الاستبداد والصهيونية… ونرجسية الفلسطيني

حجم الخط
3

لم يخطر بذهني في اللحظات التي سمعت فيها المتحدث باسم كتائب القسام، يقوم بشكر إيران على ما قدمت للمقاومة الفلسطينية، في مهرجان حاشد لحماس في ذكرى انطلاقتها قبل أيام، سوى بعض الكلمات المقتضبة لمحمود درويش، من قصيدته الطويلة، وهي الكلمات التي تقول: «واسحب ظلالك من بلاط الحاكم العربي.. حتى لا يعلقها وساما».
ولكن، وبصورةٍ ما، انتقلنا ـ نحنُ الفلسطينيين ـ من الحاكم العربي العراقي، والسوري والمصري واللبناني، إلى الحاكم الإيراني والروسي والفنزويلي. ولم يكن انتقالنا، انتقال الطير من وادٍ إلى واد، ولا انتقال السياسي من براغماتيةٍ تتعلق بالتحالفات المصلحية، ولا بتشعب وتعدد العلاقات، بل هُو ارتباطٌ عضوي بالأنظمة، كلفنا كثيراً، وأكثر ما كلفنا، حق الشُعوب المجاورة في الحرية، فرقصنا كثيراً على الدم الكُردي من قبل، ورقصنا كثيراً على الدم الكويتي من قبل، ولم نكف حتى الآن، عن الرقص على الدم السوري والفلسطيني معا، معلنين خضوعنا لسيف الدعم العسكري والمالي.
والبداية كانت منذُ النشأة، فقد أنشئت منظمة التحرير الفلسطينية، بقرارٍ من مجلس الجامعة العربية، ولم يكن هذا الأمر فقط، بل قام المجلس ذاته بتعيين رئيس المنظمة وتكليفه بتشكل هذا الجسم، ومن هنا بدأت الوصاية، فقد كانت الولادة مرتبطة بالنظام الإقليمي العربي، وبطبيعة الحال، فقد ارتبطت دائماً وأبداً بالفاعل الأقوى في هذا النظام. وفي بداية عهد الجامعة العربية، لم يكن من الممكن رؤية الطرف الأقوى، حيثُ كانت القوة ترجح في ميزان الدولة المُستعمرة الأقوى، لا الدولة العربية الأقوى، فمعظم البلدان العربية كانت ما زالت واقعة تحت الاستعمار، ولم تنل استقلالها بعد، ومن نال الاستقلال كان ما زال يخضع للهيمنة المُطلقة الاستعمارية. لذا، فقد كان منطقياً، أن نرى المؤتمرات التي تذهب باتجاه لندن، أو المناشدات التي تذهب باتجاه باريس، أو التي تذهب باتجاه القاهرة أو الرياض، والقليل إلى بغداد ودمشق. ولاحقاً، ومع بروز القومية العربية مع بلوغ الناصرية أوجها في القاهرة، والبعثُ في كل من سوريا والعراق، وأيضاً انطلاق حركة فتح عام 1965 وانطلاق المقاومة الفلسطينية المسلحة عموماً آنذاك، بدأت حركة المُقاومة الفلسطينية الوطنية تتجه باتجاه الأنظمة، أو بصيغةٍ أخرى، تسير في ممر التيار ووفق رغباته ومصالحه، لا العكس. وهذا لم يكن الأمر كله، فقد تطورت حركة المقاومة الفلسطينية، إلى عددٍ من التيارات التي عكست حركة الفكر والمصالح في العالم داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، فبرزت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، انعكاساً للفكر اليساري وقواه في العالم، التي مثلها الاتحاد السوفييتي ومنظومة الدول الاشتراكية، وأخذت فتح موقعها البراغماتي داخل منظومة إقليمية عربية وثورية عالمية، تتنقل ما بين القاهرة مرةً وبغداد مرةً أخرى، وبعضُ الأحيان عمان.
وكما كل ارتباط له واجباته وشروطه، فارتباط حركة المقاومة الفلسطينية كانت له أيضاً واجباته وشروطه، وقد بدأت هذه الشُروط الخاصة بمصالح الدُول التي لا تعرف النزعة الأخلاقية تلك الواجب توافرها في أي حركة مقاومة، و– حركة المقاومة – في وجودها إنما تمثل هذه النزعة الأخلاقية، بدأت هذه الشروط، بسحب النزعة الأخلاقية وامتصاصها تدريجياً، فكان أولاً التغاضي عن جرائم صدام حسين ضد الأكراد في العراق، لأن صدام حسين، يرى في نفسه، ويرى فيه بعضُ الفلسطينيين وحركات المقاومة الفلسطينية، عدواً لدوداً لإسرائيل، ولن يروق لهذه الحركات ولا لبعض الفلسطينيين أن يروا شيئاً من جرائم صدام حسين ضد الأكراد، ومن ثم احتلال الكُويت والجرائم التي ارتكبت بحق الكويتيين، ومن قبل الحرب التي خيضت ثماني سنوات، واستنزفت من الأموال العربية ما استنزفت، وكرست نزعةً طائفيةً بغيضة، وأراقت من الدماء ما أراقت، مع إيران. كل هذه الجرائم، لم تكن جرائم، بل بُطولات للعدو اللدود لإسرائيل.
والترجمة السياسية التي كانت رائجة، وهي ذاتها الرائجة فيما يخص القضية السورية اليوم، هي الدعم العراقي للمقاومة الفلسطينية، والعداوة القائمة بين العراق وسوريا، ولكأن الفلسطينيين عموماً المؤيدين لصدام حسين وما زالوا حتى اليوم، كان في ظنهم أنه ليس من الطبيعي أن يكون هناك صراع بين كيان صهيوني معاد للإنسانية وللعرب خصوصاً، وبين أي دولة عراقية، وبذلك، فغير الطبيعي كان أن يكون هناك صدام حسين ونظامه المُعادي لإسرائيل، والأهم من كل ذلك السؤال الأهم: « ماذا لو ذهب صدام حسين، من سيدعمنا؟ «، وهُو السؤال المطروح اليوم فيما يخص القضية السورية: «ماذا لو سقط الأسد، من سيدعم المقاومة؟». وفي إجابة هذا السؤال، يُسأل سُؤال آخر، وهو: « أليس هناك مواطن شريف في دولة تعدادها الملايين، غير الأسد وصدام؟ «. وهل السؤالان يحملان من المعنى قيمة ما؟
الحديث عن أن سوريا الآن، ليس فيها مواطن أو نظام شريف غير الأسد ونظامه، والحديث عن أن إيران هي الداعم الأول والأساسي للمقاومة الفلسطينية، يُحيلنا إلى عدد من النقاط. أولاً، وبالسياق التاريخي الخاص بالقضية الفلسطينية منذ عشرين عاماً وحتى اللحظة، فالمسؤول الأول عن هذا الإرتباط المجحف بإيران وبسوريا وبحزب الله، إنما هي حركة المقاومة الفلسطينية، وأقصد هنا حماس، والجهاد الإسلامي، فالحاصل، أن هاتين الحركتين، لم تعتمدا على المقاومة الشعبية المسلحة بقدر ما اعتمدتا على المقاومة النوعية المُسلحة، حتى صارت أسلحة المقاومة تُساوي آلاف الآلاف من الدولارات، وكأن هذه الدولارات لن يكون لها ثمن، ولن يكون لها شروط مسبقة للحصول عليها، وفي المقابل، فقد تم إبقاء الشعب الفلسطيني خارج لعبة هذه المصالح والتوازنات الإقليمية، ودونما أي اعتبار لا من المقاومة ولا من القيادة الفلسطينية التي تهرول نحول المفاوضات، يبقى الشعب الفلسطيني، هو المتفرج، والداعم. ولذا، فإن الحديث عن ارتباط حتمي، أو إجباري، هو حديث يهرب إلى الأمام، ولا يواجه الحقائق الموجودة. وأهم حقيقة على الإطلاق، هي كيف وصلنا إلى مقاومة تُساوي أسلحتها آلاف الدولارات، ولا يُمكن أن تستمر بهذا المستوى من المقاومة، دونما فك الارتباط بنظام، هو أقرب للفاشية منه إلى العروبة في ارتكابه المجازر منذ ثلاث سنوات؟ وكيف نستطيع، نحنُ الفلسطينيين، أن نضع المعادلة التي تقول، إنه ما دام النظام يدعم المقاومة، فهو يجب أن يبقى تحت أي شكل من الأشكال. وهل يُمكن لشعب يعيش تحت الاستعمار، ألا يُبالي بمعاناة شعب يعيش تحت الاستبداد والبراميل المتفجرة، ويرى من حقه – أي الشعب المستعمر، الفلسطيني – أن يحتفظ بهذا النظام المستبد العربي؟
وهنا حديث آخر، عن الحرية وعن المقاومة، إذ لا يُمكن الحديث عن واجب الشعب الفلسطيني في مقاومة الاستعمار الصهيوني وحق هذا الشعب بالحرية، دونما اقتران هذا النضال، بالنضال ضد الاستبداد في كل أشكاله وأوقاته. وليس هنالك ما يسمى ضرورة الحاضر في مواجهة الحق النظري، فليس هنالك حق نظري في ما يخص حرية الشعوب بقدر ما هنالك، استحقاق تاريخي للشعوب العربية بالعيش بحرية والتخلص من مستبدها. وضرورة الحاضر القائلة بوجوب الاحتفاظ بالأنظمة «الممانعة «، في هذه المرحلة من الصراع العربي الصهيوني، هو حديث إنما يقوم على ركائز تفتقد إلى المعنى الحقيقي. فالصراع ضد الصهيونية التي تمثل الفاشية الجديدة والعنصرية الكريهة، هو صراع من أجل الحرية والعدالة، وصراع كهذا لا يُمكن أن يقوده مستبد، ولا يُمكن أن تقوده حركة مقاومة تتحالف مع مستبد ضد حق شعب بالحرية، كما يفعل حزب الله بتحالفه الوثيق وقتاله إلى جانب نظام الأسد. وهذا أمر على الفلسطينيين، أن يكفوا عنهم، لا يُمكن لنا القُبول، بتحالف وشُكر إيران كما يفعل القسام الآن لدواعي تتعلق بالتمويل، وإيران هي الداعم الأول والمُشارك في ذبح السوريين، ولا يُمكن لنا أن نُبقي على تحالفات ونرهن قضية فلسطين للأنظمة، وهذا ما علينا أن نتعلمه. الحرية واحدة، وهذه ليست طوباوية كما يدعي البعض. ليست طوباوية أن نقول، إننا لو تطلب الأمر سنكون وحيدين في مواجهة الصهيونية والأنظمة العربية على حد سواء، لأننا في تلك اللحظة إنما ننتمي إلى الواقع وفقط، لأننا سننتمي إلى الشعوب العربية المقهورة تحت نير الاستبداد، وليس إلى أنظمة لها مصالحها وعناوينها الخاصة، ووقت خاص بالمعركة وحدود لهذه المعركة.
لا يُمكن لي – كفلسطيني – أن أقبل إراقة الدم السوري مقابل بعض الصواريخ، أو بعض الرصاص. ولكنني سأراه في المعركة ذاتها التي أخوضها في نضالي الممتد من ستة وستين عاماً، وفي خندقٍ واحد، فالحرية هي ذاتها هنا أو هناك، والحرية في مواجهة الصهيـــونية، هي الحرية ذاتها في مواجهة استبداد الأسد، ولا فرق بين قاتلٍ وقاتل، إلا بقدر ما قتل.

٭ كاتب فلسطيني

أنس حسونة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية