بغداد ـ «القدس العربي»: اختتمت في العاصمة العراقية الإثنين الماضي، اجتماعات الدورة 36 لمؤتمر الأغذية العالمي لمنطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، وسط تحديات وأزمات تواجه دول المنطقة، أبرزها ندرة المياه والتغير المناخي والوضع الصحي.
وبحثت الدورة التي حضرتها أكثر من 30 دولة على مستوى وزاري ومن بينها دول عربية، تعزيز نهج نظم الأغذية الزراعية ومسارات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، في ظل تحديات انخفاض الناتج المحلي الاجمالي بنسبة تتراوح بين 6 إلى 14 في المئة بحلول العام 2050 خصوصا في البلدان الأشد تضررا من شح المياه. وتضمن جدول أعمال المؤتمر الذي عقد تحت عنوان «التعافي ومعاودة التشغيل: الابتكار من أجل نظم غذائية زراعية أفضل وأكثر اخضراراً وأكثر قدرة على الصمود لتحقيق أهداف التنمية المستدامة» فعاليات حول المياه والطاقة والغذاء في سياق مؤتمر المناخ «كوب-27» المقبل، إضافة إلى اعتماد إعلان وزاري وتقرير المؤتمر، فيما ركز المجتمعون على «تحسين التغذية، وبناء مجتمعات ريفية قادرة على الصمود، وتحسين إدارة المياه، ومعالجة آثار أزمة المناخ، وتعزيز مبادرات التعافي الأخضر، وكذلك استراتيجيات التنمية التي تراعي الفوارق بين الجنسين».
وقال المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة شو دونيو في كلمة افتتاحية تم بثها عبر الإنترنت في الاجتماع الذي استضافه العراق، إن «قطاعات الأغذية الزراعية هي من بين القطاعات التي تكافح من أجل التعافي من الصدمات التي تسببت بها جائحة كوفيد-19 خلال العامين الماضيين» مؤكداً على أهمية وجود مجتمعات مستدامة وصامدة.
وكشف دونيو «لقد كان وضع الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا حرجاً حتى قبل الجائحة، حيث تعاني المنطقة من ارتفاع معدلات الجوع وزيادة عدم المساواة التي تهدد رفاهية سكان الريف من نساء وشباب، إضافة إلى تفاقم ندرة المياه». وحدد المدير العام الأولويات الأربع للابتكار واتباع أفضل الممارسات وذلك لدعم تعافي المنطقة وهي: تقليص الفجوة الاجتماعية والاقتصادية بين المناطق الحضرية والريفية من خلال خلق فرص توظيف أفضل في المناطق الريفية، وضمان الأمن الغذائي وأنماط التغذية الصحية للجميع، واستعادة التوازنات البيئية، وبناء الصمود في وجه الصدمات المتعددة».
وفي كلمته أمام المؤتمر أشار رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، إلى أن انعقاد المؤتمر في بغداد يعزز دورها كعاصمة للسلام، واللقاء والتعاون والشراكة بين دول المنطقة والعالم.
وقال إن «هذا المؤتمر يفرض علينا تشخيص التحديات واستراتيجيّات الحلول؛ للوصول إلى نتائج مرجوة، استناداً إلى الإمكانات المتاحة، وتشخيص التحديات، والاستفادة من التجارب الإنسانية الرائدة في هذا المجال». وشدد الكاظمي على ان حكومته تسعى إلى تحقيق التكامل مع الجيران، حيث «لدينا مشاكل على مستوى المشاريع المقامة في منابع دجلة والفرات» داعيا إلى «أن نعتمد مبدأ المصالح المشتركة والحوار لحلها بشكل يضمن مصالح الجميع» منوها ان «هناك مشتركات كثيرة في منطقتنا، وعلينا أن نحسن إدارتها، حتى نكرس مفهوم التعاون والشراكة، بالعمل الحقيقي على الأرض».
ونوه الكاظمي إلى أن العالم اليوم يواجه تحديات الجفاف والتصحر والتغير المناخي، وهذا النوع من التحديات مضاعف في العراق؛ بسبب غياب التحديث في منظومات الزراعة الحديثة والري لسنوات طويلة سابقة، بسبب الحروب العبثية، وبسبب الفساد وسوء الإدارة ولكننا نعمل اليوم على تحويل هذه التحديات إلى فرص إبداع، وكذلك نعمل على وضع استراتيجيات مكافحة التصحر، وإيجاد الحلول لأزمة المياه».
وأضاف «إن المسؤوليات الملقاة على عاتق الأجيال الحالية كبيرة، فالأزمة تطال الجميع بلا استثناء، وعلينا العمل بروح جماعية، وأن نترفع عن مصالحنا الضيقة وحساباتنا الخاصة، ونتمسك بروح التعاون والشراكة والانطلاق إلى التكامل؛ لتحقيق أمن مائي وغذائي شامل، سيقود بالضرورة إلى تطوير نمط حياة مجتمعاتنا، وتحقيق الازدهار والتنمية المستدامة».
ومن جانبه أكد وزير الزراعة العراقي محمد كريم الخفاجي، أن مخرجات المؤتمر ستكون «مهمة وممتازة» حيث أن المؤتمر «يأتي كأول تظاهرة علمية يشهدها العراق بعد أكثر من 50 سنة» واصفا ذلك بـ «نصر للعراق» مشيرا إلى أن هناك حضورا فعليا لأكثر من 16 وزيرا بالإضافة إلى افتراضي «عبر النت» لـ17 وزيراً من دول أخرى، لافتاً أنه تم مناقشة الكثير من المواضيع المتعلقة بالأمن الغذائي ومشاكل التصحر والمياه وتوفير البيئة المناسبة للاستثمار.
كما أكد الوزير أن المؤتمر تشارك فيه المنظمات الإنسانية الخاصة بالقطاع الزراعي ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية ومنظمة التنمية الزراعية، إضافة إلى الوزراء المعنيين من تركيا وإيران والدول المجاورة وهذا «تعزيز للقطاع الزراعي في العراق ومخرجاته، ونتوقع أن تكون ممتازة».
وكشف الخفاجي «لدينا اجتماع مع وزير الزراعة التركي للتباحث بشأن التبادل التجاري والموضوعات الاقتصادية ومشاكل المياه من أولوياتنا، وسنستثمر فرصة حضور الوفدين الإيراني والتركي لمناقشة موضوع المياه وامتداداته، وهذه المؤتمرات تعطي ثمارها بوجود المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المهنية».
اهتمام العراق بمؤتمر الفاو
وحظي مؤتمر الفاو باهتمام كبير من حكومة بغداد، من أجل الحصول على الدعم الدولي لمواجهة أزمة نقص المياه الحادة فيه، ولتحسين القطاع الزراعي، كاشفا ان العراق طلب من منظمة فاو عقد اجتماع مشترك مع تركيا وإيران لحل الأزمات في هذا المجال.
وفي السياق، اعتبر المدير العام المساعد لمنظمة الأغذية والزراعة «الفاو» عبد الحكيم الواعر، انعقاد مؤتمر المنظمة للشرق الأدنى وشمال أفريقيا في بغداد «فرصة» لتحشيد الدعم للعراق.
وقال الواعر للوكالة الرسمية إن عقد الدورة 36 لمؤتمر «الفاو» يأتي في وقت صعب جداً ومليء بالتحديات، ومنها ندرة المياه والمناخ وجائحة كورونا، إضافة إلى الظروف المناخية غير الطبيعية التي يمر بها العراق، مضيفاً أنه «فرصة لجلب أنظار العالم والمنطقة ودول الجوار إلى أهمية العراق وضرورة التضامن معه وتحشيد الدعم لإتاحة الفرص للتعاون معه في التنمية الزراعية وتحقيق الأمن الغذائي».
فيما ذكر وكيل وزير الزراعة العراقية مهدي القيسي إن»المرتكزات الأساسية في المؤتمر وأهميته ستنصب على 4 نقاط تتضمن تبادل الخبرات وبحث ملف التغيرات المناخية، وأزمة المياه مع دول الجوار، وانحباس الأمطار، إضافة إلى تصورات مستقبلية عن كيفية معالجة ملف الأمن الغذائي ووفرته وديمومته» لافتاً، إلى أن «الخبرات المشتركة ستتضافر لغرض الارتقاء بالقطاع الزراعي في العراق والدول الإقليمية بصورة عامة».
اما الأمين العام لمجلس الوزراء العراقي حميد الغزي، فقد أشار إلى أن «احتضان العراق لمثل هكذا مؤتمرات دولية، يعكس هوية العراق واستعادة مكانته الدولية، لاسيما وأن هناك توجها حكومياً للنهوض بالواقع الزراعي في ظل التوجه الدولي فيما يتعلق بالمتغيرات المناخية».
وأضاف أن «انعقاد المؤتمر في بغداد مهم وإيجابي لتسليط الضوء على أزمة المياه، إلى جانب الاستفادة منه في تطبيق الاتفاقيات الدولية للبلدان المتشاطئة مع العراق والتأكيد على هذه الاتفاقيات فيما يخص حصة العراق المائية». وعلى هامش انعقاد مؤتمر الفاو، بحث وزير الزراعة محمد الخفاجي، مع نظيره التركي، بكر باكديميرلي، معالجة شح المياه من دول المنبع، وذلك خلال زيارته العاصمة بغداد للمشاركة في المؤتمر الإقليمي للفاو. كما بحث الخفاجي، مع وزراء زراعة سوريا ولبنان والأردن، تفاهمات تفضي إلى توقيع مذكرة تفاهم زراعية شاملة بين الدول الأربع في المجالات الزراعية وبشقيها النباتي والحيواني».
وفي نموذج لآثار الأزمة المائية على الزراعة في العراق فإن محافظة نينوى التي تعرف بسلة خبز العراق، هجرها ما يقارب 60 في المئة من مزارعيها بسبب مشكلات الزراعة. وفقدت ريادتها في زراعة الحنطة من 927 ألف طن عام 2020 إلى 89 ألف طن عام 2021.
ويواجه العراق أخطارا جدية على أمنه الغذائي بعد ان وصلت مستويات الإنتاج إلى مراحل متدنية جدا لا تغطي سوى جزء بسيط من حاجة الطلب المحلي، بسبب العوامل المناخية وضعف الدعم الحكومي مع صعوبة منافسة المحاصيل المستوردة منخفضة الأسعار. كما ان تخلف أساليب الزراعة يسهم في تراجع جودة التربة فيه، إضافة إلى تراجع الدعم الحكومي السنوي لوزارة الزراعة من 426 مليون دولار عام 2015 إلى 142 مليون دولار عام 2019 فيما شهد العام الماضي تدنيا أكبر على صعيد الخطط الزراعية. ويذكر أن العراق وبسبب شح المياه نتيجة قلة الأمطار وانخفاض إيرادات المياه في نهري دجلة والفرات، قلص الخطة الزراعية للموسم الحالي إلى 50 في المئة عما كانت عليه خلال الموسم الماضي.
وعموما أولت الحكومة العراقية اهتماما كبيرا لانعقاد مؤتمر الفاو في بغداد، من أجل الحصول على الدعم الدولي بما يخدم مواجهتها لأزمة نقص تدفق المياه من دول الجوار، وما يترتب عليها من نتائج كارثية على الاقتصاد العراقي. فيما تتهم جهات سياسية واقتصادية وشعبية، حكومة بغداد بإساءة إدارة الملف الزراعي والصناعي في العراق بعد 2003 من أجل استمرار استيراد المواد الزراعية والسلع والبضائع من الخارج، لمصلحة بعض دول الجوار، إضافة إلى تقاعس الحكومة عن الضغط على إيران لتقاسم المياه أسوة بتركيا، وعدم مطالبتها بإعادة بعض الأنهار التي قطعتها عن العراق، لتخفيف الأضرار الفادحة على الاقتصاد العراقي.