الأزمة في أوكرانيا.. الوقاحة الإسرائيلية والعبرة الفلسطينية

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

تواصل إسرائيل محاولة إمساك العصا من طرفيها والسير بين نقاط الأزمة الروسية- الأوكرانية وتكتفي بتصريحات مخففة ومتفاوتة على لسان قادتها فيبدون أنهم يتقاسمون الأدوار لمواصلة التهرب من موقف واضح.

ويجري ذلك وسط قلق من تبعات الحرب عليها في عدة جبهات ومستويات منها ما يتعلق بإيران وتمددها في المنطقة وبتطلعاتها النووية وبموازين القوى في الشرق الأوسط في ظل تراجع قوة ودور الولايات المتحدة في العالم. وخلال ذلك تحاول أوساط إسرائيلية سياسية وإعلامية التباكي على أوكرانيا وعلى محنة الشعب الأوكراني الذي يتعرض للاحتلال والبرد والموت الآن وسط تجاهل صارخ يصفه البعض بالوقح والسافر لاحتلالهم للأراضي الفلسطينية وإمعانهم في ارتكاب الجرائم والانتهاكات البشعة للحقوق الفلسطينية وللمواثيق الدولية.

وبعد عدة تصريحات اقتصرت على دعوة الإسرائيليين بالخروج من أوكرانيا ودعوة اليهود فيها للهجرة للبلاد كان رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت قد اكتفى بالقول “هذه لحظات صعبة ومأساوية، وقلوبنا مع مواطني أوكرانيا الذين وجدوا أنفسهم في وضعٍ كهذا دون إثم اقترفوه”.

لم تسم الولد باسمه

من جهتها أعربت وزارة الخارجية الإسرائيلية عن قلقها حيال التصعيد الخطِر في الأزمة، لكنها لم تصل إلى حد تسمية روسيا أو إدانة أفعالها وقال بيان صادر عنها “إن إسرائيل تشارك المجتمع الدولي قلقه بشأن الخطوات المتخذة في شرق أوكرانيا والتصعيد الخطِر في الوضع، وتأمل بحل دبلوماسي يؤدي إلى الهدوء، وهي مستعدة للمساعدة إذا طُلب منها ذلك”.

واكتفت بالقول إن إسرائيل تدعم وحدة أراضي وسيادة أوكرانيا، وإنها قلقة بشأن مصير المواطنين الإسرائيليين والجالية اليهودية في المناطق المتضررة. وأشارت خارجية الاحتلال إلى أن إسرائيل مستعدة وراغبة في نقل المساعدات الإنسانية إلى أوكرانيا على الفور، وفقا لحاجاتها، وهي على اتصال بالسلطات الأوكرانية فيما يتعلق بالموضوع.

المعضلة الإسرائيلية

وقال المعلق السياسي الإسرائيلي ايتمار آيخلير إن إسرائيل في ظل ضغط أمريكي ستحتاج لاتخاذ قرار حول انضمامها لدول الغرب في إدانة روسيا على غزوها لأوكرانيا.

ويرجح آيخلير في مقال نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن ينتقل النقاش في الأمم المتحدة حول الأزمة من مجلس الأمن إلى الجمعية العامة بسبب فرض موسكو حق النقض الفيتو على أي قرار إدانة في مجلس الأمن.

ويقول آيخلير إنه بناء على تصريحات وزير خارجية الاحتلال يبدو أن إسرائيل لن تملك خيارا سوى الانضمام للدول التي ستصوت لجانب قرار أممي يدين روسيا.

افتتاحية هآرتس

من جهتها دعت صحيفة “هآرتس” في افتتاحيتها صباح الجمعة إسرائيل إلى الانحياز للجانب المحق من التاريخ واعتبرت أقوال بينيت إن “قلوبنا مع مواطني أوكرانيا وإسرائيل ستمد يد العون” وتنديد يائير لابيد بغزو الأراضي الأوكرانية “بداية جيدة” لكنها غير كافية من ناحية إسرائيل وسياساتها.

وتابعت “هآرتس” في افتتاحيتها: “طيلة 14 سنة، منذ حرب جورجيا عندما قامت روسيا بزعامة بوتين بأول غزو لدولة مجاورة وإسرائيل تلتزم الصمت وقد بلعت لسانها عندما غزت روسيا شرق أوكرانيا عام 2014 وضمت شبه جزيرة القرم ووقتها امتنعت إسرائيل عن التصويت في الأمم المتحدة عندما طرح مشروع قرار لإدانة روسيا”.

حسم الحرب بدون رصاصة واحدة

وقال محرر الشؤون الدولية في القناة العبرية 13 نداف ايال إنه لم يستخدم بعد “سلاح يوم القيامة” لأن الغرب اختار عدم فرض عقوبات على النفط الروسي والرئيس بايدن يدرك أنه سيخسر الانتخابات بحال ارتفعت أسعار الوقود في الولايات المتحدة.

ويقول إنه حتى الآن تقف أوكرانيا وحيدة في وجه روسيا وعقوبات عسكرية غربية لا تبدو في الأفق. ويقول أيال أيضا إن سلة العقوبات التي أعلنتها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي هي العقوبات الأوسع حتى الآن في العالم معتبرا أن الرسالة الصادرة عن خطاب بايدن واضحة جدا: “إرسال جنود أمريكيين للجبهة لا، أما ضربات اقتصادية، فنعم”.

المصالح الإسرائيلية الروسية في سوريا

ويوضح المحلل العسكري يوسي يهوشع أن تصريحات الساسة الإسرائيليين ضد روسيا تذكر بالقدرات الروسية التي تملكها موسكو في سوريا القادرة على تشويش الفعاليات الإسرائيلية فيها.

ويعتبر يهوشع أن الامتحان يكمن بحرية التحرك والعمل المستقبلي في سوريا منوها لبدء الجيش الإسرائيلي الاستعداد لـ”فترة برود” مؤقتة في العلاقات مع روسيا. ويتابع “في المدى المنظور الفوري فإن الزاوية الإسرائيلية بين روسيا وأوكرانيا هو ما يجري داخل سوريا. كيف سيتصرف الروس مقابل هجمات سلاح الجو الإسرائيلي ضد أهداف إيرانية وأهداف حزب الله على الأراضي السورية؟”.

ويشير المعلق الإسرائيلي يهوشع لتعزيز التعاون الأمني بين الجيش الإسرائيلي وبين جهات روسية على أساس المصلحة المشتركة بإقصاء إيران وتقييدها في سوريا كل حسب دوافعه.

ويعتبر يهوشع أيضا أن الامتحان القريب سيكون لاحقا في حراك سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية حيث يستطيع الروس تشويش عمله بشكل دراماتيكي. ويستذكر مبادرة روسيا لنصب بطاريات صواريخ متطورة من طراز “إس 400″ و”إس 300” في سوريا وهي قادرة على تغطية كافة المناطق الإسرائيلية.

حرية حركة الطائرات الإسرائيلية في سوريا

ويرى يهوشع أنه على خلفية تصريحات جهات إسرائيلية تحاول السير بين الدولتين العظميين الولايات المتحدة وروسيا فإن الامتحان سيكمن بالسؤال هل ستستمر حرية الحركة الإسرائيلية في سماء سوريا بهدف منع وصول المساعدات الإيرانية لحزب الله ومحاولة تمكينه من استكمال خطة تطوير الصواريخ الدقيقة علاوة على منع تموضع طهران في سوريا؟

كما يشير المحلل العسكري الإسرائيلي يهوشع إلى أن إسرائيل بحاجة أيضا لروسيا في صراعها من أجل منع إيران من حيازة سلاح نووي في ظل تبلور اتفاق جديد في فيينا يبدو أسوأ من اتفاق فيينا السابق. ويقول يهوشع أيضا إنه في ظل حالة الضعف الأمريكي فإن الحرب في أوكرانيا تدلل على الحقيقة بأن إسرائيل ستضطر للاعتماد على ذاتها فقط في حرب شاملة مستقبلية وبالتالي هي بحاجة لتعزيز قدراتها المستقلة، منوها أن إسرائيل بعكس أوكرانيا تتمتع بتفوق تكنولوجي عملياتي واستخباراتي في المنطقة لكنها تواجه مشكلة مهمة تلزم بمعالجة فورية وهي هروب الأدمغة والقوى العاملة النوعية من الجيش.

التباكي الإسرائيلي والعبرة الفلسطينية

في المقابل يتساءل كثيرون عن ازدواجية معايير الغرب واستبدال المنظومة الأخلاقية بالمصالح ففي 1991 شن الغرب حربا على العراق وأخرج قواته من الكويت ثم عاد واحتله وقام بتدميره في 2003 بحجة حيازة منشآت نووية تهدد السلم العالمي. ويشير مراقبون محليون إلى أن هذا الغرب نفسه اليوم يكتفي بالثرثرة والتهديدات الاقتصادية على احتلال روسيا لأوكرانيا ويقولون إنه لم يطلق النار على العراق وقتها دفاعا عن الكويت بل طمعا بنفطه ولا حفظا للسلم العالمي بقدر ما هو ضرب دولة عربية قوية (بدعم جهات عربية) هددت البنت الإسرائيلية المدللة وموازين القوى في المنطقة.

ويلتقط كثير من المراقبين المحليين العبرة الفلسطينية الأهم من أزمة أوكرانيا: العالم يتحدث عن الأخلاق في الهواء وعلى الأرض يعمل وفقا للمصالح وإنه في السطر الأخير العالم لن يؤثر على الاحتلال الإسرائيلي حتى لو استمر ألف قرن. ويرون هم أيضا بالتزامن مع عدم إفصاح منظمة التحرير والرئاسة الفلسطينية عن موقف من الأزمة في أوكرانيا أن الفلسطينيين بمقدورهم الاعتماد فقط على أنفسهم في سبيل حريتهم واستقلالهم واستعادة حقوقهم لأن العالم مصاب بجائحة “ازدواجية المعايير” وأن التنازل عن أوكرانيا دليل فاضح وفظ على ذلك.

وتبدو إسرائيل وهي تبكي على أوكرانيا (كما يظهر في بياناتها وإعلامها ضد “الدكتاتور بوتين”) في الواقع تهتم بمصالحها فقط ومنها وجود عدد كبير من اليهود في روسيا وأوكرانيا وهي أيضا تتباكى أو تبكي على ذاتها قلقا من تبعات الحرب عليها وعلى المنطقة: تراجع قوة الولايات المتحدة واستفادة إيران من الأزمة (في سوريا وفي اتفاق فيينا النووي).

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية