حصن سوسيتا الفلسطيني: شاهد على عظمة الإنسان وصغره أمام الطبيعة

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: سوسيتا واحدة من تحالف المدن الرومانية العشر «ديكابوليس» ومن أهم الحصون التاريخية في المنطقة، وقفت أمام الجيوش وكأنها عشرين مستحيل بفضل تربعها على قمة جبل عال وتحصنها خلف أسوار وأبراج وقلاع، فصمدت طيلة قرون في وجه الجيوش لكنها لم تصمد أكثر من خمس ثوان عندما غضبت الطبيعة عام 749 يوم زلزلت هزة أرضية عاتية حولّت مدن وحصون كثيرة على طول الشق السوري الإفريقي إلى حطام وخراب. ومع ذلك ما زالت زيارة الموقع العتيق رحلة ممتعة وملهمة للجغرافيا والتاريخ وفرصة للتأمل بما كان وبما سيكون وبموازين القوى بين الإنسان وبين الطبيعة.

حينما يصل الزائر بالمركبة إلى واحدة من قمم جبل جنوب الجولان ويتلفت للخلف يحبس أنفاسه أمام مشهد مدهش من هذا الموقع المرتفع ارتفاع الغيوم، والمشرف على بحيرة طبرية الفلسطينية. وما زالت أعمدة الرخام العملاقة المتناثرة على الأرض بعضها محطم وبعضها سليم تعكس عظمة الامبراطورية الرومانية وعظمة الإنسان الذي يتقزم أمام الطبيعة عندما تغضب وتعيده لحجمه الطبيعي صغيرا عاجزا أمام سطوتها. الموقع القائم خلف الساحل الشرقي لبحيرة طبرية شهد عمليات بناء حصون في الفترة الإغريقية وبلغ ذروة ازدهاره في العهد الروماني يوم بنى الرومان مدينة ضخمة فيه كانت واحدة من تحالف المدن العشر، تسع منها في الأردن وسوريا وعاشرتها كانت مدينة بيسان الفلسطينية. لكن الموقع المسمى في الفترة الهيلنية هيبوس «الحصان» صار يعرف بسوسيتا، وهي تسمية أصولها آرامية وتعني الحصان، لأن الجبل يشبه الفرس ويطلق العرب عليها اسم قلعة الحصن. وقد شيد الرومان للمدينة ميناء صغيرا على شواطئ البحيرة لغرض الصيد والتنقل من وإلى المستوطنات الواقعة على محيط البحيرة وما زال هذا المقطع من السواحل يحمل اسم سوسيتا.

موجودات عمرانية متقنة

منذ أن يصل الزائر لقمة الجبل من جهة الغرب يتنبه لأعداد كبيرة من الأضرحة الحجرية المغطاة المعروفة بالآرامية «ساركوفاغ» وجدران حجرية كانت جزءا من منظومة تزويد المدينة بالمياه. ومن الأثريات التي تدلل على عظمة سوسيتا وجودة المعيشة فيها نافورة في ساحة مركزية كانت تزدان بتماثيل ومنحوتات حجرية وحمامات ضخمة وقاعة اجتماعات واسعة وبقايا مسرح كان يتسع لنحو 500 شخص، مجرد الجلوس على مقاعده تحقق مسرة لا توصف بفضل مشهدية نادرة من هذا الارتفاع المطل على بحيرة ساحرة وعلى جبال الجليل والجولان المتقابلة، ويبدو أن الكثير من المجالس الحجرية التابعة للمسرح قد سرقت.
وخلال أعمال التنقيب المتواصل منذ عقدين وستستغرق عدة سنوات أخرى لكشف كامل ملامح المدينة ومفاتنها، تم خلال العام 2020 الكشف عن ملامح ضريحين كبيرين (ماوزو لئوم) ضريح الأسد وضريح الزهور، وكل منهما كان يتكون من ثلاث طبقات مبنية من الحجر البازلتي الأسود ولكل حجر رقم ويبدو أن النحاتين اهتموا بالترقيم لتسهيل عملية التركيب والبناء. ويرجح أنهما تهدما جراء هزة أرضية ضربت المكان عام 363 ميلادي وقريبا منهما اكتشفت أضرحة حجرية مغطاة نقشت فيها رؤوس أسود تحمل في أفواهها خواتم ويبدو أن كل هذه القبور كانت تتبع لأثرياء المدينة كما يعتقد الباحثون.
وتستمر أعمال التنقيب في القسم الغربي من المدينة التاريخية المطلة على البحيرة وتتركز في الكشف عن أرضية فسيفسائية تمتد على مساحة 150 مترا مربعا تابعة لكنيسة متهدمة وتعرف بالكنيسة المحروقة، ويبدو أنها هدمت خلال احتلال الموقع من قبل الفرس وتشمل اللوحة الفسيفسائية النادرة رسومات لأسماك، فواكه، طيور، أرغفة خبز ويرجح باحثون ألمان أن الكنيسة بنيت لتكريم قديس. وقد عثر في المكان على أقفال باب الكنيسة التي صبت من الحديد والبرونز على شكل أسد.
قريبا من المدينة الأثرية اكتشفت مقالع عمل فيها حجارون ونحاتون ممن أعدّوا حجارة البناء وكان كل حجر خامس يميّز بحرف من اللغة اليونانية وذلك بهدف معرفة هوية النحات ومكافئته لاحقا لقاء عمله أو لعد مجمل الحجارة التي تم تزويدها وهناك ترقيم بالأرقام أيضا من أجل تيسير مهمة التركيب والبناء وبالإضافة رسمت لائحة بأرقام وأنواع الحجارة وبإرشادات البناء لتيسير مهمة المهندسين والبنائين تماما كما هو الحال اليوم مع إرشادات مرفقة لتركيب مواد خشبية أو بلاستيكية، كما يؤكد الباحثون الذين اكتشفوا هذه المنظومة العمرانية خلال محاولاتهم إعادة تركيب الحجارة المتناثرة في المكان. وفي مختلف أرجاء المدينة تنتشر مئات الأعدمة الرخامية التي يبلغ طولها تسعة أمتار يقوم كل منها على قاعدة خاصة بها ويعتليه تاج حجري وكانت تستخدم في الأساس للزينة على حواف الشوارع المركزية وبعضها نجا من السقوط جراء الهزات الأرضية. كما عثر المنقبون على عمود حجري بازلتي أسود يحتوي على خريطة طرق الامبراطورية الرومانية ونقش عليه اسم القيصر ماكسيمينوس تاركوس (238-235) ولمثل هذه الموجودات الأثرية قيمة خاصة كونها تساعد في فهم طبيعة العلاقات التجارية والثقافية بين المدن في المشرق. وكانت العادة وقتها تثبيت مثل هذه الأعمدة على جانب الطريق لإرشاد السائرين، عمود واحد كل 1480 مترا كما يؤكد الباحث الألماني دكتور غارغور شطاب الذي تمت دعوته للمساعدة في فك رموز بعض المكتشفات الأثرية في سوسيتا والمكتوبة باليونانية القديمة وهو يعتقد أن أعمدة الإرشاد الحجرية في الطرقات كانت تهدف أيضا لتحقيق غاية دعائية تظهر هيمنة وسلطة الدولة الرومانية ونفوذها في المكان بالإضافة لتوجيه السالكين في الطرقات ومنحهم الشعور بالأمان.

الفترة الإغريقية

وهناك ما يبرر الاعتقاد أن المدينة كانت مسكونة قبل قدوم اليونان، لكنها تطورت بعد قيام الدولة السلوقية في المنطقة إلى مدينة صغيرة، وذلك حوالي العام 200 ق. م تقريباً، لتصبح مدينة مواجهة على تخوم الصراع السلوقي المتمركز في سوريا، والبطلمي المتمركز في مصر، مما يبرر قيام السلوقيين بتطويرها وتشييد الأبنية الجديدة فيها، لتصبح حصنا متقدما على تخوم دولتهم قبل تمكنهم من دحر البطالمة عن فلسطين، وهو ما يأخذ دلالاته من الاسم اليوناني أنطيوخيا هيبوس، أي مقاطعة هيبوس. ومع استقرار نفوذ السلوقيين على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، بعد المعركة الفاصلة مع العدو البطلمي قرب بانياس في العام 196 ق. م، تطور وضع المدينة لتصبح مدينة رسمية «بولس» تسيطر على المناطق القريبة منها وأضيف لأبنيتها معبداً وسوقاً وأبنية رسمية أخرى. لكن تطور المدينة العام كان مرهونا بإمكانية توفير المياه، التي جرت العادة على جمعها من هطولات المطر في آبار حفرت هنا وهناك ما زالت آثارها باقية حتى اليوم. وتعتبر سوسيتا المدينة الإغريقية الوحيدة في الجولان ويحاول الباحثون اليوم فهم منظومة العلاقات بينها وبين محيطها الزراعي في الفترتين الرومانية والبيزنطية وتستعد سلطة حماية الطبيعة وسلطة الآثار الإسرائيليتين لإغلاق المكان وتحويله لمنتزه يدخله الزائرون مقابل تذاكر.

العصر الرماني

في العام63 ق.م اجتاح جيش القائد الروماني بومبيوس، المناطق الواقعة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط معلنا مرحلة جديدة نعمت فيه سوسيتا بحكم ذاتي من جديد، بانضمامها للمدن العشر «الديكابوليس». وطبقا لمصادر تاريخية سُلمت المدينة في العام 37 ق.م للحاكم المحلي لفلسطين هوردوس، فكانت في هذه الفترة على صراع دائم مع مدينة طبرية، التي ُشيدت أيضاً أيام الإغريق وكان يسكنها الكثير من اليهود. ما جعل أهالي سوسيتا يقومون إبان التمرد الكبير بذبح وطرد اليهود الساكنين بينهم بعد اشتراك هؤلاء بالهجوم على مدينة المجدل.

آثار عمرانية تنتظر الكشف والترميم

وما زالت آثار سوسيتا العمرانية تشير لتصميمها من جديد على الطريقة الرومانية، تتوازى فيه الشوارع مع بعضها، شرقا وغرباً، وشمالاً وجنوباً. كان الشارع الرئيسي الدوكومونوس، يتوسط المدينة ممتدا من الشرق إلى الغرب، ومزيناً على طول جانبيه بأعمدة غرانيتية حمراء وصفراء استوردت من مصر، ما يدلل على مستوى الرخاء الذي تحقق في تلك الفترة. وما زالت مقاطع من هذه الشوارع المعبدة بالرخام البازلتي الأسود بحالة جيدة بينما تقف العمدان القائمة على جوانبها محطمة جزئيا في معظمها وهي الأخرى بازلتية سودءا من صخر المكان. وما زالت آثار عمرانية كثيرة جدا في الموقع تعود لمعبد، مسرح، حمامات وأسوار وأبراج وبركة ماء اصطناعية لتجميع مياه الأمطار خلال فصل الشتاء، وقد تم جر المياه إلى البركة عن بعد 25 كم من منطقة محيطة بواسطة مواسير حجرية نحتت لهذا الغرض واستبدلت منظومة مياه فخارية من الفترة الإغريقية وكلاهما تسير داخل نفق وما زالت أجزاؤهما متناثرة في جنبات المدينة الأثرية التي تخضع اليوم لعمليات تنقيب وترميم من قبل جامعة حيفا وسلطة حماية الطبيعة الإسرائيلية.

العصر البيزنطي

ويوضح مرشد الرحلات في الطبيعة صالح خلايلة أنه في الحقبة البيزنطية أصبح الجليل والجولان ضمن مقاطعة فلسطين، ومع انتشار الديانة المسيحية أقيمت الكثير من الكنائس داخل سوسيتا وازدادت الهجرة إليها وإلى المنطقة، فشهدت المدينة بالتالي تطورا كبيرا. ويقول إن العثور على قبر شخص يدعى هرمس، دفن حوالي العام 300 م بالقرب من أحد الأسوار، كان شاهدا يتيما على حركة التنصر حتى ذاك الزمن، مع أنه من المعروف أن السيد المسيح كان قد زار المدينة أثناء تجواله في المنطقة، واجترح فيها معجزة إطعام خمسة آلاف شخص، لكن وجود هذا القبر يظل مؤشرا على ازدهار هذه الديانة مع بداية الحكم البيزنطي لسوسيتا.

هزة مزلزلة

ويستذكر خلايلة أنه مع الفتح الإسلامي لشمال الجزيرة العربية، ظلت المدينة على نصرانيتها، إذ أن القائد العربي شرحبيل بن حسنة فتحها سلما دون مقاومة، وأعطى على إثر ذلك الأمان لأهلها على أرواحهم وممتلكاتهم وعقائدهم، لكن الكارثة لم تمهلها طويلاً، ففي العام 749 م دمرها زلزال قوي شهدته منطقة الشق السوري الإفريقي المعروف بحفرة الانهدام الكبير. وقتها تسببت الهزة الأرضية المدمرّة في هدم مدن ومنشآت كثيرة سرعّت سقوط الدولة الأموية المتداعية ولم تُستوطن بعد ذلك مطلقاً. منوها في المقابل أن تضاريس المكان حثت على بناء قلعة الحصن خلال الحملات الصليبية، كبناء دفاعي يقابل قلعة الصبيبة في الشمال من الجولان، من أجل حماية هذين الممرين الطبيعيين إلى الداخل السوري، وقد فقدت القلعتان أهميتهما بعد ذلك، لكن قلعة الحصن دمرت عن آخرها تقريبا.

فترة الاحتلال الإسرائيلي

عشية 1948 قام سكان مستوطنة عين جيف باحتلال المرصد السوري المقام في هذا المكان الحدودي بين فلسطين وسوريا وشيد مكانه موقع للجيش الإسرائيلي، ظل يقوم بوظيفته حتى احتلال هضبة الجولان في العام 1967. ومن اللافت اليوم أيضا إن استعمال الإسمنت لبناء الموقع الإسرائيلي أدى لتشويه جزء من المكان، أما الشاهد الآخر على التواجد العسكري فيه، فهو الرافعة التي نرى بقاياها حتى الآن في الجهة الشمالية الغربية، والتي نعلم أنها بنيت عام 1948 بإشراف الضابط الإسرائيلي دافيد لسبوك من أجل تزويد الجنود داخل الحصن هناك بالمؤن من مستوطنة عين جيف. ومنذ عقدين ونيف تتواصل عمليات تنقيب أثري بعدما بدأت بعثة أثرية من جامعة حيفا، بالتنقيب بمشاركة بعثتين أجنبيتين أمريكية وبولندية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية