لنعترف؛ الثورة السورية، ومِن قبلها القضية الفلسطينية، ليست معياراً نهائياً للحكم على مختلف الشؤون والناس والمواقف، على الأقل ليس دائماً.
لقد كبر جيل بحاله في سوريا لا يعرف شيئاً عما حدث، أو أنه ولد في مناخ من الوحشية الفائقة، تبدأ من البراميل وثقافتها، ولا تنتهي بنشرة الأخبار المزيفة.
دعك من بعض الفنانين العلّاكين الانتهازيين الكيميائيين والمعارضين المستجدين، هناك احتجاجات حقيقية عميقة وصادقة، من بينها احتجاجات أهالي مدينة السويداء التي لا تتوقف إلا لتعود من جديد، آخرها الاحتجاجات الغاضبة وقطع الطرق بالنار بعد قرار رفع الدعم.
لقد كبر جيل بحاله في سوريا لا يعرف شيئاً عما حدث، أو أنه ولد في مناخ من الوحشية الفائقة، تبدأ من البراميل وثقافتها، ولا تنتهي بنشرة الأخبار المزيفة.
بعض الأصوات الجريئة ناصرَ النظام فعلاً طوال السنوات العشر الماضية، وقد يرى سرّ جرأته وأحقيته في القول في تلك المناصرة، لسان حالهم يقول نحن الذين صمدنا وتحمّلنا ليس من أجل هذا النصر الخلّبي، الذي يوزع تراباً على ذوي «الشهداء» كهدايا (ما من مجاز في الأمر، فقد وزع النظام سحاحير تراب على أنها مزروعة بالفجل والسبانخ والبندورة). في النهاية كل الشعارات المزيفة والأكاذيب وتلفيقات العشرية السورية ستصطدم بواقع الجوع والتعليم والمشافي، تلك الأشياء التي ليس في إمكان المرء، مهما بلغت مناصرته للنظام، تكذيبها.
بالأمس، جرى تداول فيديو للصحافي السوري كنان وقاف، يطل فيه الصحفي كمطارد، من مكان معتم، وبوجه متعب، يقول إنه يصور الفيديو من خارج بيته بعد أن عرف بأن «قوة ضخمة جاءت لاعتقالي، كأنهم جايين ياخدوا داعشي بهالدوشكات والسيارات، مو جايين ياخدوا مواطن أو صحافي! يمكن لو جايين ياخدوا داعشي ما بيعملوا هيك. أرعبوا زوجتي، أرعبوا الأطفال. ما معهم إذن من النيابة».
صحيح أن العبارة الأخيرة تثير السخرية، بل قد تثير سخرية أجهزة النظام نفسه أولاً، لكنها لا تخفف من وقع الفيديو المحزن. فالشاب يختم بالقول إنه صوّر الفيديو بعد التهديدات الكبيرة التي وردته متمنياً أن يتم الاعتناء بأطفاله: «هذا الفيديو بمثابة وصية».
كنان وقاف لم يترك لنفسه حائطاً يسند ظهره إليه، وهو فوق ذلك، خاسرٌ سلفاً لحائط المعارضة.
إذا أردت أن تتأكد من مصداقية الخطر ما عليك إلا أن تعود إلى صفحة وقاف على فيسبوك، وسترى. آخر ما كتب الشاب احتجاجه على لقاء بشار الأسد أخيراً بالممثلة سلاف فواخرجي وزوجها الممثل وائل رمضان، في وقت «احتجاج وقطع طرق في السويداء، وتكسير مركز تكامل في مصياف، طوابير أمام الهجرة والجوازات، طوابير أمام مديريات التموين، طوابير أمام السجل المدني، طوابير أمام مديريات النقل» ويختم بعبارة تجدها في آخر كل ما يكتب «حكيمة كتير .. إي والله» وهو يقصد بالطبع «القيادة الحكيمة» ويعرف جميع السوريين إلى أين يمكن للسخرية من تلك «الحكيمة» أن تودي بهم.
تصفّحْ أبعد قليلاً، ستجد موقفاً ثابتاً من الاحتلالين الروسي والإيراني (حتى لا يقول أحد إن الرجل مسنود بأحدهما) تقرأ عن رفضه لاحتلال الروس لميناء اللاذقية، والإيرانيين لأكبر مبقرة سورية، وسوى ذلك الكثير، وفي الفلك ذاته، ودائماً، وقبل كل شيء مع سخرية لاذعة من «الحكيمة». أي أن وقاف لم يترك لنفسه حائطاً يسند ظهره إليه. وهو فوق ذلك، خاسرٌ سلفاً لحائط المعارضة.
هذا الشاب في حكم القتيل، إلا إذا أجبروه غداً على قول ما لم يرد، كسائر الرهائن السوريين الذين أجبروا من قبل.
ومن باب أولى أن معيار الثورة السورية لا يصلح كذلك كي يندفع المرء (أو يحجم) للتعاطف مع طفل وقع في بئر في أقاصي الأرض أم لا! إنه منطق كوميدي حقاً، لولا أن الحكاية لا تتحمل الضحك، هو أمر مروع أن تقرأ من يقول إن المغرب لم يتضامن مع أطفال سوريا، أو لماذا يغمض العالم عينه هنا ويفتحها على وسعها هناك. حتى مناقشة الأمر على هذا النحو هي هبوط في مستوى الكلام، هل في حاجة للقول وما ذنب طفل، قد يكون هو وأهله ضحية حكومته؟ النقاش عقيم، ومؤسف. هل تستطيع أن تسأل امرأة فقدت ولدها بمرض السرطان وقررت إنشاء جمعية لمحاربة السرطان، أين أنت من أطفال سوريا أو فلسطين؟!
لم يطر عقلي بمشاهدة سماحة السيد المعمم علي الحسيني عازفاً للبيانو أو مؤلفاً للشعر في برنامج «فوق الـ 18» مع رابعة الزيات، فمن استمع للموسيقا فلنفسه، ومن لم يستمع، فعليها.
كذلك لا يجد المرء أن عليه أن يهم بالتصفيق لمعمم يقرّ بأن صوت المرأة ليس عورة، وهو في صدد الحديث عن مواطنته فيروز. خصوصاً أن موقفه من أغانيها يعكس سوء فهم لها. يقول «فليتجرأ رجل دين واحد ويقول إن واحدة من أغاني فيروز تثير الشهوة أو الريبة أو الفتنة، أو إن كانت تغني بطريقة فيها خضوع وميوعة».
ماذا لو قال لك جمهور فيروز إنهم يذهبون إليها خصوصاً من أجل الفتنة والريبة وأشياء أخرى في منتهى الحلاوة!
الشيخ إذن يحلل فيروز بشروطه هو، كما يتوهمها، كما لو أنه يرى فيها «سماحة السيدة» حسب تعبير كاتب سوري. ماذا لو قال لك جمهور فيروز إنهم يذهبون إليها خصوصاً من أجل الفتنة والريبة وأشياء أخرى في منتهى الحلاوة.
كذلك لن يدفعنا قرار «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» في لبنان التبرؤ منه إلى التضامن، بسبب ما سماه «طريقة التهتك الفاضح» و«الثقافات الهدامة» بعد ظهوره التلفزيوني في البرنامج إياه، وصولاً إلى اعتباره «منتحلاً لصفة عالم دين» فلربما يكون خبراً ساراً له أن يكون خارج مجلس لا يتحمّل معزوفة بيانو، أو قصيدة (اللهم اجعلها قصيدة أصلاً) أو نظرته النقدية التحليلية لأغاني فيروز.
٭ كاتب فلسطيني سوري