مدرسة الطنطورة.. من مؤسسة تعليمية فلسطينية لمعهد أبحاث إسرائيلي

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”: لم يبق من الطنطورة القرية الفلسطينية المسفوحة المدمرة منذ النكبة، سوى بعض البقايا العمرانية أبرزها وأكثرها سلامة هي مدرستها الحجرية الجميلة وهي تدلل على تطور التعليم فيها واهتمام أهلها بالثقافة والعلم.

ويوضح الناشط الأهلي سامي العلي المنتمي لعائلة مهجّرة من الطنطورة ويقيم في القرية المجاورة جسر الزرقاء، أن هذه المدرسة الناجية من التدمير شكّلت حتى النكبة عام 1948، مركزًا تعليميا وثقافيا لمنطقة قرى ساحل الكرمل الجنوبي.

ويقول سامي العلي لـ “القدس العربي” إن الطنطورة كانت تحتضن مدرستين، واحدة للبنين على شاطئ البحر وأخرى للإناث في قلب القرية وتم تدميرهما وبعد سنوات أقام الأهالي مدرسة جديدة للبنين بتصميم جميل يوفر مناخا تعليميا مناسبا، شرقي القرية (من الجهة الشرقية لسكة الحديد)، بطراز عمراني مميز، من الحجارة والقناطر، وتضمنت ساحة وحديقة زراعية مكونة من نحو 12 غرفة وقد نجت من التخريب الإسرائيلي.

وحسب سامي العلي، فقد درّس في المدرسة معلموّن من بلدات عربية مختلفة؛ الفريديس، صفد، كفر لام، طولكرم ونابلس وغيرها. وتعلم التلامذة مواضيع؛ اللغة العربية، الدين، الرياضيات والإنكليزية والزراعة وقد استقطبت عشرات الطلاب من القرى المجاورة مثل؛ جبع وإجزم وعين غزال وكفر لام وصرفند والفريديس.

ويتابع” بعد احتلال القرية والمجزرة الرهيبة دمرت إسرائيل البيوت والمعالم والمؤسسات في الطنطورة، ونجا من التدمير عدد قليل من المعالم التي تشهد على هوية المكان والسكان وهي؛ بيت آل يحيى (المبنى الصامد على الشاطئ اليوم) وأسفله مقر الجمرك، مقام الشيخ عبد الرحمن المجيرمي المتواجد ضمن سياج المنتجع السياحي، ومدرسة الطنطورة الحديثة”. ويشير سامي العلي لاستيطان معهد إسرائيلي لبحث الصيد البحري وتربية الأسماك تابع لوزارة الزراعة الإسرائيلية ، داخل بناية المدرسة اليوم،. وما زالت ملامح المدرسة الطنطورية الفلسطينية تسطع وتشهد على حضارة وازدهار وتقدم الطنطورة المهجرة.

كمال مصري

من جهته يشير الناشط الأهلي كمال مصري، وهو ابن لعائلة مهجرة من الطنطورة وبقيت في الوطن لتحويل بيت تابع لآل عبد العال الى مدرسه للإناث عام 1928. ويقول إنه في البداية لم يتجاوز عدد الطالبات 25 طالبة ولاحقا زاد عددهن حتى تم تسجيل جميع بنات القرية. وتابع”بعد فترة تم افتتاح مدرسة جديدة من الصف الثالث الى السابع وهناك روايات أخرى تتحدث عن الخامس الى السابع وكان أبناء القرى المجاورة يأتون الى المدرسه الجديدة ومن هذه القرى كفر لام، الفريدبس، عين غزال، جبع، اجزم”.

معلمون من فلسطين

ويستذكر مصري بعض أساتذة المدرسة ومنهم، عبد الوهاب الدجاني وهو من خارج الطنطورة وصلاح جديد والشيخ أسعد، ومن كفر لام شعبان عبد السلام وأحمد عبد السلام، ومن الفريديس راجح صبري وآخرون من طولكرم ونابلس. وفي حديث لـ “القدس العربي” تشير السيدة ناديا دسوقي المهجرة من الطنطورة وتقيم في اللاذقية في سوريا، أن هناك سيدة عملت في مدرسة الطنطورة هي وصفية خليفة من صفد، وقالت لـ “القدس العربي” إنها استقرت في بلدتها الطنطورة بعدما تزوجت بوالدها العبد شبيب الدسوقي الملقب بأبو داوود رحمه الله.

ويضيف كمال مصري”في المدرسة ساحة وحمامات ومغاسل ومقاعد وألواح. وأيضا كان هناك جرس والطلاب يقفون بالطابور كل صباح وينشدون اناشيد وطنية بلادي بلادي، موطني موطني، بلاد العرب اوطاني، وانا محبوبة السمرة، وهم يرتدون زيا موحدا. أما المواد التعليمية فكانت تشمل اللغة العربية والدين والحساب ولاحقا أدخلوا اللغة الانكليزية والزراعة.

أما الشيخ محمد المصري أبو جميل (87) الناجي من المذبحة والتهجير ويقيم منذ النكبة في قرية الفريديس المجاورة فيوضح لـ “القدس العربي” أن المدرسة الابتدائية في الطنطورة كانت تقوم بداية على ساحل البحر قبل نقلها للمنطقة الشرقية القائمة حتى اليوم وصارت تعرف بالمدرسة الفوقى وكان كل الجبل (100 دونم) يتبع لها. ويؤكد هو الآخر أن المعلمين أغلبيتهم من خارج الطنطورة بينما المدير كان من صفد ونائبه من الطنطورة وهو جودت الهندي ابن المختار داوود الحج الهندي. ويستذكر أبو جميل ما جرى وقتها في هذا المضمار بالقول:” كان المختار ذاهبا لاستحضار سلاح من سوريا وخلال ذلك أصيب برصاصة أطلقت بالخطأ من بندقيته وهو يحاول تصليحها. عرض اهل البلد على جودت أن يصبح مختارا فرفض وقال “قلبي بوجعني على اولاد بلدي وأرغب البقاء في بالمدرسة والتعليم”.”

ذكريات مدرسية

كما يستذكر أبو جميل أن شقيقه عيسى كان متفوقا على كل طلاب المدرسة الابتدائية للبنين وصوته جميل، لكن مدير المدرسة حسن يونس من عارة كان يستهدفه واعتدى عليه ذات مرة بشكل غير إنساني وغير مبرر حيث ضربه 100 فلقة على كفتي قدميه حتى أغمي عليه، وظن التلاميذ إنه مات حتى غطسوه بالماء فاستيقظ، ووصل أحد التلاميذ لوالده وقال له عيسى مات فسارع والده للمدرسة واحتمى مديرها ببيت المخار.

ويتابع”اختلف والدي مع المختار وأقسم ألا يرسلنا إلى المدرسة حتى يغادرها هذا المدير. وشاء القدر أن استشهد شقيقي عيسى هو ووالدي في المذبحة. كنا 14 شخصا في ذاك اليوم اللعين في أيار 1948 وكان معنا طفل يدعى طه أبو صفية. صفونا وعلى بعد عشرة امتار أطلقوا النار . وقتها سألني جندي يهودي مصاب بالعربية العامية:” وين رايح ولا؟ فقلت انا رايح عند الأولاد فقال لي :”يلا روح تخيب” فقلت: ليش بتقولي تخيب فقام ضربني وطرحني وبعد ثوان أطلقوا الرصاص على الرجال ومنهم والدي وشقيقي ودفنوا جثامينهم داخل قبر جماعي حيث موقف السيارات اليوم مقابل منتزه الطنطورة”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية