«أنا الضحية والجلاد أنا»… حيث يُعاش الندم لكن لا يُصرّح به!

حجم الخط
1

بين الكتب التي عُرضت في صالة الهنغار في ذكرى انقضاء العام الأوّل على مقتل لقمان سليم، أوقفني كتاب جوزيف سعادة «أنا الضحية والجلاد أنا». كانت قد سبقت صدور الكتاب حكايتُه، أي مجزرته التي عمّ هولها لبنان، والتي لحدوثها في بداية الحرب عام 1975، آذنت بما سيكون عليه الرعب الذي استمر سنوات عديدة من بعدها. كانت لتلك المجزرة مستلحقاتها الخاصة مع ذلك، فإضافة إلى جنون الانتقام الذي أودى بالكثيرين ممن كانوا احتجزوا في مستودع بعد اختطافهم، رميا برصاص المسدسات والرشاسات، استكمل الانتقام دورته منتقلا إلى منطقة الكرنتينا مستكملا مقتلات النهار، الذي اشتهر بين اللبنانيين باسم «السبت الأسود».
جوزيف سعادة، في كتابه الحامل لاعترافاته، أو لسيرته، يقول إنّ ذاك اليوم هو من صنعه. ليس من تخطيطه، بل من تنفيذه طالما أن لا مسافة تفصل بين الأمرين في مسائل مثل هذه، أي أنه كان على القاتل المنتقم أن يبقي نار غضبه متأجّجة، إن خبَت قليلا يتوقّف القتل.
كان ولدا جوزيف سعادة، إيلي ورولان، قد قتلا واحدا بعد الآخر بفاصل ثلاثة أشهر بين أولهما، إيلي الأصغر، وأخيه. وكان قتلهما وحشيا، حيث حملت جثتاهما طعنات قاصمة بالفؤوس. أما انتقام الوالد، الذي هو الانتقام الأقصى بين كل ما جرى على أيدي المنتقمين من بعده، وكان فوريا كما ذكر أعلاه، فلم يشفِ كامل الغليل. دائما كان «عمّو جوزيف» حسب ما يدعوه رفاقه والمقرّبون إليه، معتدّا وهو يروي ما يرويه في الكتاب. كأن حصيلة ما فعلته يداه هو انتصار تحقّق وليس جريمة مروّعة. كما كان في ما تلا من يومه ذاك، أو من أيامه، راثيا ولديه ومحتفلا بنفسه، نفوذا وشهرة، في وقت معا. ولم ينكسر أحد من الشعورين أمام الآخر.
ولم تكن تلك المجزرة آخر مطاف عمو جوزيف (وألقابه العديدة الأخرى) كما كان ينبغي لها ربما. فقد تنقّل من بعدها في أعمال حربية عدّة، في مراكز قيادية غالبا، وهذا ما أتاح له أن يواكب مراحل حرب لبنان كلها، حاضرا وفاعلا في إحدى جبهتيها، ومشاركا بما كان يجري في بؤرتها أيضا، في حرب الفنادق الضروس حيث كان كل من الطرفين يسعى إلى توسيع رقعة جبهته، بضم ذاك الموقع الغني والمهم إليه. رواية جوزيف سعادة، المرتكزة على مأساته وإجرامه معا، لم تَسْهُ عن ذكر الوقائع متسلسلة كما جرت، كأنه أوكل لنفسه تسطير مراحل الحرب، واقعة بعد واقعة، وهذا عادة ما يقوم به مؤرّخون حياديون يقفون على مسافة محايدة عما كان يجري. ربما يرجع ذلك إلى كون جوزيف، القاتل والمحارب، كان في الأصل إعلاميا مشرفا على التنفيذ اليومي لصحيفة فرنسية، وكاتبا في أبوابها. هذا أيضا ما يعقّد فهم تلك الشخصية المتباعدة أطرافها.
أي أنه كان يدعونا، في سياق روايته لمجزرته، أن نستذكر مراحل الحرب، متتابعة، دون خلط في تتابع أحداثها الزمني. وكان ذاك ليبدو عملا محمودا طالما أن مَن عاشوا سنوات الحرب تلك تداخلت وقائعها وأسماؤها في أذهانهم، ولم يحرصوا على أن يربطوا، في ما خصّ المراحل، الأسباب بالمسببات، وما كان من قبل وما حدث من بعد. ذاك أن كل ما بقي في ذهن من عاش تلك المعارك، عن بُعد، هو صخب الإذاعات اليومي واحتدام الشارع وتعداد القتلى، واستعادة المخاوف التي كان يجنّ فيها القصف العشوائي، وتفجير السيارات المفخخة، إلخ، وهذا يُستعاد مقطّعا في مشاهد ترتفع إلى قمة الرأس ثم لا تلبث أن تغور. ذلك الحرص على التعقيب، أو التأريخ، لما جرى في سنوات الحرب كان أحرى أن يقوم به شخص آخر، لا بمعنى الحرص على الانحياز، بل بمعنى الحرص على ذكر الأمور بتتابعها، وهذا ما لا ينبغي لعقل يأكله الانتقام أن يتولاه. لكن هذا الجانب من الكتاب هو الذي أوكل إليه تقديم الاعتذار عن ارتكاب المقتلة. إذ غالبا ما يأخذ الكتاب قارئه إلى حيادية ما لدى كاتبه، رغم مشاركته في المعارك الكبرى التي منها معركة الفنادق ومعارك المخيمات في تل الزعتر وجسر الباشا. جوزيف سعادة لم يوصل لمن سيقرأون اعترافه نيته بالإعلان عن ندمه. ربما قال إن نارا ما زالت تشتعل في داخله، وإن كل ذلك القتل لم يطفئها.
مدوّنا الكتاب، فريدريك برونكيل وفريديريك كوديرك، اللذان جالسا جوزيف سعادة كاتبين ما يقوله، تولّيا، في صفحات الختام الأخيرة، التعبير عن الندم والأسف اللذين كان قارئو الكتاب ينتظرونه من أن يصل جوزيف سعادة نفسه. هما كتبا، في تقديمهما، المتوجّهين فيه بالشعور بالأسى إلى لورا زوجة جوزيف، ثم إلى «المكلومين والمكلومات الذين أوتوا من البأس أن عفّوا عن الثأر والانتقام». لم يستطع الرجلان إذن، على مدار الصفحات الثلاثمئة التي سجّلاها أن ينتزعا منه شيئا من قبيل ذلك.
كانت دار الجديد قد أصدرت الطبعة الأولى من الترجمة العربية للكتاب في 2005، من ضمن عملها الضخم والمهم، باهتمام ورعاية لقمان سليم، في أرشفة الحرب اللبنانية.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية