خرج مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان ليُعلن أن الاجتياح الروسي لأوكرانيا قد يحصل في أي لحظة، متوقعاً أن تكون ساعة الصفر أثناء الألعاب الأولمبية الشتوية في الصين وليس بعد انتهائها المفترض في العشرين من شباط/فبراير الجاري. كلام سوليفان مبني على معلومات استخباراتية. توقَّع بدء الغزو بهجوم جويّ يليه الاجتياح البريّ الذي قد يطال مدناً كبرى من بينها العاصمة كييف.
ارتفع منسوب القلق الغربي مع إرسال موسكو قوات روسية إلى بيلاروسيا الجارة الشمالية لأوكرانيا تحت ستار مناورات عسكرية ستستمر حتى العشرين من شباط/فبراير، وتجعلها في موقع الجهوزية لشن هجومها العسكري بعدما نشرتْ ما يزيد على مئة ألف جندي على حدودها مع أوكرانيا- هذا البلد الذي كان من أبرز مؤسسي الاتحاد السوفييتي قبل تفكّك المعسكر الشرقي وذهابه إلى إعلان استقلاله عن الاتحاد في العام 1991. وزاد طلب واشنطن ولندن وعواصم أخرى من رعاياها مغادرة أوكرانيا الفورية من ترقّب العالم للحظة بدء الغزو، وسيبقى يخطف أنفاسه ما لم يلمس انفراجاتٍ ملموسة تُوصل إلى خطوات فعلية من خفض التصعيد.
لا رهانات على حلول نهائية. ما يطلبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من ضمانات أمنية شاملة ومضمونة قانوناً مسألة لا يمكن للولايات المتحدة وحلف «الناتو» أن يقدماها لـ«القيصر». عقاربُ الساعة لا تسيرُ إلى الوراء، وفق رغبة بوتين، بعودة الحلف في أوروبا إلى مواقع عام 1997 قبل أن تلتحق به دول من أوروبا الشرقية، وآخر المنتظرين للضوء الأخضر هي أوكرانيا. يُريد بوتين وقف توسُّع «حلف شمال الأطلسي» شرقاً بعدم ضمّ أوكرانيا إلى الحلف ووقف نشر أنظمة صاروخية قرب الحدود الروسية. المأزق أن الخضوع لمطالب بوتين هو تكريس لمنطق القوّة على منطق سيادة الدول ورغبة شعوبها، وخذلان للدول والشعوب التي خرجت من كنف الاتحاد السوفييتي للالتحاق بركب العالم الغربي، فيما قلق «سيد الكرملين» مشروع وهو يبحث عن حماية أمن بلده بعدما بات «الناتو» في عقر داره.
أوحتْ محادثات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع بوتين لساعات ست في موسكو أن «اختراقاً ما» حصل في لعبة «العصا والجزرة». قال بوتين إن مقترحات ماكرون يمكن أن تُشكّل أساساً لإحراز تقدّم مشترك في حلحلة الأزمة، فيما أعلن الأخير أنه اقترح ضمانات أمنية ملموسة لكل الدول المعنية، والعودة إلى إحياء «اتفاقات مينسك» الخاصة بشرق أوكرانيا التي تشهد قتالاً بين الشرعية وانفصاليين مُوالين لموسكو، لكن اجتماع برلين الذي عُقد الخميس بين أطراف «صيغة نورماندي» التي تضم روسيا وأوكرانيا وفرنسا وألمانيا خرج خالي الوفاض.
الحديث عن حلول دبلوماسية سبقته وتلته تعزيزات عسكرية للجانبين الروسي والأوكراني المدعوم من الغرب، والذي وصلته أسلحة دفاعية متطوّرة. ودفعت دول «الناتو» بتعزيزات إلى الجوار الأوكراني رغم تأكيدها أنها لن تشترك مباشرة في المواجهة مع روسيا. وأبدت واشنطن وبرلين بعضاً من الحزم حول عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا ستشمل إيقاف خط أنبوب «نورد ستريم 2» المباشر بين روسيا وألمانيا، والذي ينتظر تصاريح التشغيل، ويُضاعف من صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا، ويلتفُّ على أوكرانيا التي يمرُّ فيها خط «نورد ستريم 1».
مسار الحلول، عبر دبلوماسية التفاوض و«الضمانات الأمنية»، في سباق مع مسار الحرب. يُعلن الغرب أن اللحظة الراهنة هي الأخطر التي تشهدها أوروبا منذ عقود. فالحرب على وشك أن تقع، لا بل يتمُّ التعامل معها على أنها في حكم الواقعة. هي ربع الساعة الأخير في اللعب على حافة الهاوية. يُدرك بوتين أن أحداً لن يخرج رابحاً. وأغلب الظن أن استخباراته تُخبره بأن اجتياحه لأوكرانيا لن يكون شبيهاً لغزوة القرم، ولا لحرب الشرق الأوكراني في منطقة «الدونباس» حين عَبَرَ الحدود لدعم الانفصالين الموالين لموسكو عام 2014. فمنذ ذلك الحين تغيّرت أمورٌ كثيرة في تلك الجمهورية التي يُريد «القيصر» أن يُنصِّب فيها على الدوام رئيساً يدور في فلكه.
الأوكرانيون اليوم يقولون، بثقة كبيرة، إن عقيدة الجيش الأوكراني وتجهيزاته العسكرية وتدريباته ومعنوياته مغايرة لما كانت عليه يوم بدأت موسكو بغزواتها على هذا البلد. وإذا كانت موسكو تحشد مئة ألف جندي، فإن الجيش الأوكراني يحشد 75 ألفاً من أبنائه الذين يُدافعون عن وطنهم في وجه الغزاة. وبالتالي، لن يكون الاجتياح عملية خاطفة، ولا نزهة قليلة الأكلاف، خصوصاً في ظل الدعم الغربي الذي تحصل عليه كييف، بل حرباً مُكلفة للروس وبؤرة استنزاف ومصيدة قد يعرف الروس كيف يدخلون فيها لكنهم لن يعرفوا كيف سيخرجون منها.
رغم كل «القرقعة»، لا يزال كثير من الأوكرانيين غير واثقين من أن موسكو ستُقدِم على هذه المغامرة المُكلفة، ويدرجونها في إطار ممارسة الضغوط القصوى. يرون أن المزاج الشعبي أولاً وأخيراً مُعادٍ للروس، ولو أن الحكمة ستقتضي – في مكان ما – من الساسة الأوكران تسويات ليست بالشكل الذي يطمحون إليه، ستُعيق أو تُؤخِّر أو تُطيح بحلم الانضمام الكليّ إلى المعسكر الغربي. إنها الجغرافيا الحاكمة التي تُصبح لعنة في حسابات الدول الكبرى ومصالحها. والأكيد أن حساب «الناتو» و«الدب الروسي» سيبقى مفتوحاً لفترة طويلة، خصوصاً إذا ما أنتجت التطورات الراهنة تراجعاً ملموساً في زمن القطب الواحد يشي بقرب انتهاء تلك الحقبة والتأسيس للعودة إلى بروز معالم القطبين من جديد. والمأمول ألاّ تكون كلفة تلك العودة أو الحلم بها باهظة ومدمرة، بما يشبه حرباً عالمية ثالثة في آثارها ونتائجها وتداعياتها.