لعل المجتمعات العربية من أكثر المجتمعات حبّا للمظاهر، فالبعض يستدين لشراء سيارة فارهة يتباهى بها أمام الناس، كي يشار إليه بالبنان.
البعض يتفنن في تصميم فيللته، وحتى بابها يفصّله في إيطاليا ويكلف ما يوازي بناء بيت متواضع لأحد الفقراء. آخرون يتباهون بـ»معرفتهم» اللا محدودة لموضوع حديث الجلسة. آخرون يتباهون بإقامة حفلات أعراس أبنائهم في فنادق «سوبر خمسة نجوم»، ويفخرون بارتفاع تكاليف الحفلات التي أقاموها، وأن فستان عرس ابنتهم جرى تصميمه في باريس وجرى استيراده على طائرة خاصة من هناك، كما الأكل المقدم في الحفلة.. وهكذا دواليك. نعم هناك أناس وبعد أن دخلوا إلى نادي الأغنياء، يخجلون من تاريخ فقر عائلاتهم، وكأن الفقر جريمة، يودون لو أن تواريخهم الشخصية تبدأ من اللحظة التي أصبحوا فيها أغنياء. للأسف كثيرون يعتبرون أن استعمال كلمات أجنبية أثناء حديثهم، الذي غالبا ما يكون تافها في مواضيعه، هو الرّقي بحد ذاته، وبعضهن يتفاخرن بعدد العاملات (الخدّامات- من وجهة نظرهن- في بيوتهن). وصل الأمر بالبعض حتى إلى الخجل من انتمائهم العربي إذا ما حازوا جنسيات أخرى! كل ذلك يندرج في الحرص على ما جرى تسميته بـ»البريستيج».
كل هذه السلوكيات تندرج في باب «حب المظاهر»، الذي هو وفقا لعلماء النفس يعتبر مرضا سلوكيا على خلفية ارتداء شخصية جديدة، والمعبّر بالضرورة عن شعور بالنقص (عقدة) يحاول صاحبها من خلال المظاهر، التعويض عنها.
هذه القضية هي أيضا مرض اجتماعي لا يولد مع الإنسان، بل هو سلوك مكتسَب يؤدي إذا ما استفحل لدى صاحبه إلى نوع من الاكتئاب، إذا ما وصل سالكه إلى وضع لا يستطيع فيه مضاهاة الآخرين مثل السابق. حب المظاهر في جوهره تعبير عن الخواء الداخلي للإنسان، ويتحول إلى مظاهر مسلكية مرضية أخرى: كالأنانية والجشع في سبيل الاستمرار في ممارسة النهج ذاته، الانحراف المادي، التنازل عن كل الجوانب الأخرى الإيجابية في الشخصية، وأخيرا لا آخرا، يؤدي إلى «الشخصية الهستيرية» بكل سلوكياتها، ومن أبرزها: الاستغراق في الخيال، المبالغة والتهويل، الاستعراض والتكلف، الانقياد، الاعتماد على الكبت كخط دفاع أساسي، امتلاك الاستعداد لتكثيف الانفعالات وتحويلها إلى أعراض جسمية.
الغريب أن مليونيريي الغرب وأغنيائه لا يمارسون ما يمارسه مليونيريونا من مظاهر ثراء فاحشة، ثم أنهم لا يرتكنون إلى المال ويجلسون في بيوتهم، بل يعملون هم وأبناؤهم في شركاتهم ومؤسساتهم مثل الآخرين.
إن هذا المظهر السلوكي يؤدي في نهاية الأمر، إذا ما انتشر وعمّ، إلى انقلاب في المفاهيم المجتمعية، (التي سبق أن كتبنا عنها في حلقة تحت هذا العنوان)، وبالفعل نعيش عصرا من اختلال القِيَم والمفاهيم النبيلة والأصيلة، مع تصاعد في وتيرة انتشار السلوكيات المشوشة، التي تشجع على الغموض والتناقض مع الذات في الكثير من الأحيان. إن هذا المظهر يشجّع بالضرورة على توسيع النمط الاستهلاكي في الحياة. هذا المظر المسلكي الخاطئ بحاجة إلى العلاج، من خلال إصرار صاحبه على تغيير مسلكيته، ومن خلال مساعدة الاختصاصيين في هذا المجال، هذا المسلك يقود إلى تدمير ذاتي تدريجي لصاحبه.
إن من أمراضنا أيضا، الاتكالية، وتعني ترك الأسباب بالتقاعس والتكاسل عن القيام بالأعمال ومتابعتها، على الله، وعلى الآخرين. هي عادة ممجوجة وقبيحة، ذلك أنه في الإسلام: أن النبي الكريم قال في حديث نبوي شريف: «إعقل وتوكل» فلا يمكن ترك الناقة من دون عقالها،والارتهان للاتكال على الله حفظا لسلامتها. زار الفاروق الخليفة العادل عمر بن الخطاب، المسجد، فرأى شيخا تقيا دائم الصلاة، يمكث في المسجد آناء الليل وأطراف النهار مصليا وداعيا ربه. سأل الخليفة الحاضرين عن الشيخ وعمّن يطعمه ويسقيه؟ أجابوه: كلنا… وصفوا له تقاه وورعه! أجابهم الخليفة: كلكم خير منه، وما كان منه إلا أن ركله بقدمه داعيا إيّاه إلى الذهاب للعمل. الإسلام هو دين العمل وإنجاز المهمات والأعمال. تماما مثل كل الشرائع والأعراف في المجتمعات. إنجاز المهمات يحتاج إلى جهد وساعات عمل.. ولا يمكن لغير المعني بها إنجازها، والآخرون ليسوا معنيين بها! المعني بالإنجاز هو من عليه إنجاز المهمة. عندما تسأل أحدهم عن الموعد المتوقع لإنجاز مهمة محددة؟ يحاول التهرب من الإجابة الدقيقة بالقول: إن شاء الله ستنجز قريبا ولكن في أي موعد؟ هذا يظل مجهولا. بالطبع الاتكال دوما على الله، ولكن يتوجب أن يكون هناك موعد للإنجاز، وهذا يعتمد على الجهود المبذولة فيه.
من أمراضنا أيضا: الميل إلى التأجيل دوما في إنجاز الأعمال. المثل يقول: «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد»، الذي يحصل أن تأجيل عمل ثم آخر وآخر… يراكم الأعمال ويصعّب من حلها! ثم تبدأ شكوى وأنين من عليه القيام بها، ناسيا أو متناسيا إهماله ويصبح بالتالي، العمل الذي يحتاج إنجازه إلى ساعات محدودة يتأجل إلى شهر أو شهرين أو حتى إلى أكثر من ذلك.
الحقيقة الأكيدة: أن التطور ومواكبة العصر يقتضيان الديناميكية الكفيلة بإنجاز المهام والأعمال الموكولة للشخص، للمؤسسة، للجهة، للهيئات المعنية في أوقاتها، من دون تأخير أو افتعال صعوبات وعقبات هي غير موجودة سوى في مخيلة من يحاول التبرير الدائم للتقصير الملازم له.. والتبرير هو في حقيقته اختلاق لأسباب غير موضوعية يدرك مخترعها أنه نفسه غير مقتنع بها، أي أن الإنسان والحالة هذه يكذب على نفسه، وهذا هو الفرق بين التبرير والكذب المتمثل في تزييف الحقيقة على الآخرين… وإلى اللقاء في حلقة قادمة من هذه السلسلة.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد