أوبزيرفر: بريطانيا جونسون تلعب دور المخرّب لمحاولات خفض التوتر في أوكرانيا

إبراهيم درويش
حجم الخط
2

لندن- “القدس العربي”: قال المعلق في صحيفة “أوبزيرفر” سايمون تيسدال، إن الحرب ليست حتمية في أوكرانيا، وهي بعيدة عن ذلك،  فالأساليب العسكرية لفلاديمير بوتين نجحت، وأجبر الغرب للاستماع إلى مظالمه. ويمكن أن يبدأ القتال إلا أن المعلومات العسكرية الاستخباراتية الأمريكية ليست دقيقة وموسكو ذكية في عملية نشر المعلومات المضللة والخوف. وقد تستمر المواجهة لعدة أشهر، وهذا لا يعني نهاية المسار الدبلوماسي.

ويرى الكاتب أن الأمل الوحيد للسلام هو ما قدمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال محادثاته مع بوتين في موسكو. ولكن حكومة بوريسون جونسون لم تعبر عن دعم واضح وتصرفت بشكل مخجل.

 فالسياسة البريطانية المنفصلة عن أوروبا بسبب البريكست وباتت مستعبدة للسياسة الأمريكية، وتعمل على تقويض الجهود الدبلوماسية الأوروبية لنزع فتيل الأزمة. وقال تيسدال إن بريطانيا كانت تلعب دور الجسر والمحاور بين جانبي الأطلسي. ولكنها الآن أصبحت العائق ولا أهمية لها. وأشار إلى العرض المسرحي الذي قدمه رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزيرة الخارجية في أوروبا حيث قدموا التهديدات الشرسة وأحرجوا هذا البلد الذي كان في يوم محترما ومؤثرا.

وفي موسكو سخر وزير الخارجية الروسي من “الشعارات” التي أطلقتها ليز تراس، نظيرته البريطانية. وفي بروكسل، حمل جونسون معه الشؤم وبدا كأنه لا يعرف ما يعمل. ويعتقد الكاتب أن اختيار جونسون للرحلات الخارجية أمر مفيد، فقد قدم لحم الديك الرومي للقوات البريطانية في العاصمة الاستونية تالين، والتقط صورة في كييف وزار بولندا، التي تكره الاتحاد الأوروبي. ولم تكن في النهاية دبلوماسية بناءة، فتراس المعروفة بزلاتها ووريثة غلادستون وبلفور وبيفن، لم تكن قادرة على قيادة دبابة مارغريت تاتشر أو الظهور كالمرأة الحديدية عندما زارت الكرملين.

ويعلق تيسدال أن السياسة البريطانية من أوكرانيا تتسم بالفوضى وتركز على “الردع” لا الحلول. وهو ما يعني الصراخ على بوتين والطلب منه كي يتراجع عن سياساته. ولن تحدث القوات البريطانية التي تعاني من قلة التمويل وفقر التسليح أي فرق أمام القوات الروسية. ويظل السلاح الأقوى في يد بريطانيا هو اتخاذ إجراءات فعالة للحد من غسيل الأموال الروسية المسروقة، مع أن الحكومة لم تشهر هذا السلاح بعد، ولعل هذا نابع من حب حزب المحافظين للذهب الأحمر. فعندما تتحدث هذه الحكومة عن الردع، فهي تعتمد بالضرورة على الآخرين وبخاصة الولايات المتحدة لكي تقوم بما لا تستطيع أو لا يمكنها عمله لوحدها. وبكل ما تقوم به الحكومة البريطانية من التهديد والمواقف المتشددة فهي ليست مركزا للدبلوماسية، وقلة من الدول غير الدول الصغيرة في البلطيق التي تحتاج إلى المساعدة وتأخذها من أي مصدر، مستعدة للإستماع إلى نصيحة لندن. كل هذا “حول جونسون وشلته إلى مجرد مجموعة تتصيد الفرص من الهامش، في وقت تركتهم الدبلوماسية الفرنسية يتعثرون وراءها في الثلج”.

وحقق ماكرون، بعبع جونسون وعدوه في البريكست، تقدما مهما في الأسبوع الماضي في لقائه المباشر مع بوتين، وقدم ملامحا للحل. وبناء على رد مقر 10 داونينغ ستريت يفضل جونسون نجاح الحرب على ماكرون. وقامت مصادر مجهولة من الحكومة، باتهام ماكرون بخيانة الناتو، وأنه يقوم بمكافأة المعتدي ويريد النجاح في الانتخابات ورفع راية الاستسلام لبوتين. وقام  معلقون فرانكفونيون بالحديث عن “لحظة ماكرون في ميونيخ” التي تشير لتوقيع رئيس وزراء بريطانيا نيفيل تشامبرلين وفرنسا مع هتلر.

وعندما تصل الأمور إلى لعبة لوم دنيئة وقصور بسبب البريكست، إلى جانب الأحقاد الشخصية وعزلة بريطانيا المزمنة وافتقادها إلى الأفكار والنفوذ والقيادة المسؤولة، فإن هذا يعني البحث عن المخاطر حتى درجة متطرفة. والهجمات البريطانية ليست موجهة على فرنسا فقط، بل وعلى المستشار الألماني أولاف شولتز الذي يمقت خسارة خط الغاز من روسيا، لكنه انتقد كما الاتحاد الأوروبي. ولو وضعنا “حموضة القلب” جانبا فإن معظم الهجمات محسوبة وتهدف لإرضاء امريكا. فمن خلال الخلط بين الحقد والتفكير المستقل، فإن هذه المياه العكرة تظهر على ما يبدو الرئيس الأمريكي جو بايدن بالفزع، وأن بريطانيا ستظل الصديق المخلص لواشنطن مهما قرر هؤلاء الحلفاء الأوروبيون الجبناء، وحتى في وقت تغرق فيه واشنطن في طبول الحرب التي أطلقتها.

كل هذا هو نتاج سياسة “أرض البريكست” التي صنعها جونسون وتقوم على معانقة أمريكا وركل أوروبا. وهذه عودة مقيتة لتراث أنكلو- سكسوني عفا عليه الزمن. وهو أمر يثير السخرية والشفقة ومضر بالنفس وانقسامي وخطير جدا وهي هدية لبوتين، فماكرون ليس من يهدد الوحدة الأوروبية ولكنه جونسون.

ويتساءل الكاتب : “ما هو الشيء الذي يجعل الحياد من أوكرانيا أمرا فظيعا؟” ومن الواضح أنه ورغم الخطاب حول الأبواب المفتوحة وحق السيادة، فالولايات المتحدة والناتو لا يريدون انضمام أوكرانيا إلى النادي، لنقل هذا بصراحة. صحيح ان اتفاق وقف إطلاق النار في مينسك الموقع عام 2014 بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم، الذي يدعو إليه هو حيلة تعني أمورا مختلفة، لكنه نتاج مهم لخطة السلام الوحيدة المتوفرة. ولهذا اقبل الحيلة واشتر الوقت واعمل على تخفيض التوتر. فهل خرق الناتو تعهده بالابتعاد عن الدول التي كانت ضمن فلك التأثير السوفييتي؟ نعم، حسب ماكرون الذي خطا نحو مطلب بوتين “أمن غير قابل للتجزئة” وهذا يعني أن أمن دولة يجب ألا يضعف أمن دولة أخرى. وهناك إمكانية للتسوية هنا، خاصة عندما يفي بوتين بوعده ويوقف عملية الحشد العسكري ويسحب قواته من بيلاروسيا.

والمشكلة هي أن الولايات المتحدة التي يدعمها جونسون في محاكاته لتشرتشل لا تريد اي تغيير في “المعمار الأمني” لأوروبا. وتدعم تفسير كييف أن اتفاق مينسك يعني ما يحدث في منطقة دونباس. ورغم استعداد واشنطن للحد من نشر الأسلحة المحملة برؤوس نووية وصواريخ قصيرة وطويلة الأمد، إلا أنها تصر على تنازل بوتين أولا، وهو أمر غير واقعي. وبالمحصلة فقد قام بوتين المنبوذ دوليا باستفزاز أزمة أوكرانيا ويقوم باستغلالها. ويحاول ماكرون الذي يمثل فرنسا والاتحاد الأوروبي حلها، لكن الموقف المتشدد من بريطانيا والولايات المتحدة ربما قاد إلى فشله. فهل هذه هي مصلحة أوروبا التي تريدها واشنطن ولندن؟ لا، المشكلة هي أن الولايات المتحدة تحاول تقديم مصالح الأمن الأمريكي عبر الناتو ولأن 10 دوانينغ ستريت الضعيف الكذاب وكيس الهواء لا يتحمل رؤية أوروبا قوية ومستقلة استراتيجيا وقادرة للدفاع عن أمنها. “هذه إنكلترا، وهذا هو بريكسيت وهذا محزن”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية