ثلاثة عشر شهراً فقط بعد أداء بايدن اليمين القانونية رئيساً للولايات المتحدة، يقف اليوم أمام اللحظة المصيرية والأكثر تحدياً لرئاسته، اللحظة التي ستصمم طابع ومدى استقرار الساحة الدولية كلها، عقب تحدث الرئيس الروسي بوتين شخصية النظام القائم في شرق أوروبا بعامة وفي أوكرانيا بخاصة.
في هذه اللحظة، ثمة حقيقة واحدة تتجلى وإن لم يتضح بعد ما ستكون عليه الخطوات التالية لحاكم روسيا عقب غزوه العسكري لدونيتسك. إذ لا خلاف في أن البيت الأبيض فشل في مساعيه لردع الكرملين عن تحطيم الوضع الراهن في شرق أوكرانيا، ولم ينجح في منع بوتين عن تحويل دونيتسك (إلى جانب محافظة لوغانسك) إلى كيان “مستقل” مزعوم تحت رعايته.
لا شك أن الوهن والانطباع الذي بثه البيت الأبيض على خلفية انسحابه المفزع من أفغانستان، وتنازلاته أحادية الجانب لإيران في مفاوضات فيينا، وقراره فك الارتباط عن بؤر الاحتكاك والأزمة والتخلي النهائي عن استخدام الخيار العسكري كأداة في السياسة الخارجية، كل ذلك منح موسكو نافذة الفرص المنشودة لتحقيق حلمها التاريخي، ولتنال مرة أخرى، مثلما في 1945، مكانة رسمية كقوة عظمى ذات مصالح شرعية على الأقل في قسم من شرق أوروبا ووسطها.
انهيار حلم التحول الديمقراطي في العراق، الذي سعى الرئيس بوش الابن لتحقيقه بوسائل عسكرية في 2003، شجع روسيا على غزو جورجيا في 2008 وانتزاع المحافظات المارقة أوسيتيا وأبخازيا منها، وهكذا نشأ قرارها بضم شبه جزيرة القرم في 2014، وعقب ذلك، البدء بمسيرة زاحفة إلى شرق أوكرانيا، في أعقاب اعتبار زعامة الرئيس أوباما ضعيفة وغير مصداقة (ولا سيما على خلفية سلوكه في الساحة السورية).
وبالتالي، ليس مفاجئاً أن هروب بايدن من أفغانستان شكل حافزاً آخر أقنع بوتين بأن القوة العظمى الأمريكية أصبحت نمراً من ورق، وأنها ستمر مرور الكرام أيضاً عن ضربة أخرى، وقاضية، لحكم النظام في كييف. وقد تكون الولايات المتحدة تجلدت حتى على القضاء على النظام الأوكراني بقوة الذراع وتحولها إلى دولة تسير بخنوع في مسار فلكي يتحكم به “الأخ الأكبر” من موسكو. هذا، كسابقة ملموسة، يفترض أن يرعب لاعبين آخرين في المجال، ويردعهم عن ربط مصيرهم بالغرب لاحقاً. على خلفية هذا النمط المتكرر من استغلال ضعف المهيمن الأمريكي للضعضعة التدريجية وعلى مراحل للحاضر الدولي الذي نشأ عقب انهيار الاتحاد السوفياتي كقوة عظمى في 1991، يقف بايدن الآن أمام لحظة الحقيقة.
وإذا ما اكتفى بايدن بقرار العقوبات الاقتصادية المحدودة التي سبق أن فرضت على المقاطعات الانفصالية، فستكون إشارة بأن طريق بوتين مفتوحة، وأن الضوء الأخضر من جانبه لابتلاع الكيان الأوكراني كله قد حان. المسار موضع الحديث سيؤدي إلى إعادة سيطرة موسكو على جزء من ذخائرها الإقليمية في الماضي غير البعيد. بالمقابل، إذا نجح الرئيس الأمريكي في توحيد أعضاء الناتو المركزيين (والذين يتردد بعضهم في الرد اللازم) حوله وحول خطوات عقاب اقتصادية مكثفة وأليمة، تتضمن قطع روسيا عن المنظومة المالية والبنكية الدولية، وتجميد مشروع الغاز الجديد “نورد ستريم 2” (بالدعم الصريح من مستشار ألمانيا شولتس، الذي أعلن عنه أمس)، وحظر إنتاج تكنولوجيات متطورة – فسيكون هناك احتمال لوقف الانجراف.
الصور المتجذرة لا تتبدد بين ليلة وضحاها، وبالتالي فإن مهمة البيت الأبيض في إبداء التزام مصداق وزعامة شجاعة، هي مهمة صعبة ولكنها لا تزال ممكنة قبل أن يحسم مصير أوكرانيا، وبذلك أيضاً مصير الساحة الدولية كلها، وبالطبع مصير رئاسة نزيل المكتب البيضاوي.
في ضوء خطاب شاحب ألقاه الرئيس بايدن للأمة الأمريكية، تبدو المهمة التي يقف أمامها تلوح كمهمة أصعب من ذلك، فكيف وقد أعلن عن عقوبات جزئية ومحدودة، وبعيدة سنوات ضوء عن المقاطعة الاقتصادية الشاملة وعن الضربة القاضية للمنظومة البنكية والاقتصادية المتعثرة لروسيا، وبالتالي مشكوك أن تعطي ثمارها.
بقلم: أبراهام بن تسفي
إسرائيل اليوم 23/2/2022