مخرج الفيلم الإسرائيلي “طنطورة“ يدعو للمقارنة بين المحرقة اليهودية والنكبة الفلسطينية

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

بخلاف الإجماع الإسرائيلي التقليدي دعا مخرج الفيلم الوثائقي الإسرائيلي “طنطورة” ألون شوارتز لمقارنة المحرقة اليهودية بالنكبة الفلسطينية لمعرفة الفرق بينهما، فيما يؤكد رصد للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) أن الجدل داخل إسرائيل حول الفيلم ما زال في بدايته لكنه حتى الآن ينشغل باعترافات القتلة وسط تغييب لضحايا المجزرة أنفسهم، وهم الفلسطينيون الذين لا يزال بعضهم يحمل جروح المجزرة.

وقال “مدار” إن فيلما وثائقيا إسرائيليا (طنطورة) فتح الجدل من جديد حول مجزرة “الطنطورة” وهو يستعرض رواية جنود يعترفون بالتلميح وتارة بالتصريح. وقد شارك الفيلم في مهرجان “ساندانس” للأفلام في الولايات المتحدة ضمن فئة الأفلام الوثائقية الطويلة، ولم يحالفه الحظ بالفوز بجائزة المهرجان.

ويستذكر مدار ضمن رصده التفاعلات الإسرائيلية هذه المرة رأي أسرة التحرير في صحيفة “هآرتس” التي اعتبرت، في مقال افتتاحي، أن مخرج فيلم “طنطورة” شوارتز استكمل الدور الذي قام به كاتس، وهو الدور الذي رفضت المحكمة الإسرائيلية القيام به خلال مناقشة القضية. وتابعت هآرتس في افتتاحيتها حسب “مدار”: “استمع شوارتز إلى التسجيلات التي وثقها كاتس وتحدث فيها الجنود الذين شاركوا في ارتكاب المجزرة، ثم التقى شوارتز هؤلاء الجنود ليوثق روايتهم بالصوت والصورة، ليصل إلى نتيجة “تقشعر لها الأبدان وتكشف افتراء لم يكن المقاتلون الذين نفذوا المجزرة عام 1948 ضحاياه، بل كان ضحيته الطالب الذي حاول الكشف عن أفعال هؤلاء المقاتلين، وتم إسكاته”.

لم يأخذوا أسرى

ودعت أسرة التحرير في “هآرتس” إلى رفع الظلم التاريخي عن تيدي كاتس أولا، عبر تحقيق معمق لما حصل في الطنطورة، للكشف إن وقعت فيها مذبحة جماعية أم كان قتل عشوائي لأهل القرية. وتشير “هآرتس” إلى أن ذلك ممكن عبر تشكيل فريق تحقيق يضم مؤرخين، وخبراء، ومختبرات للتشخيص الجنائي وخبراء في الأمراض، عربا ويهودا، وأن يطلع الفريق على الشهادات ويحفر في الميدان كي يفحص إن كانت لا تزال فيه بقايا قبر جماعي.

الطنطورة والماضي المظلم

أما أمير بوغِن، الصحافي والباحث في نيويورك في مجال الأفلام، فكتب في صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية مقالا بعنوان: “لا نعترف بالنكبة؟ فيلم “طنطورة” يساعدنا في التصالح مع ماضينا المظلم”.

ويقول بوغِن إنه في صغره “كان يستهويه وقع الاسم “طـنطورة” رغم أنه لم يزرها في حياته، إذ كان الاسم يطلق لديه حالة من الخيالات الطفولية، لكن فيلم “طنطورة” جاء وقضى على هذه الخيالات، ليس فقط حول طنطورة المكان، بل حول إسرائيل، وأكثر من ذلك حول تاريخها وضميرها الصهيوني الذي من المفترض أنه قاد هذه الدولة وكذلك بسبب الكشف الذي يهزك وأنت تشاهده على الشاشة”.

ويذهب بوغِن إلى وصف فيلم المخرج الون شوارتز بأنه من أكثر الأعمال الوثائقية نجاحا في البلاد، وربما على الإطلاق، لأنه يقدم فرصة أخيرة للحصول على شهادة نادرة عن مذبحة قرية الطنطورة الفلسطينية من قبل مقاتلي لواء “ألكسندروني”. والأهم بالنسبة للكاتب، أن كشف هذه الرواية جاء من قبل إسرائيليين يهود ومن وجهة نظر صهيونية، فقدم الجنود شهاداتهم واحدا تلو الآخر.. و”هم يحدقون مباشرة في الكاميرا ويستحضرون ذاكرتهم”.

مذابح أوروبا

ومن باب المقارنة يشير بوغِن إلى الجهد الإسرائيلي لتوثيق كل التفاصيل المتعلقة بالجرائم ضد يهود أوروبا في مواجهة الجهود النازية لإخفائها والتظليل عليها في الماضي، أو في مواجهة ما تقوم به الحكومة البولندية حاليا. ويتم هذا الجهد عبر توثيق شهادات الناجين من المحرقة، والحفاظ على الوثائق والرسائل المكتوبة والتسجيلات والصور ومقاطع الفيديو والشهادات المصورة، ومع وفاة المزيد من هؤلاء الناجين مع مرور الأيام يصبح هذا الجهد سباقا مع الزمن.

ويقارن بوغِن بين الجهد الإسرائيلي مع يهود أوروبا وما قام به شوارتز في فيلمه، الذي يصفه بأنه فيلم “شجاع ويسبب القشعريرة، والأهم من ذلك أن شوارتز يقوم بهذا الجهد مع أولئك المسؤولين منا عن ارتكاب ظلم والذين يغرسون فينا الآن ذاكرة العار”. ويرى بوغِن أن “هذه مهمة وطنية للحفاظ على ذاكرة إسرائيلية صادقة وموثوقة، حتى يعلم كل من يزور الطنطورة في المستقبل للاستجمام على الشاطئ، من هم أولئك الذين دفنوا في ترابها”.

هآرتس” تسترجع أطروحة كاتس

واعتبرت “هآرتس” أن مخرج الفيلم شوارتز بعرضه روايات الجنود المشاركين في المجزرة ألغى النسخة القديمة التي كتبها كاتس وقضت عليها المحكمة في إثر دعوى التشهير، لكنها جاءت بصورة واضحة، تؤكد أن “جنودا في لواء ألكسندروني نفذوا مجزرة بحق رجال غير مسلحين”.

وفي تلميح إلى دور المحكمة العليا الإسرائيلية في طمس حقائق المجزرة تقول الصحيفة إن شهادات الجنود التي جمعها ثيودور كاتس في أطروحته لم تقدم إلى المحكمة في قضية التشهير. وترى الصحيفة أنه “لو استمعت المحكمة إلى شهادات الجنود المسجلة لقامت بالتحقيق معهم، ولما اضطر كاتس إلى الاعتذار”.

بين المحرقة والنكبة

وربما ترك فيلم “طنطورة” الأثر الأكبر على مخرجه شوارتز الذي قال لصحيفة “يديعوت أحرونوت” إن مقارنة المحرقة بأي جريمة أخرى على وجه الأرض أمر ممنوع، لكن هذا يجب أن يتغير، ويجب مقارنة المحرقة بالنكبة لمعرفة الفرق بينهما.

ورغم أن شوارتز يتبنى ادعاء المؤرخين الجدد من أن خطة دافيد بن غوريون كانت طرد الفلسطينيين وليس تنفيذ إبادة بحقهم عام 1948، بعكس المحرقة، إلا أن شوارتز يدعو إسرائيل إلى الاعتراف بالنكبة، في ظل وجود شبه إجماع في إسرائيل على أنه يحق ليهود اليمن أو الشرقيين أو الأثيوبيين الادعاء أنهم ضحايا، وهذا أمر يمكن الجدل فيه، أما العرب فليسوا ضحايا في الإجماع الإسرائيلي، بل ممنوع عليهم أن يكونوا ضحايا”.

كما يقول شوارتز إن مشاهدة الفيلم تجعلك ترى حجم الجهود والموارد التي سخرت أدبيا وثقافيا واقتصاديا من قبل المؤسسة الحاكمة من أجل إخفاء الأدلة ومحو شبح الماضي في كل ما يتعلق بالفظائع التي ارتكبت في النكبة.

إنصاف كاتس وتناسي ضحايا المجزرة

ورغم أن الفيلم الإسرائيلي استحضر بعض شهود العيان والسماع والرواة الفلسطينيين يرى “مدار” أن استعراض الجدل الذي أثاره فيلم “طنطورة”، واستدعاء أطروحة كاتس من جديد، والدعوات لإنصاف المؤرخ المظلوم قضائيا وأكاديميا تظهر نوعا من النفاق في التعامل مع المجزرة، فالحاضر في الجدل هو شهادات مرتكبي المذبحة، ودقة الرواية ونقد الفيلم الوثائقي أحيانا بتفاصيل التفاصيل، واعتبار الفيلم رد اعتبار لجهد كاتس المميز الذي راح ضحية الترهيب والقضاء والنظام الأكاديمي في إسرائيل.

وفي المقابل يؤكد أن “الغائب فعليا في معظم هذا الجدل هم ضحايا المجزرة أنفسهم، وهم الفلسطينيون الذين لا يزال بعضهم يحمل جروح المجزرة حتى اليوم، وأولئك الذين اجتهدت إسرائيل في إخفاء قبورهم ومعالم قريتهم، وترفض حتى اليوم الاعتراف بهم وبالمجزرة، فمنفذو المجزرة الذين أقروا بدورهم فيها، يرفض معظمهم عرض الرواية الفلسطينية وحتى احترام ذكرى ضحاياها الأبرياء”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية