يقوم المخرج والممثل الأمريكي الشهير تومي لي جونز في فيلمه الجديد «ذا هومزمان» (2014)، المقتبس من رواية الكاتب الأمريكي جليندن سوارثوت (1988) التي تحمل العنوان نفسه، بتقويض أسطورة الغرب الأمريكي كما تجسدها أفلام الغرب الأمريكية وإعادة قراءتها.
لكي نعرف ما يحدث في هذا الفيلم لا بد من لمحة موجزة عن هذا الجنس السينمائي.
تدور أفلام الغرب الأمريكي عن الحياة في منطقة الغرب الأمريكي، وعادة ما تكون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
تنبثق أهمية هذه الأفلام من أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصورة الغرب في الثقافة والمخيلة الأمريكية.
فكرة أو صورة الغرب الأمريكي في الثقافة الأمريكية قديمة قدم الوجود الأوروبي في أمريكا، إذ أن الأوروبيين الأوائل الذين سكنوا السواحل الشرقية للولايات المتحدة كانوا دائماً ينظرون إلى الأراضي غير المستوطنة الواقعة غرباً، نظرة لا تخلو من الخيال والرومانسية.
ففي كتابه «الأرض العذراء: الغرب الأمريكي رمزاً وأسطورة» (1950) يقول هنري ناش سميث بأنه في القرن التاسع عشر ترسخت في المخيلة الأمريكية فكرة أن الغرب جنة على الأرض، وهي المنطقة التي يرى الكثير من الأمريكيين فيها أرض الخلاص والثراء.
كانت الوسيلة الفنية الأكثر تعبيراً عن صورة الغرب هذه في القرن العشرين هي السينما وعلى وجه التحديد الجنس السينمائي المعروف بأفلام الغرب الأمريكي.
بالعودة إلى فيلم «ذا هومزمان» نرى بأنه يختلف عن بقية أفلام الغرب ويقدم قراءة عن واقع الحياة في الغرب، تختلف عن بقية أفلام الغرب.
على عكس أفلام الغرب التي غالباً ما تدور في عالم مليء بقيم الذكورة، وتكون المرأة إما غائبة أو يقتصر حضورها في الحانات، حيث تكون عاهرة، فإن أبطال هذا الفيلم هم نساء وليسوا رجالاً.
إذ أن أحداث هذا الفيلم تدور حول ثلاث نساء أُصِبنَ بالجنون نتيجة الصعوبات التي واجهنَها على/في السهول الواسعة في البرية في الغرب الأوسط عام 1854.
فإحداهن فقدت أولادها بسبب المرض وأخرى قَتَلتْ طفلها والثالثة اغتُصِبَتْ وأصِيبت بانهيار عصبي بعد وفاة أمها. تتركز أحداث الفيلم حول الرحلة التي يتم فيها نقل هؤلاء النساء من نبراسكا إلى كنيسة في آيوا تعتني بالذين يعانون من أمراض نفسية.
يكلف أهل القرية سيدة متدينة عازبة عمرها 31 عاما اسمها ماري بي كادي التي تستأجر بدورها جورج بريجز وهو شخص متجول ليرافقها في هذه الرحلة.
تتحول الرحلة إلى استكشاف عوالم الغرب وظروف الحياة القاسية المتمثلة بالصراع مع الطبيعة القاسية، وكذلك الصراع بين القادمين إلى الغرب والسكان الأصليين.
ينتقد فيلم «ذا هومزمان» الصورة النمطية الرومانسية عن الغرب في أفلام الغرب الأمريكية، ويقوض الكثير من الأفكار التي بني عليها هذا الجنس (النوع) السينمائي ليس فقط عن طريق تسليط الضوء على جوانب مهمشة من حياة الغرب في هذه الأفلام، بل أيضاً من خلال محاكاة اللغة الرمزية لهذه الأفلام وتقديمها بطريقة جديدة ومعان جديدة. وأحد هذه الأمثلة هو ما نجده في مشهد يعدٌّ من أكثر المشاهد رومانسية ورمزية في أفلام الغرب التقليدية.
تلتقط الكاميرا من بعيد البطل ممتطياً حصانه ذاهباً بعيداً في رحلة جديدة أو مكان آخر، وفي خلفية الصورة الشمس الغاربة. هذه المشهد يجعل من هذ البطل شخصية أقرب إلى الأسطورة والخيال منه إلى الواقع. أما في هذا الفيلم فنرى المشهد نفسه إلا أنه عوضاً عن البطل على حصانه نرى العربة التي تحمل هؤلاء النسوة إلى مقصدهنَّ؛ إلى قدرهنَّ الجديد بعيداً عن عوائلهنَّ.
الفكرة التي يطرحها هذا الفيلم هو أنّ هناك فرقاً بين فكرة الغرب، كما تم تصويره على مدى قرون في مخيلة الأمريكيين، وبين الغرب كما هو معاش. فهذا التصور رومانسي وغير واقعي.
الحياة في الغرب الأمريكي ليست سهلة ونمطية، كما تصورها أفلام الغرب هذه، بل ان هذه الصورة النمطية تخفي الكثير مما يحدث هناك. يدعونا «ذاهومزمان» إلى إعادة تقييم فكرة الغرب عن نفسه.
ولعل ما ينطبق على النساء كذلك ينطبق على كثير من الفئات الأخرى المقموعة في هذه الأفلام أو حتى عندما تكون موجودة في هذه الأفلام، إنما تجسد أدواراً مكروهة وصورتها تكون سلبية في الأغلب مثل الهنود الأمريكيين والمكسيكيين، خاصة في الجنوب الغربي.
ناقد سوري
عبدالكريم عته