المسافة الظاهرة بين مفردات لُكَعٍ وكَلْعٍ وكليع وكَعٍّ وغيرها تبدو متقاربة وتبدو متباعدة، فتبادل الحروف يغلب عليه عادة التباعد في المعاني، غير أن المسافة المضمرة تستطيع أن تظهر التقارب حروفيا ومعنويا.
انكشف ذلك عندما غضب حين ناداه يا لُكَعُ، فقال له لا تغضب، فأنت لكع وأنا مثلك وهم مثلنا، والصفة السيئة حين تعم لا تجعلك تمعن في الغضب، بل من الأولى أن تنتبه إلى واقع نحن نعيشه جميعا.
فرد عليه وقد اشتد غضبه: اللكع هو الصغير معرفة والزائد جهلا؛ قال هذا وهو في غاية الغضب، ولكنه لم يتوقع إمعانا في التقريع حين زاده كلاما في معنى اللكع. اللكع كما يقول أصحاب المعاجم هو الجحش، واللكع هو الصبي الصغير، ويوصف بها الرجلُ الصغيرُ العلمِ الكبيرُ الجهل، واللكع هو الرجل الأحمق واللئيم.
لا أحد يرضى لنفسه هذه الأوصاف المجتمعة في اللكع حتى ولو كان لغرض التعميم، وهناك الألكع واللكيع واللكاع والملكعان، وأنت لكع وهي لَكَاع.
فجأة يحدث التبادلُ المخيفُ المؤلمُ بين أحرف الكلمة لتظهرَ على السطحِ مفردةُ الكَلْع الذي هو الشقاق والوسخ في القدمين.
وكَلَع فيه الوسخُ كلَعا إذا يبس، فكيف يكون الحال مع اللكع الذي يبس عليه الكلع؟
حين يقود القومَ في ليبيا رجل لكع به كلع ويكلع فيه الوسخ حد التيبس، حينها يكون التكلع. ماذا؟ التكلع؟ أوليس التكلع هو التحالف والتجمع حين تجتمع القبائل لتتناصر؟
ياله من مشهد كليع يجعل المنظر أسود في حال الوسخ المهيمن على الحال، ليس هذا فحسب، فقد تصادم اللكع والكلع بين رجل لكع وامرأة لكاع فأنتج الصدامُ انقلابا ولّد مفردة التَّكَعُّل.
ويقول أصحاب المعاجم هنا إن الكعل من الرجال هو الأسود القصير، وليس السواد عندي سواد الخلْق بل هو سواد الخُلُق والقلب.
لُكَعٌ أكْلَعُ مُتَكَعِّلٌ أعلّك حين أصابك بالعِلل، فيا قوم هذا العالك أعلكم بالعلل فصرتم معلولين علنا.
وقد حدث هذا في ليبيا حين قام لُكَعٌ معه لكع ولكع آخر وآخر ولَكَاع ولكاع أخرى وأخرى أصابهم جميعا التكلع من شدة الجرَب، وقام على أساسها التكلع الذي جمع التحالفات والتجمعات القبلية لتتناصر متكعلة فتحرق كل شيء، وقد انهمرت العلل التي أعلتنا وأعلتكم وأعلت البلاد.
هذا كله جعل القوم يعكلون أشياءهم حين جمعوها، تماما كما قام سائق الإبل يعلكها هي والخيل، فانحازت القبائل ضد القبائل مستجيبة لرغبة العالك.
وتنافس القوم فكان كل واحد منهم عاكلا ومعكلا لأنه ظن نفسه مصيبا في رأيه دون غيره وهو في الحقيقة لم يكن مصيبا، بل كان مصيبة طمت فعمت وأهلكت الحرث والنسل والبناء.
غير أن الأمر يحتاج إلى من يعكل الأمر بمعنى أن يجدّ فيه ويجتهد حتى يصلح الحال ولينقذ قومه ونفسه من الجهل ولكي يتحول بالتالي الحال من العَكْل الذي يجعل الانسان يصرع من يقابله إلى العكل الذي يعني الاجتهاد من أجل الإصلاح، وذلك خوفا وحذرا من أن يقال عَكَلَ فلانٌ أي مات، وكذلك خوفا وحرصا من أن يكون العكل كتعاكُلِ الثيرانِ حين تنتطح فيصيبُ بعضُها بعضا.
وربما يكون الاجتهاد والعكل مخرجا من العُكَّةِ والعَكَكِ والعكيكِ الذي يعني شدة الحر، وربما ينقذ هذا الأمرُ البلادَ من العُكَّةِ التي هي الرمال الساحنة الحارة. أولسنا نعيش في زمن كل يوم منه هو يوم عَكٌّ؟
الوضع يبحث عن من يَعُكُّ المشكلة، أي يفسرها، فنحن وقومنا نعيش بؤسا كبؤس الإبل المعكوكة أي المحبوسة.
لكنَّ عَكَّ التفسيرِ والشرحِ يصيب واحدَنا بحالٍ من الغضبِ القاتل، لاسيما إذا قال أحدُنا لبعضِ بني قومه: مالي أعكك فتغضب من عكي؟
وتتداخل أحرف الكلام فتظهر للعيان مفردة الكَعِّ والكاعِّ، وهو الرجل الذي لا يمضي في عزم ولا حزم، بل ينكص على عقبيه، حتى إذا سُئل عن سبب كَعِّهِ كّعْكَعَ في كلامه كَعْكَعَةَ من احتبس فلم يجد لنفسه إجابة يدافع بها عن نفسه فيهرب.
تضارُبُ اللكعِ واللكاعِ والكلعِ والكعِّ والعَكَوَّكِ ينشر كعوع الجبن والخوف عند الناس فيعم الخوف ليصيبَ الأقوى والأضعف، وصار بذلك معظمنا كعّ وكاعّ.
ها نحن نرى الناس يعودون إلى الحديث الخفي ابتعادا عن مصيبة الوقوع في يد البلاء المخيف، فهل سنجد أنفسنا بعد حين من الدهر القريب كما يقول المثل الليبي (نعرف كوعنا من بوعنا)؟ أم سنظل في ضلال العك الأبدي نعلك الكلام علكا بلا طائل حتى يحكمنا من يستعبدنا؟ الأمل كبير والخير كثير، غير أن الأمر يحتاج منا بحثا وصبرا وعملا.
أحمد الرحال