الناصرة- “القدس العربي”:
تبدو المسيرات الجنائزية في الجولان السوري المحتل عادية جدا كما هو الحال في بقية البلاد العربية لكن جنازة الراحل المناضل إبراهيم شحادة من بلدة مجدل شمس في الجولان جاءت مختلفة بل نادرة.
الراحل إبراهيم شحادة نصر الله (أبو شحادة) هو مدير مدرسة مجدل شمس وترك بصماته التربوية على الكثير من أهالي بلدته التي بادلته المحبة بالمحبة والوفاء بـالوفاء وهو رب العائلة العربية المسيحية الوحيدة في مجدل شمس البلدة العربية الدرزية التي احتضنته في الحياة والممات بكثير من الاحترام وقد تصدر رجال الدين من بني معروف الموكب الجنائزي لجانب بعض رجال الدين المسيحي من فلسطينيي الجليل فيما كان الصليب مثبتا على تابوت لف بـأكاليل من ورد وأزهار الجولان الذي انتمى له المرحوم وناضل من أجل حريته ورفعته.
ويقول الأسير الجولاني المحرر أيمن أبو جبل في هذا المضمار: “ربما لا يعرف الكثيرون سيرة حياة المربي والمناضل العم أبو شحادة إبراهيم نصر الله، الذي شكل نموذجا بالصمود والمواجهة والتحدي، في كل الأزمنة والأوقات، في الدفاع عن هوية الجولان السورية، والتشبث في الأرض السورية، وخدمة المجتمع الجولاني، حتى ارتبط اسمه بكل تفاصيل المشهد الجولاني إلى أيامه الأخيرة”.

ناضل بصمت ورحل بصمت
ويوضح أيمن أبو جبل لـ”القدس العربي” أن إبراهيم نصر الله شحادة رحل بعدما ارتبط اسمه بكل تفاصيل الجولان السوري المحتل وقد اعتاد القول “أنا مثل السمك لا أستطيع أن أترك المجدل… لو أتركها أموت”. حين رحل عنها مات، تاركا خلفه بصماته ورموزه في الإخلاص والوفاء، والنضال والمحبة والاحترام في قلوب كل من عرفه من أبناء الجولان المحتل وخارجه”.
كما قال أبو جبل إنه “لا يمكن لمن عرفه والتقى به أن لا يتأثر بـأخلاقه الراقية وتواضعه، واحترامه للآخرين ونكرانه لذاته في سرد الذكريات والتاريخ، والمواقف الاجتماعية والوطنية، فهو الجندي المجهول، الذي يترك مكانة محفورة في الذاكرة والوجدان”.
وأضاف “رحل العم أبو شحادة كـملاك حولنا وبيننا، عمل سنوات طويلة بصمت فأعطى وأفنى عمره في عمله الوطني والاجتماعي والشخصي بصمت وواجه مرضه، الذي أقعده بصمت، وبكى في مصائبه الشخصية والعائلية بصمت. كما جعل أبو شحادة من سلوكه ومحيطه ومجتمعه وأصدقائه ورفاق دربه وعمله جنته، التي أحب بكل تفان وطيبة وإخلاص منحازا بكل المراحل والأوقات إلى وطنه ومجتمعه”، داعيا للترحم عليه متمنيا الصبر لأسرته ورفاقه.
ثانوية درعا
ولد إبراهيم شحادة نصر الله (أبو شحادة) في بلدة مجدل شمس، عام 1937 لـعائلة عربية مسيحية، تلقى تعليمه الابتدائي في قرية جباثا الزيت، وتابعه لاحقا في المدرسة الابتدائية في مجدل شمس، التي تم تشييدها، وأنهى المرحلة الثانوية في ثانوية درعا. وفي أواخر الخمسينيات انضم إلى صفوف حزب البعث العربي الاشتراكي وترك النشاط الحزبي، بعد قرار حل الأحزاب السياسية في الإقليم الشمالي (سوريا) في الجمهورية العربية المتحدة في ظل رئاسة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
وجدد نشاطه الحزبي ضمن صفوف الحزب، بعد انتهاء الوحدة السورية المصرية في العام 1961. انشق الراحل عن حزب البعث على إثر خلافات حدثت بين القيادة القومية والقيادة القطرية، بعد اجتماع قيادة شعبة الحزب، في مدينة فيق في الجولان، حيث اتخذ موقفا مؤيدا للقيادة القومية للحزب.
وبعد الاحتلال الإسرائيلي للجولان في العام 1967 بقيت عائلته المكونة من خمسة أفراد، العائلة العربية المسيحية الوحيدة في مجدل شمس مع عدد آخر من المسنين والمسنات المسيحيين الذين توفاهم الله. انضم أبو شحادة إلى خلايا المقاومة الوطنية السورية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وكان من المساهمين في انطلاق جبهة تحرير القنيطرة مع العشرات من رواد الرعيل الأول في الجولان. كما شارك في كل النشاطات الوطنية والاجتماعية التي ساهمت في التمسك بهوية الجولان السورية، ورفض المجالس المحلية، ورفض فرض الضرائب على السكان المدنيين تحت الاحتلال حتى اعتقاله عام 1973 وتم الحكم عليه بالسجن لمدة ثماني سنوات.

اللحمة الوطنية
وسبق أن قال أبو شحادة قبيل رحيله في حديث سابق معه إن معظم أفراد عائلته اليوم داخل الوطن لكنه استذكر بحسرة “كنا نخجل أن نقول هذا مسيحي أو مسلم أو درزي، فنحن عرب أولا، وسوريون، ثانيا، ومسيحيون ثالثا”. وأضاف “قبل عام 1967، ترك المسيحيون مجدل شمس للعمل في مدينة القنيطرة التي كانت مزدهرة. المتعلمون منهم ذهبوا للعمل في دمشق. أنا نفسي عملت مدرسا في مدارس السويداء، وعدت لأعمل مديرا في مجدل شمس”.
يشار إلى أن الكنيسة في مجدل شمس السورية المحتلة مغلقة، وعندما يرحل أحد أبنائها المسيحيين يأتي الكاهن من خارج الجولان لأداء طقوس الجنازة. وعن ذلك سبق وقال الراحل “عندما توفي والدي، جاء الكاهن إلى بيتنا وأقام الجناز. في 1984 “سمحت لنا إسرائيل بفتح كنيسة مار بطرس في بلدة بانياس المدمرة، ليوم واحد لتعميد ابننا إلياس”.
يشار إلى أن مسيحيي مجدل شمس من الأورثوذكس، وقلة منهم تحول إلى الكنيسة الأنجليكانية، لكنهم عادوا إلى كنيستهم الأولى في القرن العشرين، وبقيت الكنيسة بأمانة وعهدة أبناء الطائفة المعروفية “الدرزية” بعد هجرتهم إلى مدينة القنيطرة. وقد شكل المسيحيون في مجدل شمس ثلث عدد السكان، وملكوا ثلث الأراضي، ولم يبق منهم سوى عائلتين هما عائلة يوسف الحداد، الذي اختير لمجلس الشعب السوري عام 1965، فانتقل مع أسرته إلى دمشق، وعائلة إبراهيم نصر الله أبو شحادة وأولاده، وقد عمل مديرا لمدرسة مجدل شمس الابتدائية في عام 1967، ثم عزلته السلطات الإسرائيلية من منصبه لمواقفه السياسية الرافضة للاحتلال.
الاعتقال ثماني سنوات
في شهادتها كتبت المحامية الإسرائيلية التقدمية الراحلة فيليتسا لانغر في كتابها “بأم عيني” أن “إبراهيم نصر الله رجل متعلم ومثقف، وشغل مهنة التدريس. ترافعت عنه كمحامية ضمن قضية أسعد الصفدي وفايز الصفدي، وفارس أسعد يوسف الصفدي. وقد أنكر أبو شحادة في شهادته في المحكمة وجود شبكة تقوم بأعمال التجسس لصالح سوريا، كما تدعي النيابة العسكرية، إبراهيم كان معلم مدرسة في مجدل شمس، وسُرح بسبب آرائه السياسية وقد ظهرت ثقافة الشاهد أثناء إدلائه بشهادته، وكذلك في إفادته، التي قال فيها بأنه فعل ما فعل بتأثير حقيقة أنه عربي سوري. عندما سُئل هل اشتغل بالأسلحة التي وجدت في حوزته أجاب مبتسما “إنني أخجل من الاعتراف بذلك ولكنني لا أعرف استخدام السلاح”. وأدين إبراهيم ورفاقه بحيازة أسلحة، وبالتسلل إلى سوريا وصدر الحكم عليه بالسجن لثمانية أعوام، رغم أن القاضي العربي الراحل خليل عبود من الناصرة قد شهد لصالحه، وتركت شهادته انطباعا شديدا لدى الحاضرين، عدا طاقم القضاة العسكريين”.