توفي الكاتب السوري وليد إخلاصي في حلب مساء 19 شباط/فبراير 2022 بعد صراع متقطع مع المرض. وقد بدأ مشواره الفني بمجموعة «قصص» الصادرة عام 1960 عن دار عويدات في بيروت. وكانت قد ظهرت معظم قصص المجموعة في مجلات أدبية رائدة منها «حوار» و»شعر» و»الآداب». وأتبع تلك بمجموعة ثانية بعنوان «ماء في الصبح الأغبر»، وصدرت عن مكتبة الشرق في حلب عام 1961.
منذ البداية كان وليد إخلاصي واحدا من السرب الحداثي الذي بشر بأدب رؤية يغلب عليه الغموض، ويهتم بالمكان، وبصراع الإنسان مع أقداره، وبمنطق سيزيفي. وتنوعت كتاباته بين الدراما والقصة والرواية، وأخيرا المقالات (ليس البحوث ولكن الأحاديث).
ويمكن أن نعزو له تطوير فن القصة الطويلة، ولم ينافسه عليها بين الأدباء العرب غير عبد السلام العجيلي مؤلف «قناديل إشبيلية» و»سبعون دقيقة حكايات». ومن أهم إضافاته في هذا الباب أذكر: «موت الحلزون»، «خان الورد»، «هل رأيتهم يحلمون»، «الأعشاب السوداء» وغيرها.
أما في الرواية فقد كتب الرواية بعد الحداثية ومنها «شتاء البحر اليابس» 1964. وهي محطة كئيبة ومقلقة، ويتابع فيها ما بدأته غادة السمان بمجموعتها «لا بحر في بيروت». ويبدو أن الأشياء المشتركة بين الاثنين لا تقف عند حدود العنوان وفلسفة القحط أو الجدب النفسي لأبناء الستينيات في شرق المتوسط، بل إنها تذهب لأبعد من ذلك، وتصل لدرجة التماهي في بناء الشخصيات وتحليل الأحداث، ثم بناء الجو أو الظرف الوجودي لإنسان مختلف مع نفسه ومنقطع عن ماضيه، ولا يعرف بالضبط إلى أين سيقوده مستقبله. وقد توقف وليد إخلاصي مع هذه الفكرة، وأوجز مجمل رأيه بها في واحدة من آخر وأهم أعماله وهي «رحلة السفرجل» 2008. وفيها محاكاة متقنة لغريب كامو، لكن يأخذ ميرسو اسم موظف بسيط يدعى معين السفرجل. وإذا ارتكب ميرسو جريمة عرقية باللاشعور بحق مواطن جزائري داكن البشرة، يرتكب معين جريمة عرقية ضد نفسه، ويطهرها من حالة الجمود وحياة العلب المغلقة (المقاهي والبيت). يضع وليد إخلاصي هذه الشخصية الغامضة على متن قطار، ويترك له حرية مراجعة مراحل حياته، ثم يكتب عليه الموت قبل نهاية الرحلة، كما فعل كامو أيضا في «الموت السعيد» ولا تخرج عن هذا الإطار بين رواياته غير «دار المتعة»1991 التي يعيد فيها تركيب فضاء مدينة حلب، ويختصره في واحد من اثنين: مطابخ النساء ومواخير الرجال. ويجد فيها ولعا خاصا بحياة السراديب والأنفاق، أو حياة ما تحت الشعور. ولا تخلو رواية لوليد إخلاصي من هذه الاهتمامات الباطنية والتسترية. فهو يكتب عن شبكة سجون سياسية تحت الأرض في «بيت الخلد» 1982، وعن مغارة تاريخية هي مقبرة منزلية للأسلاف في «زهرة الصندل» 1981. وعن خشخاشة الأنس – غرفة / قبو في «الحنظل الأليف» 1980. وهي رواية مخصصة عن حياة ومعاناة شاعر حلب المعروف خير الدين الأسدي مؤلف «موسوعة حلب المقارنة»، ومجموعة ابتهالات دينية بشكل غزل عذري بعنوان «أغاني القبة».

وإن شئت الحقيقة يوجد في خلفيات وليد إخلاصي مؤثران، أحدهما واضح وهو الحب الميتافيزيقي وما يرافقه من مازوشية وجلد للذات وتألم. والثاني هو الإحساس بالخطيئة التي تلقى علينا ولا نرتكبها نحن، وما يتبعها من مشاعر بالندم والتراجع. ويبدو أن بدايات أو جذور هذا الخط موجودة عند أديب حلبي رائد ومؤسس، هو مظفر سلطان مؤلف «ضمير الذئب» 1960 الذي ضم نماذج من أعماله المنشورة في مجلات حلبية قادت حركات التحرر من العثمانيين ثم الفرنسيين، وعلى رأسها مجلة «الحديث» لسامي الكيالي ومجلة «الضاد» لعبد الله يوركي حلاق.
بقيت محطتان لا بد من الإشارة إليهما. وهما روايته «حكايا الهدهد». وتأثر فيها بنيتشه على غرار «النبي» لجبران و»إنجيل الابن» لنورمان ميلر، وتتخللها مواعظ رسولية وذهنية عن موضوعات عامة كالمحبة والعدل والروح وغير ذلك.
المحطة الثانية هي رواية «ملحمة القتل الصغرى» 1994 التي تتبع أسلوب قصص رواية. وتتألف من متواليات قصصية تقدم فكرة عن تطور العنف والجريمة في المجتمع البشري، وما يفرضه ذلك من دورات انتقام وعقاب.
أما مسرحياته فهي شديدة التنوع، وموزعة بين المسرح الطبيعي (الصراط – عرس شرقي) والمونودراما (سبعة أصوات خشنة). وهذا النوع هو أدب رؤيا، تتوسع فيه دائرة الإضاءة داخل فكر الشخصيات، وليس خارجها، بمعنى أنها تقدم فكرة عن التخبط النفسي وشدة الأزمة، دون أي اهتمام بخشبة المسرح كأنها قصص مرئية وليست دراما.
وكان لدى وليد إخلاصي مشروع رواية كتبها بعد فترة صمت استمرت 10 سنوات إثر أزمته الصحية، وبعد اندلاع حرب حلب، وأعلن عنها في لقاء مع التلفزيون السوري بعنوان «مول الشرق الأوسط»، لكن لم تكلل بالصدور.
وكان وليد إخلاصي من مواليد الإسكندرونة عام 1935. عاش في حلب، وأنهى تعليمه الجامعي في كلية الزراعة في الإسكندرية. عمل بصفة محاضر في قسم الإرشاد الزراعي في جامعة حلب. وبنتيجة وشاية أمنية اتهمته بالانتماء لتنظيم سياسي معارض، تم نقله إلى مديرية تسويق الأقطان. وخدم فيها بصفة نائب مدير تسويق ثم مدير للتسويق. وفي الوقت نفسه عمل عضوا في إدارة فرع حلب لاتحاد الكتاب العرب، وعضوا في مكتبه التنفيذي في دمشق. انضم في الثمانينيات لهيئة تحرير ملحق الثورة الثقافي، الذي رأسه محمد عمران، وشارك فيه أدونيس وكمال أبو ديب، وعمل في هيئة تحرير مجلة «الموقف الأدبي» لسان اتحاد الكتاب. ودخل في خصومة مفتوحة ومباشرة مع كتاب الدولة، من كان يقول عنهم أنطون مقدسي «شرطة الأدب». وقاده لتقديم استقالته من إدارة فرع حلب، ثم انفصاله عن المكتب التنفيذي في دمشق.
حاز جائزة القصة العربية من مصر عن كتابه «من يقتل عنترة» عام 1994 ونشرت ترجمته إلى الإنكليزية جامعة تكساس – أوستن. وكذلك حصل على جائزة سلطان العويس الثقافية عام 1996. وعلى وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة عام 2005. وانتخب عضوا في مجلس الشعب السوري لنصف مدة بسبب وفاة العضو الممثل لمدينة حلب – قطاع المستقلين.