المادة 140 حول المناطق المتنازع عليها، وقانون النفط والغاز، وتشكيل المجلس الاتحادي خلافية، فيما تعد قضية الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية والكتلة الأكبر، نموذجا للتخبط في تفسير بنود الدستور.
بغداد ـ «القدس العربي»: أعاد تعامل المحكمة الاتحادية العراقية مع بعض القضايا الدستورية الخلافية إلى الواجهة مجددا، خطورة الألغام التي زرعتها أحزاب السلطة عمدا في بنود الدستور، لتعطيل العملية السياسية وعرقلة سير شؤون الدولة من أجل تحقيق أهدافها السياسية وأجنداتها البعيدة عن مصلحة الشعب والبلد.
ومع كل أزمة سياسية جديدة في المشهد العراقي، تتجدد الدعوات بضرورة تعديل الدستور، الذي تم إعداده بإشراف سلطة الاحتلال الأمريكي وبالتعاون مع القوى السياسية عام 2005 والذي يصفه رجال القانون، بانه مليء بالثغرات الدستورية والقانونية، حيث تم تضمينه العديد من الفقرات والمواد الغامضة والقابلة لتفسيرات متغايرة ومتعاكسة، لكي يتم من خلال ذلك تفسير الدستور وفق أهواء ومصالح أحزاب السلطة وتوقيتاتها.
وفي هذه الأيام، تمر المحكمة الاتحادية المسؤولة عن تفسير بنود ومواد الدستور، بأصعب مراحل عملها، نتيجة تعرضها لأشد الضغوط عقب انتهاء الانتخابات الأخيرة في تشرين الأول/اكتوبر 2021 وعقب ظهور نتائجها التي لم ترض عنها بعض القوى الخاسرة، والتي غمرت المحكمة الاتحادية بسيل لا ينقطع من الاعتراضات وطلبات تفسير بنود الدستور، في قضايا مثيرة للجدل أبرزها نزاهة الانتخابات والترشيح لرئاسة الجمهورية والمدد الدستورية لتشكيل الحكومة وقضية الكتلة الأكبر التي تشكل الحكومة، وغيرها من القضايا الحساسة.
وأزاء الضغوط السياسية الثقيلة على المحكمة الاتحادية، دعا رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق فائق زيدان، مجلس النواب إلى تعديل الدستور العراقي، لتجنب الفراغ الدستوري. وقال زيدان، في مقال، إن «دستور سنة 2005 صيغ في ظروف تختلف في حينه عن الظروف الحالية ومعظم من اشترك في إخراجه بالشكل النافذ حالياً، هم في مقدمة الداعين إلى تعديله الآن لظروف ومستجدات الواقع السياسي الذي وصل إلى مرحلة خرق الدستور في أكثر من مناسبة بسبب النصوص التي لم تعد مناسبة للمرحلة الحالية». وأضاف، أن «أكثر النصوص الدستورية التي تبرز الحاجة إلى تعديلها هي المواد التي تسببت أحكامها في تعثر تشكيل السلطات، ومنها تلك التي تشترط موافقة أغلبية ثلثي العدد الكلي لأعضاء مجلس النواب».
وأكد زيدان أن «مجلس النواب أمام مسؤولية تاريخية وواجب وطني يتمثل في ضرورة العمل على تعديل المواد الدستورية، وإعادة الصياغة بشكل يضمن عدم دخول البلد في حالة خرق أو فراغ دستوري مستقبلا». وشدد على ضرورة تعديل المادة (76) والنص على مبدأ واضح غير قابل للاجتهاد بأن يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة أو القائمة الفائزة في الانتخابات بتشكيل مجلس الوزراء في نفس جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بعد استكمال إجراءات انتخابه دستوريا، وهذا يحسم الجدل المستمر منذ سنة 2010 وإلى الآن» حسب قوله.
والمتتبع لبنود الدستور العراقي، يلاحظ وجود العشرات من الفقرات والبنود فيه التي تنتهي بعبارة (وينظم ذلك بقانون) من دون ان تنفذ هذه التوصيات من قبل الحكومات والأحزاب الحاكمة، بل ان الدستور حدد مدة زمنية لإجراء التعديلات الدستورية المطلوبة واكمال القوانين، ولكن الأحزاب تجاهلتها. وكانت لجنة كتابة الدستور العراقي، تشكلت برئاسة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، وضمت الأحزاب والقوى المتعاونة مع الاحتلال الأمريكي والتي أصبحت لاحقا أحزاب السلطة.
ويعترف ساسة العراق علنا، ان أحزاب السلطة، عمدت مرارا إلى تجاوز بنود الدستور، وفضلت حل الخلافات بالتوافقات والعرف السائد، مستغلة الثغرات الكثيرة الموجودة في الدستور، وخاصة في فترة ما بعد الانتخابات الأخيرة وخسارة بعض الأحزاب والفصائل، أغلب مقاعدها في البرلمان، نتيجة رفض الشعب لها، وسط تبادل القوى السياسية اتهامات بانها تمارس ضغوطا على المحكمة الاتحادية من أجل إصدار القرارات وتفسير بنود الدستور وفق مصالح هذه الجهة أو تلك.
وازاء تكرار المطالبات الشعبية بضرورة إجراء تعديلات أساسية على الدستور، الذي أعدته الأحزاب وليس خبراء في القوانين الدستورية، فإن مجلس النواب شكل عدة لجان نيابية، بحجة تعديل الدستور وتصحيح بنوده، بالتزامن مع تعمد الأحزاب عرقلة عمل تلك اللجان، من خلال تجميد قراراتها التي لم تر النور.
ومؤخرا أعلن عضو لجنة التعديلات الدستورية النائب يونادم كنا، أن «تقرير تعديل الدستور لم ينجز لحد الآن، وأن التوصيات سترحل للدورة البرلمانية المقبلة» مبينا أن «لجنة التعديلات الدستورية ناقشت 115 مادة دستورية، والمتبقي لديها 28 مادة خلافية». وأضاف كنا، أن «الخلافات تتعلق حول طبيعة النظام هل يبقى برلمانيا أو رئاسيا أو مختلطا، بالإضافة إلى اختصاصات السلطات الاتحادية الحصرية والأقاليم، والعدد المطلوب لمجلس النواب، وغيرها من القضايا».
ولعل أبرز المواد الخلافية بين القوى السياسية، هي المادة 140 حول المناطق المتنازع عليها، وقانون النفط والغاز، وتشكيل المجلس الاتحادي، فيما تعد قضية الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية والكتلة الأكبر، نموذجا واضحا للتخبط في تفسير بنود الدستور.
وبلا شك فإن غعداد الدستور العراقي الحالي كان أحد أخبث خطط الاحتلال الأمريكي والأحزاب الكبيرة لزرع الانقسام والخلافات في البلد، لإبقائه بعيدا عن الاستقرار والتطور، من خلال زرع الألغام بين بنود الدستور لتفجيرها في الوقت المناسب، ولتحقيق أهدافها السياسية.
ويتفق المراقبون على ان مجلس النواب الحالي، إذا أراد خدمة العراقيين، ينبغي أن يضع التعديلات الدستورية وإنهاء الثغرات فيه، ضمن أولوياته خلال المرحلة المقبلة، بعد الانتهاء من اختيار الرئاسات الثلاث وتشكيل الحكومة، وذلك نظرا لكون الدستور هو العمود الفقري للدول الحديثة، وهو ضمان تحقيق العدالة والحرية والحقوق لكل مكونات الشعب ولتنظيم عمل السلطات وصلاحياتها، وإلا فإن العملية السياسية في العراق، ستبقى عرجاء ومشوهة، وأزماتها مزمنة وبعيدة عن تحقيق مصالح الشعب.