الرباط – الأناضول: تجذب المعالم الحضارية في مدينة «مولاي إدريس زرهون» المغربية (شمال) الأنظار، فهي أول عاصمة إسلامية في المغرب، لكن مجد تاريخها لم يمنع حاضرها من العزلة.
تقع زرهون على مسافة قريبة من «وليلي» (مدينة أثرية تعود إلى فترة الرومان) وتبرز فوق جبل وكأنها تتحدى المصاعب وتبدل الحال.
المدينة تحمل اسم المولى إدريس الأول (743/793م – مؤسس الدولة الإدريسية) الشخصية التي كان لها بصمة عميقة في تاريخ المغرب، وله الفضل في تأسيس هذه المدينة التي تطمح لتصنف تراثاً عالمياً، وتتحول إلى وجهة للسياحة الروحية، حسب باحث مغربي.
تاريخ تليد
وسط مدينة زرهون يوجد ضريح المولى إدريس الأول، الذي يضفي على المكان هيبة ويشي بتاريخ عامر بأحداث غيرت مسار دول وحضارات.
وقال عبد الحق البهل الباحث في التراث وتاريخ مدينة مولاي إدريس زرهون إن «الولي الصالح المولى إدريس بن عبد الله الكامل، الذي حلّ في المنطقة في القرن الثامن ميلادي وكرس حياته للدين الإسلامي هو الذي كان وراء هذه المدينة».
وأوضح أن «المولى إدريس فرّ من الشرق على إثر معركة فخ عام 169هـ (وقعت بمكان يسمى فخ قريب من مكة بين العباسيين وعدد من الثوار من العلويين) ووصل إلى هذه المنطقة الآمنة هو ومولاه راشد الأوربي».
واستقبل المولى إدريس استقبالاً حاراً من طرف زعيم أكبر قبيلة آنذاك، عبد الحميد الأوربي، وتسمى القبيلة «أوربة» وهي أمازيغية.
وحسب بعض المصادر التاريخية، فقد هاجر المولى إدريس بعد واقعة فخ، صحبة مولاه راشد الأوربي، مروراً بمصر والقيروان وتلمسان إلى أن وصلا إلى طنجة ليبدأ اتصالاته بالقبائل الأمازيغية، خصوصا قبيلة أوربة.
وأشار الباحث إلى أن «المولى إدريس تزوج ابنة زعيم قبيلة أوربة «للا كنزة» وكان الزواج كدعم معنوي للمولى إدريس، الذي عمل على توحيد الجيش، وإلغاء المعاملات التجارية التي كانت في المنطقة أي التبادل سلعة بسلعة أو ما يسمى التروك، وصك نقداً خاصاً بالمعاملات وتسمى تودغة». وتابع: «المولى إدريس كان وراء تأسيس أول دولة عربية إسلامية في المغرب بمفهوم الدولة الحديث، وترأس الجيش وكرّس كل جهوده لخدمة الدين الإسلامي بهده المنطقة».
وأوضح البهل أن ساكنة المنطقة استجابت إيجاباً لما قام به المولى إدريس، خصوصاً أن عبد الحميد الأوربي كان يعاني من ضعف بسبب تواجد قبائل متعددة تربطها خلافات كبيرة».
وحسب الباحث، فإنه «بعد صعود نجم المولى إدريس في المغرب، وذيوع صيته، جعل أعداءه بالمشرق يعرفون قيمة المجهود الذي يقوم به، فأرسلوا الشماخ (سليمان بن جرير) ليضع حداً لهذا التوسع وهذا النفوذ».
وقال الباحث البهل: «ما نريده رد الاعتبار للمدينة وأن تتحول إلى عاصمة للسياحة الروحية».
وأوضح أن «وليلي يزورها 200 ألف سائح في السنة، وهو ما يتيح لمولاي إدريس زرهون أن تتحول إلى وجهة سياحية بحكم قربها من وليلي».
وبعد تأسيس فاس من طرف المولى إدريس الثاني، انتقلت المكانة التاريخية من مدينة زرهون لفاس، وفق الباحث.
وأشار إلى أن «لكل مدينة مقوماتها وخصوصيتها، ومدينة مولى إدريس تطمح لتصبح عاصمة روحية على اعتبار أن لها مكانة خاصة».
وحسب البهل «فإن هناك تقليداً لدى الملوك العلويين، بمجرد ما يصبحون ملوكاً، تكون البيعة بالرباط، وأول خروج للملك يكون لمدينة زرهون، وتحديداً لضريح إدريس الأول».
وتابع: «الجميع يتذكر أن الملك محمد السادس وبمجرد اعتلائه عرش (الملك) وفي أول خروج له أتى للضريح».
ودعا البهل إلى اعتراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بهذه المدينة كتراث إنساني عالمي.
مدينة تعشق التاريخ
ينظر إلى زرهون أنها مدينة صغيرة بروح كبيرة، اختارت قمة الجبل لتكون بارزة، وكأنها تأبى النسيان، شوارع وأزقة توحي بجمال التاريخ وعمق التراث.
تضم المدينة ساحة كبيرة متاخمة لضريح إدريس الأول، مؤثثة بمتاجر تبيع من كل لون وفن، منتوجات تقليدية وعصرية، توابل وتمور وشموع وتين مجفف وزيتون.
وفيها مساجد قديمة تروي حكايات قديمة، وقبب تحن إلى ماضٍ مشرق، وأماكن بالمدينة تطل على أخرى وكأنها تحرصها.
وتعرف المدينة على مدار السنة 4 مواسم (قبل توقفها للحد من تفشي كورونا) الأول موسم العلميين يقام خلال شهر أغسطس/ آب كل سنة، بمناسبة ذكرى قدوم المولى إدريس الأول للمغرب.
الموسم الثاني يسمى الموسم الكبير، ويكون خلال الخميس الأول من سبتمبر/ أيلول من كل سنة، حيث تعرف المدينة توافد عدد من الطرق الصوفية.
الموسم الثالث هو موسم سوسي، خلال الخميس الثاني من سبتمبر من كل سنة، وتحج للمدينة قبائل من سوس (توجد وسط البلاد قريبة من مدينة أغادير). موسم القبائل، هو الرابع، ويكون خلال الخميس الثالث من سبتمبر من كل سنة، ويتميز بوفود قبائل أمازيغية على المدينة. وتتخلل هذه المواسم، جلسات ذكر، وألعاب فروسية، وتعرف المدينة رواجاً تجارياً مهما.