القاهرة ـ «القدس العربي»: بينما بات المصريون ظهرهم للسد ووجههم لإثيوبيا في ما السفير سامح شكري وزير الخارجية ظل غاية أمنياته ان يلقى ربه وهو يحسن الظن بإثيوبيا، حيث دأب على مدار أعوام يكيل لها المديح قبل ان يضيق صدره مؤخراً بعد سقوط الأقنعة عن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. تبلغ المأساة ذروتها حينما تزعم دوائر حكومية ان كل الأمور تحت السيطرة وأنه ليس بوسع كائن من كان مصادرة زجاجة مياه من نصيب مصر من النيل الذي صار بحيرة إثيوبية على الأقل من وجهة نظر أديس أبابا. اللافت في المشهد الراهن حالة الغموض التي تحيط القاهرة باستثناء بعض التصريحات التي تنطلق كل فترة على لسان بعض المسؤولين والتي تفيد بأن حق المصريين محفوظ، غير ان المثير للدهشة ولأسباب مجهولة تبدو القوى الناعمة مستبعدة تماماً في معركة «سد النكبة» إذ تواصل إثيوبيا بزعامة رئيس وزرائها آبي أحمد خططها التي أوشكت ان تؤتي ثمارها بشأن الهيمنة على النهر الخالد الذي تعده بعض كتب التراث أحد أنهار الجنة، فيما حالة من الاسترخاء التام تخيم على الحكومة المصرية على عكس ما كان يحدث في حقب ماضية حينما كان الخطاب المصري يتسم بالخشونة وليس ببعيد عن الأمر علاقة القوى الناعمة بحماية النيل والذود عنه باعتبار ان «مصر هبة النيل». المنقب عن تاريخ النهر الخالد وعلاقة المصريين والأحباش به يكتشف عجباً إذ رفعه المصريون لدرجة القداسة فيما ذمه الإثيوبيون في أشعارهم وهو ماسنبينه في السطور المقبلة.
خالد لكنه خائن!
اللافت في علاقة الإثيوبيين الذين يسعون لمصادرة النيل ومنع تدفقه عن دولتي المصب مصر والسودان، أنهم يؤمنون بفكرة «النهر الخائن» في وصف النيل الأزرق، وبدوره كان الخبير في شؤون المياه وملفات النيل هاني ابراهيم يستبعد هذا الوصف وسعى جاداً لمن يؤكد له المعلومة أن ينفيها.
لأجل ذلك لجأ لمن يثق في مرجعيته العلمية الخبير في الثقافة الإثيوبية الدكتور عمر عبد الفتاح، الأستاذ بكلية الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة وهو متخصص في اللغة الأمهرية وآدابها. واعترف بأن ما ذهب إليه بعض الباحثين عن وجود قصائد إثيوبية تصف النهر بالخائن فيه شيء كبير من الصحة، لكن ذلك يجب أن يفسر على مرحلتين: المرحلة الأولى حتى نهاية سبعينيات القرن العشرين، وفيها تناول شعراء إثيوبيا النيل كما نتناوله نحن في مصر والسودان حين نتغنى بأنه نهر الحضارة، الفارق الوحيد هو التأكيد على أن النيل الأزرق الذي ينبع من إثيوبيا هو واهب حضارة مصر. ومن أشهر الأمثلة التي استشهد بها الأستاذ الأكاديمي قصيدة الشاعر الشهير تسجاي جبرا مدهن في عام 1971 وفيها يقول: «يا نيل يا نعمة للعالمين ..يا ملهم الفلاسفة الأولين..يا بشارة الشعوب السوداء، يا دم إثيوبيا يا جد الكوشيين..أنت واهب حضارة العالم، من نبع بحيرة تانا حتى الكرنك، ترسل كل ما في ضرعك، إلى رع إله الشمس وبتاح إله النجوم، نابعاً من شمس صباح الإنسان الأول، ومولودًا من صلب الكوشيين. يا نيل.. يا فخر أرض كوش أيها النيل الأسود أنت منبع الإنسان الأسود أنت فجر حضارة الشعب الحامي» أما المرحلة الثانية فتمثل كما أوضح المؤرخ الأكاديمي آخر أربعة عقود، مع نشأة اتجاه شعري محبط ومستاء وحانق على النيل لأنه لا يقدم الكثير من أجل إثيوبيا وأهلها، ودائما ما يغادرهم غاضبًا ومندفعًا ليخدم الجيران غير مبال بأهله وأبناء منبعه. وفي آخر عشرين سنة مع التخطيط العملي لبناء سد النهضة زادت وتيرة هذه الأشعار. وفي هذا السياق قام أحد الشعراء بتجسيد امرأة عجوز غاضبة ترمز لإثيوبيا تحاور شابا جامحا هو النيل الأزرق، ودار الحوار التالي: «هل ترى ما فعلت؟ ها أنت سلبتني كنزي، وتركتني عارية!
أماه، دعيني أتحدث معكِ، استمعي إليَّ أريد أن أخبركِ الحقيقة.
كفى، لست في حاجة لحديثك.
أماه ..ماذا جنيتُ في حقك؟
ألا تدري جريرتك!؟ ألم تساعد أعدائي، وتخليت عن حلفائي؟ لقد ولدت من رحمي لكنك لم تكن يوما بارًا بي». يستمر هذا العتاب الذي يصل لحد الاستياء والضجر من النيل، بل وتتصاعد الانتقادات رويداً رويداً لتنتهي الاتهامات صراحة بالخيانة مثلما ورد على لسان الشاعر تادلا جدلا: «ها هو أباي يختفي بعيدًا عن الأنظار..تاركًا خلفه أبناء الوطن..بعد أن سلب كل محاصيلنا من وسط الحقول..أخذ حبوب الطف والقمح والشعير والميليت..أخذ البازلاء والفاصوليا والحمص..أخذ البرتقال والمانجو والليمون من حديقتنا.. ليمنحها للمصريين».
بخيل بطبعه
وفي قصيدة أخرى يخاطب الشاعر هايلو جبرا يوحنس النيل معاتبا فيقول: «يا نيل، أيها البخيل، لو كنت تبصر! فلتنظر إلينا، كم نحن منهكون نكاد نحترق عطشًا..انظر للأرض التي تصرخ ألمًا..وتتوسل من أجل كرمك..تستجدي رحمتك، تستجدي نقطة ماء..عندما تخرج صرخات أرضك وهي تبوح بويلاتها..من حلقها الجاف..ماذا دهاك؟..هل بك صممٌ؟ ألا تسمع الأنين؟». وفي ظل هذا السيل من اللوم والاستياء والتخوين لا يستطيع أباي «النيل» أن يقف صامتًا، بل ينتفض ليدافع عن نفسه من خلال قصيدة «رد النيل» التي ألفها الشاعر جيتاتشو ووليو عام 2009 والتي يتقمص فيها شخصية النيل ويرد على كل ما يوجه له من اتهامات فيقول:
«كفى…توقفوا عن إهانتي، ولا يلعنني أحد دون سبب..لماذا لا تبنون سدًا؟ لماذا لا تمدون أيديكم إلى خيراتي..لا تنتظروا أن أكون أنا صانع مجدكم، أو أكون مهندس المياه ومنبع خزينتكم..فأنا لا يمكنني أن أعاند الطبيعة، وأصعد لأعلى..ولكنني أريدكم أن تعلموا أنني أُكافئ العاملين، أنا جاهز كي أساعدكم..فقط إذا قررتم أنتم العمل والبناء».
سر الكون
على النقيض تماماً سجل التاريخ ان أبناء مصر أنزلوا للنيل منزلة لم يسبقهم ولم يلحقهم بها أحد. وكتب الفراعنة الأوائل مخلدين اياه «فليحيا الإله الكامل، الذي في الأمواه، إنه غذاء مصر وطعامها ومؤونتها، إنه يسمح لكل امرئ أن يحيا، الوفرة على طريقه، والغذاء على أصابعه، وعندما يعود يفرح البشر، كل البشر» ترنيمة دوّنها المصري القديم في نصوصه الأدبية تبرز قدر عرفانه لنهر النيل، جاعلا منه «الإله» الخالق لمصر، واهب الحياة والخُلد لها منذ القدم. وتكشف معابد الفراعنة في الأقصر وأسوان والعديد من المدن في الصعيد والدلتا ان المصريين أدركوا أهمية النهر الذي يعبر أراضيهم منذ القدم، لذا سعوا لابتكار الوسائل الهادفة لتعظيم موارد النهر وحفر الترع لزراعة أرض الوادي والدلتا وهو ما سطره العالم الفرنسي جاك فاندييه في دراسته «المجاعة في مصر القديمة» عندما اعترف بأن النيل هو الأساس الذي اعتمدت عليه الحياة المادية والاجتماعية في مصر. وقد أطلق قدماء المصريين على النهر الخالد «إيترو عا» بمعنى (النهر العظيم). وتشير الأصول اللغوية لكلمة النيل إلى أنها من أصل يوناني «نيلوس» فيما ذهب آخرون إلى أن للكلمة أصول فينيقية إذ اشتقت من الكلمة السامية «نهل» بمعنى (مجرى أو نهر).
فيما انتهى المؤرخ اليوناني ديودور الصقلي إلى أن النيل أُطلق عليه هذا الاسم تخليدا لذكرى ملك يدعى نيلوس تولى عرش البلاد وحفر الترع والقنوات فأطلق المصريون اسمه على نهرهم. من جانبه أشار خبير المصريات رمضان عبده، في دراسته الموسوعية «حضارة مصر القديمة» أن مفردة النيل مشتقة من العبارة «نا إيترو» والتي تعني النهر ذو الفروع، كما نعت المصريون مجرى النهر بـ «حبت إنت إيترو» أما فروع النيل فأطلقوا عليها «إيترو نوكيمت» أي فروع الأرض السوداء.
أودعوه قلوبهم
يجزم الكاتب الراحل عباس الطرابيلي بإن المصريين هم وحدهم من تغنى بالنيل منذ فجر التاريخ، بل انهم منذ آلاف السنين اعتبروا هذا النهر بحراً وليس نهراً، «لبحر الواسع: بحر النيل» بل إن البلد التي ينبع منها هذا النهر فى الحبشة لا يطلقون عليه اسم النيل، بل هو عندهم اسمه آباي الكبير. ولقد غمر هذا النهر من المنابع الاستوائية 11 دولة، ولكنهم هناك لم يتعاملوا مع هذا النهر على أنه مجرد نهر، بل هو الحياة نفسها، تابع الكاتب، وإذا كان هذا النهر عندما يزيد فيضانه، يدمر ويهدد فإنه بمجرد أن يصل مصر كان المصريون يعشقونه، أليس هم من اعتبروه ذهبا خالصا ووصفوه بأنه تبر سائل بين شطين، وهكذا كان في أشعارهم عندما وصفوه بأنه تبر، والتبر هو أصل معدن الذهب وما مياه فيضانه إلا عبارة عن ذهب سائل ينساب بين شطين. وحتى عندما أبدع شاعرهم الكبير حافظ إبراهيم أطلقوا عليه اسم شاعر النيل، ليس لأنه ولد على ظهر مركب كانت تنطلق فوق مياهه، ولكن من كثرة ما تغنى هو بهذا النيل. ثم هم من تغنوا به وهو ينطلق ليقطع آلاف الكيلومترات حتى يصل إلينا في مصر، ولذلك قال عنه الشعراء: يا حلو يا أسمر، أي تعاملوا معه كإنسان، وليس مجرد مصدر للمياه بل هو الحياة نفسها. وهكذا كان انفعالنا بهذا النهر. مضى الكاتب الراحل عباس الطرابيلي مشيداً بالمصريين الذين سبقوا الكثير من الشعوب في إنزال النهر منزلته مؤكداً ان 11 شعباً مر بهم هذا النيل فلم يتغن به غير المصريين الذين تركوا لنا أعذب الأغاني وأرق الألحان، وتذكروا كيف تعامل كل المصريين مع الفيضان من آلاف السنين بالذات عندما يرتفع منسوب مياهه، وهو في قمة الفيضان فيما عرفناه جميعاً بفتح الخليج، بل قبل ذلك أيضاً عندما يجيء وقت الحساب فيقسم المصري وهو بين الآلهة بأنه لم يلوث ماء النيل. واسألوا: كم نهراً في العالم يحظى بمثل هذا التقديس الذي تغنى به كل المصريين وعندنا آلاف القصائد والأشعار؟ تابع الكاتب: تخيلوا شمس الأصيل وهي ترافق هذا الذهب الذي ينساب بين حواف هذا النهر حتى إنهم يرون أن شروق الشمس يأتي من الشرق، ولذلك أقام المصريون بيوتهم شرق هذا النهر لأنه يرمز بأن بيوت الحياة الدنيا تنبع من شرق النيل. فإذا جاء موعد الرحيل أقاموا بيوت الآخرة أي مقابرهم، غرب هذا النهر، فالنهر هنا يرمز للحياة وللنهاية أيضاً.
رب الحياة
لاحظ المصريون فيضان النيل وانحساره في أوقات مناسبة على نحو يمكن استفادة أرض البلاد منها، إذ يفيض في الصيف والأرض في أشد الحاجة إلى الماء، يغمرها ويجدد حياتها، وينحسر في وقت يناسب الزراعة، فتُبذر الحبوب، فكانت بداية اهتداء المصريين لفكرة التقويم. وبرع المصريون في وضع ما يعرف بـ«التقويم النيلي» الذي يبدأ ببداية الفيضان، عندما تصل المياه إلى منطقة استراتيجية مهمة، ويجزم العلماء أنها كانت منطقة تتوسط مدينتي أونو وإنب حج، كما اكتشف المصريون اقتران الحدث بظاهرة سماوية هي ظهور نجم الشعرى اليمانية. وسجل العالم الفرنسي نيقولا غريمال في دراسته «تاريخ مصر القديم» أن «نقطة الانطلاق لتحديد بداية العام الجديد هي قياس ارتفاع منسوب مياه الفيضان، وما يُسجل عند مستوى مدينة منف، وهي الأرض التي شهدت توحيد البلاد على ما يفترض، ويتفق تماما مع ظهور نجم الشعرى اليمانية، وفقا للتقويم اليولياني، وتحدث هذه الظاهرة في 19 من شهر يوليو/تموز». ويوضح غريمال أن الفلكيين المصريين أحصوا عدد الأيام بين كل ظهور للنجم فوجدوها 365 يوما، وقسموها إلى 12 شهرا، كما قسموا السنة إلى ثلاثة فصول تحددت بناء على أحوال النيل: «آخت» وهو فصل الفيضان وبذر البذور، من منتصف تموز/يوليو إلى منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، و«برت» وهو فصل النمو، ويوازي فصل الشتاء، ويبدأ من منتصف تشرين الثاني/نوفمبر إلى منتصف آذار/مارس، و«شمو» فصل حصاد الزرع، من منتصف آذار/مارس إلى منتصف تموز/يوليو. وتوضح العديد من الدراسات التي سجلها مؤرخون وعلماء الحضارة الفرعونية ان النيل ساعد المصريين في إنشاء مجتمعات صغيرة، يتعاون أفرادها في زراعة ما بها من أرض، وأحيانا كانوا يلجأون إلى توسيع حدودها بالاستيلاء على أراضي المجتمعات المجاورة، إلى أن اندمجت هذه المجتمعات وشكلت كيانا أكبر اتحد في عهد الملك نعرمر (مينا) فظهر أول شكل مترابط سياسيا واجتماعيا للأراضي المصرية بفضل النيل.
كما عرف المصريون إلى جانب الزراعة التي اعتمد العاملون بها على مياه النهر الذي رفعوا من قدره، صيد الأسماك، فابتكروا القوارب كأداة للصيد والمواصلات، وسجّلوا العديد من المشاهد على جدران المقابر التي كانت توضع بداخلها علامات تقديس النيل من خلال حرص المصري على طهارة ماء النهر من كل دنس كواجب مقدس.
النهر سجين
ولم تخل بعض الأساطير الإثيوبية القديمة من تسجيل كراهية مصر وشعبها لحد الحلم بسجن النهر والحيلولة دون تدفقه. وتسجل إحدى الأساطير الحبشية ان أحد الملوك في القرن 13 أراد ان يصب جام غضبه على المصريين فعمد إلى تحويل روافد النيل إلى المحيط الهندي. ويشار إلى انه بدأ فعلا في تحويل مجرى ثلاثة روافد ثم مات قبل ان يرى حلمه النور. وتبين أسطورة أخرى ان الكهنة نصحوه بالتراجع حتى لا تولد دولة في الصومال سرعان ما تدخل في حرب معنا وتسلب عرش أجدادك. ومن بين أقوى رموز الحبشة الرأس الولا ابانقا والذي يعد من أقوى القواد الإثيوبيين وقد جسد الكاتب أنور عبد الله سيرته ومشواره الذي خاضه دفاعا عن طموح شعبه. في المقابل نظر المصريون إلى النيل بعين القداسة، واستخدموا مياه النهر للتطهر وإزالة الأدران ولأداء الطقوس الدينية وغسل المتوفى. وكان الاغتسال بماء النيل طقساً مصرياً كنوع من التطهر البدني والروحي، ويحمل معنيين شديدي الدلالة فعليا ورمزيا، في وجدان المصري، أما الفعلي فيشمل نظافة الجسد والملبس والمأكل والمسكن فضلا عن التطهر كضرورة لتأدية الطقوس الدينية، أما الرمزي فيشمل طهارة النفس روحيا من كل شائبة. وتجلى تقديس النيل من خلال حرص المصري القديم على طهارة ماء النهر من كل دنس، كواجب مقدس، ومن يلوث النهر يتعرض لعقوبة غضب الآلهة يوم الحساب. ويوضح نص قديم أن «من يلوث ماء النيل سوف يصيبه غضب الآلهة» وأكد المصري في اعترافاته بالعالم الآخر ما يفيد عدم منعه جريان الماء درءا للخير، كما ورد في الفصل 125 من نص «الخروج إلى النهار (كتاب الموتى)» نقلا عن الترجمة الفرنسية للعالم بول بارجيه: «لم أمنع الماء في موسمه، لم أقم عائقا (سدا) أمام الماء المتدفق» وفي نص مشابه على جدران مقبرة «حرخوف» في أسوان عدّد صفاته أمام الإله من بينها «أنا لم ألوث ماء النهر…لم أمنع الفيضان في موسمه…لم أقم سدا للماء الجاري…أعطيت الخبز للجوعى وأعطيت الماء للعطشى».
من جانبه يقول المؤرخ الفرنسي فاندييه، إن الماء في الفكر الديني المصري القديم «يمثل عنصرا أساسيا منه تخرج الحياة الجديدة، وإلى المحيط الأزلي تؤول الشمس وقت الشفق، لتبث فيه قوة نشطة جديدة». وأفرد المصريون القدماء عددا من الأرباب ارتبطوا بنهر النيل أشهرهم الإله حعبي، الذي يمثل فيضان النيل سنويا، ومصدر الحياة الأولى عموما (بداية الخلق) ومصدر الحياة الأولى للمصري القديم. ونعت حعبي بـ«سيد القرابين» وكان أهم أدواره كمعبود تجسيد فيضان النيل، وورد ذكره في العديد من الوقائع فيما يعرف بـ «أناشيد النيل» وضمن فقرات في «نصوص التوابيت» كما أُطلق عليه أيضا «سيد الفيضان» وخالق و«رب أزلي» و«رب الأرباب» و«أقدم الأرباب» كما نعت بـ «سيد الكل» الذي ينشئ التوازن في الكون.
ويعود أقدم ظهور للمعبود حعبي كرب للفيضان إلى عصر الدولة القديمة، وأقدم نموذج مصور لعهد الملك سنفرو، وبمطلع الأسرة الخامسة بدأ تصوير حعبي ضمن أرباب الخصوبة في معبد الملك ساحورع، كما صُور على هيئة رجل ممتلئ الجسم له ثديان كبيران يتدفق منهما الماء، كرمز للخصوبة والنماء، وصُور حاملا الزهور والدواجن والأسماك والخضراوات والفاكهة، أو زهرة لوتس، شعار مصر العليا، ونبات البردي، شعار مصر السفلى.
العشق الفرعوني
حرص الكهنة المصريون في طيبة منذ القدم على ترديد ترانيم وأناشيد للنيل إيماناً بقدرته، من بين هذه المدائح الدينية نص يعود إلى عصر الدولة الوسطى يقول: «المديح لك يا حعبي، الذي يخرج من الأرض، ويأتي ليعيد الحياة لمصر» وفي موضع آخر يمدح المصري القديم النيل ويخاطب الفيضان قائلا: «يا مسبب الخضرة، ليتك تأتي. يا حعبي ليتك تأتي إلى مصر يا خالق القرابين، يا مسبب خضرة الضفتين لتعطي الحياة للناس والحيوانات من منتجاتك من الحقول، يا مسبب الخضرة ليتك تأتي». كما يبين نص مديح في بردية تورينو، تعود إلى الأسرة 19 سجل ترجمته المؤرخ المصري رمضان عبده في دراسته «حضارة مصر القديمة» إذ يقول: «إنه هو الذي يروي المراعي، هو المخلوق من رع (إله الشمس) ليغذي الماشية، وهو الذي يسقي الأرض الصحراوية البعيدة عن الماء. ماؤه هو الذي يسقط من السماء، إنه هو الذي يأتي بالقوت، وهو الذي يكثر الطعام، وهو الذي يخلق كل شيء طيب، ويمدحه الناس». ويوضح النص قيمة النهر ووفائه: «هو الذي يملأ المخازن ويزيد حجم شون الغلال، هو الذي يعطي الفقراء، هو الذي يجعل الثمار تنمو كما يشتهي الجميع. فلا ينقص الناس أي شيء، ومن كان حزينا يصبح مسرورا. الفيضان ينساب على الأرض الخضراء، لكي يعطي الحياة إلى جميع العطشى، وعندما يرتفع تشدو الأرض فرحة» وتابع نص آخر: «تحية لك يا حعبي، أخرج من هذه الأرض واحضر لتهب مصر الحياة، إنك تخفي مجيئك في الظلمات، وتغطي أمواهك البساتين، أنت واهب الحياة لكل ظمآن، عندئذ ارتفعت أصوات الأرض مهللة، البطون فرحة وسعيدة، والزهور تهتز من الضحك والأسنان تمضغ». فيما جسد الفكر الديني المصري القديم روحا تكمن وراء هذا النهر العظيم، تدفع مياه الفيضان حاملة الخصب، وهي روح المعبود حعبي، كهذا المقتطف من نص ترنيمة للنيل، أورده العالم الفرنسي جان فيركوتير، في دراسته المعنونة بـ«مصر القديمة»: «ظهر النيل مراراً وتكراراً في مشاهد أدبية كثيرة سجلها الأدب المصري بكافة روافده، خاصة أشعار الغزل التي ظهرت بدءا من 1500 قبل الميلاد، وهي فترة تحررت فيها العادات، ويعد عصر الرعامسة الذي بزغ فيه الشعر الشخصي متحررا من كل قيد». من جانبها أوضحت العالمة الفرنسية كلير لالويت، في دراستها «نصوص مقدسة ونصوص دنيوية» الصادرة ضمن سلسلة منظمة اليونسكو لنماذج الفكر العالمي، أن تلك القصائد المعنية بالنهر وقدره عند المصريين «كانت تلقى أثناء الولائم، بمصاحبة الموسيقى على آلتي الفلوت والجنك» وتورد أبياتا شعرية سجلتها قطع عُثر عليها لسطح إناء، محفوظ في المتحف المصري، يحضر فيها النيل بقوة في مشهد غرامي جمع حبيبين جاء فيه: «حبيبي، كم يحلو لي أن أرحل، أن أنزل إلى النهر واستحم أمامك، إني اتركك تشاهد جمالي، وأنا في سروالي (المصنوع) من الكتان الملكي، من أرقّه، أنا معطرة بالطيب الزكي، أغوص في الماء بجوارك، من أجل حبك، أخرج ممسكة بسمكة حمراء بين أصابعي، يا صديقي، يا محبوبي، تعال وشاهدني».
وتواصل الأبيات سرد تفاصيل العلاقة في مشهد جديد: «عشق حبيبتي على الشاطئ الآخر، النهر يفصل بيننا، المياه تندفع بشدة في زمن الفيضان، والتمساح واقف رابض فوق شط رملي، لكنني أنزل إلى الماء وأغوص وسط الأمواج، إن قلبي قوي فوق النهر، والتمساح يبدو لي كالفأر، الماء تحت قدمي أشبه باليابسة، إن حبي لها هو الذي يمنحني القوة، كأن (وجودها) قد سحر الماء، أنا لا أدري سوى رغبة قلبي وهي تقف أمامي».