستعادة مصر الحضارة والمدنية والتقدم يستلزم نبش خلاصات الأفكار المجلوبة، وخلخلة السلوكيات البالية، ونزع التطرف والتعصب والانغلاق (بدأ الذين صنعوه مؤخرا في التنكر له والتخلص منه)، وهو دور مطلوب وضروري للدولة بقادتها ومؤسساتها وهيئاتها ونخبتها ومفكريها ومثقفيها وقواها الناعمة. استعان الكاتب بمثال أورده ابن الأثير في كتابه «الكامل في التاريخ» ليؤكد أن الإصلاح والتغيير في سلوك البشر يأتي دوما من أعلى. يحكي المؤرخ الشهير أن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك كان محبا للتعمير والبناء وإقامة القصور الفاخرة والجميلة، لذا فقد كان حديث الناس وقتها كله يدور عن المباني الفخمة، وكانوا يتسابقون في الإنشاءات ويتفنون فيها.

متى نسترجع ثروتنا الحقيقية؟

كان فنانونا زمان كما أشار كرم جبر في “الأخبار”، يغنون للسد العالي والاشتراكية والتصنيع الثقيل والصورة التي تضم فئات الشعب العاملة، كان شعبا بسيطا ومكافحا، ولكن مبتسما ومتفائلا، وهذبت الفنون المصرية الأصيلة النزاعات المتطرفة والدعاوى العنصرية. تابع الكاتب: الآن نبني ونشيد ما لم تشهده مصر في تاريخها، ولكن الفن يجلس هناك بعيدا في مقاعد المتفرجين، ولا نعرف لماذا؟ وتعرض لحروب بهدف إزاحة اللمسة المصرية المسيطرة على الوجدان والمشاعر، نعم، كان المحتكرون يتعاقدون لمدة 10 أو 15 سنة مع أي مطرب أو فنان له جماهيرية بعقود احتكارية، ليس لأن يغني ويبدع، ولكن لتعطيله عن الغناء والقضاء على الأصوات المصرية الواعدة أولا بأول، وصلنا إلى “محطة الغرباء”، فصار الفنان المصري مسكينا في بلده، ويكتفي بانتظار الممول “ولي الإنتاج”، يأمر ويتحكم ويؤمم المبدعين، ففقدت الآذان متعتها لغياب الأصوات الجميلة، واستيقظت العيون في كليبات الغناء والرقص.. وعلى أي حال لا يجوز البكاء على اللحن المسكوب. السلاح الحاسم لمواجهة التطرف هو الثورة الثقافية، التي تهب نسائمها على البلاد، وتنقب عن المواهب المدفونة، فمصر فيها عشرات الآلاف مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد عبدالوهاب وطه حسين والعقاد وغيرهم. الثقافة تجري في الشرايين مجرى نهر النيل، وآن الأوان لبناء صروح تتصدى للفكر الجائر، وتعيد المصريين إلى مصر، وطن الفنون والأدب والإبداع والمبدعين. يحز في نفسي أن ينزوي فنانونا، مع أنهم الثروة الحقيقية التي تحمي البناء ومحتوى الوجدان، فالشعوب تشيد أوطانها بالثقافة وتنشد أعذب الألحان. الحل السحري هو التنقيب عن الإبداع والمبدعين في كل ربوع القطر المصري.. في القرى والنجوع والأرياف، التي أنجبت عبد الحليم وأم كلثوم.. في شارع محمد علي وعماد الدين وباب الشعرية وبولاق، والأرض الطيبة التي جاء منها الأبنودي وبليغ حمدي ومحمد عبد المطلب وطه حسين.

الله يرحمه

الأستاذ عبد القادر محمد علي الكاتب في “الأخبار” غادر الحياة فخلف أحزانا عميقة لكل من يعرفه ومن هؤلاء إبراهيم ربيع زميله في الصحيفة ذاتها: كان شخصية نادرة يصعب تكرارها على كل المستويات.. كنت أشعر بأنه شقيق أو صديق للجميع.. لا يكره أحدا ولا يحفظ في صدره ضغينة لأحد، ولا ينظر لما في أيدي الآخرين.. كان إنسانا محبا ودودا ومتصالحا مع نفسه ومع الدنيا، ومع مهنته التي برع فيها من وحي موهبته في الكتابة الساخرة الرشيقة.. كان كاتبا موهوبا ومخرجا صحافيا مبدعا وإداريا متمكنا بفضل تجرده من الشواغل السخيفة التي كانت تشغل بال الكثيرين.. كان ابنا بارا لمؤسسة أخبار اليوم، التي بادلته الحب والتقدير وقدرت مواهبه الفذة.. رحل عنا الأستاذ عبد القادر وهو صديق شخصي لي، كثير التواصل معي في أمور متعددة، سواء في الحياة أو المهنة أو الكتابة.. وكان للتواصل معه نكهة خاصة في الروح الشبابية المرحة، فلا أشعر بالملل من طول الحديث معه وتعليقاته المعبرة التي تصيب هدفها.. كان الراحل العظيم حاضر الذهن لا يعترف عقله بكبر السن، وكان سريع البديهة مما أهله ذلك للكتابة اليومية التي تستعصي على الكثيرين.. وأيضا كان متعدد الاهتمامات يتحدث في كل مجال وكأنه متخصص فيه.. كان شخصية متكاملة جمعت كل محاسن الحياة.. رحم الله الأستاذ عبد القادر وأسكنه فسيح جناته وجعل قبره روضة من رياض الجنة.. وألهم أسرته الصبر والسلوان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية