واشنطن ـ «القدس العربي»: بدأ الجيش الروسي هجوماً على أوكرانيا بلا مبرر أو ضرورة أو أي نوع من الاستفزاز، ولكن رد إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن والدول الغربية لم يتجاوز الإدانة مع جولة جديدة من العقوبات والتهديدات.
وقال الرئيس جو بايدن إن الغزو الروسي لأوكرانيا يمثل جهداً واضحاً لتوسيع النفوذ يجب مواجهته، مؤكداً أن الهجوم لم يكن يتعلق أبداً بمخاوف أمنية حقيقية وأن العدوان السافر كان يرتبط فقط برغبة (الرئيس الروسي) بوتين في إقامة إمبراطورية بأي وسيلة. وأعلنت إدارة بايدن يوم الخميس عن جولة ثانية من العقوبات ضد موسكو تستهدف المزيد من مؤسساتها المالية والنخب الروسية وعائلاتهم وشركاتهم، كما قام بايدن بتقييد صادرات التكنولوجيا الرئيسية المهمة لصناعة الدفاع الروسية ومنع الدول الأخرى من تصدير سلع إلى روسيا تشمل برامج أو معدات أمريكية الصنع.
ووصف بايدن العقوبات بأنها «عميقة» ولكنه حذر من أن تأثيرها سيستغرق على الأرجح شهراً على الأقل لإلحاق ألم حقيقي بالكرملين.
وفي غضون ذلك، تستعد إدارة بايدن لمعاقبة الهجمات الإلكترونية الروسية، حيث من المحتمل أن تستهدف الجهود التي شوهدت بالفعل في أوكرانيا الولايات المتحدة وأوروبا، وقد تكون أشكال الانتقام الأخرى مميتة، حيث تحدث وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن خلال كلمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عن أن روسيا سعت لاستهداف العديد من الأوكرانيين بأعمال عنف، ووزعت البعثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة «قائمة قتل» وضعتها موسكو، كتحذير من جرائم حرب محتملة لبوتين.
العقوبات الاقتصادية
وقال محللون أمريكيون إنه يمكن للعقوبات المالية المفروضة على قطاع الطاقة الروسي أن تعيق الصناعات الأكثر أهمية اقتصادياً وجيوسياسياً في البلاد، ولكن مع خطر ارتفاع أسعار الغاز والطاقة للمستهلكين الأمريكيين والأوروبيين،
وتعتبر روسيا مصدراً مهماً لواردات الولايات المتحدة من الطاقة ومورداً رئيسياً للدول الأوروبية، التي قد تتكئ أكثر على أمريكا لتعويض الوقود غير المتاح من روسيا.
وحذر بايدن من أن المستهلك الأمريكي سيتأثر من الجولة الأخيرة من العقوبات، ولكنه أكد أن «المشقة ضرورية» لمواجهة «متنمر عالمي».
ضغوط الكونغرس على بايدن
لم يضع أعضاء الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي أي وقت في الضغط على الرئيس بايدن لفرض عقوبات أكثر صرامة على روسيا، وقالوا إن العقوبات الاقتصادية المفروضة حتى الآن لا تكفي لمعاقبة بوتين.
وحث الديمقراطيون بايدن على تجاوز أحدث مجموعة من العقوبات، التي تهدف إلى الحد من قدرة روسيا بالوصول إلى رأس المال الأجنبي، وإعاقة الحريات المالية للنخبة الثرية في موسكو، ومنع جيش بوتين من الحصول على أحدث التقنيات العالية.
وجادل المشرعون الأمريكيون بأن التوغل العسكري الشامل في أوكرانيا يستحق أشد العقوبات الممكنة.
وقال رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، بوب مينينديز إنه لا يزال هناك المزيد مما يمكن وينبغي أن يفعله صانعو السياسة في واشنطن، وأضاف «يجب أن لا يخجل الكونغرس وبايدن من أي خيارات».
واقترح مينينديز على وجه التحديد معاقبة البنك المركزي الروسي، وإزالة البنوك الروسية من نظام سويفت واستهداف الصناعات الروسية الرئيسية، وقال: «يجب أن يشعروا بألم حاد بسبب جرائمهم».
وأكد زعيم الأقلية بمجلس الشيوخ، ميتش ماكونيل، أنه حث بايدن على بذل المزيد من العقوبات وتقديم المساعدة لمحاربة الجيش الروسي.
وأكد السيناتور الجمهوري بات تومي أن تحركات بايدن الأولية، على الرغم من الترحيب بها، من المرجح أنها غير كافية لردع بوتين عن المزيد من العدوان.
قلق من الشراكة بين موسكو وبكين
ولاحظ محللون أمريكيون أن الغزو الروسي لأوكرانيا أظهر الشراكة الوثيقة المقلقة بين بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ، وقالوا إنه على الرغم من استمرار روسيا والصين بالتعاون في العديد من المصالح الاقتصادية والجيوسياسية والأمنية المختلفة، إلا أن الشراكة الجديدة بين موسكو وبكين تشير إلى انفتاح غير مسبوق لتأسيس نظام عالمي جديد، مع الإشارة إلى أن هذا النظام الجديد يقوم على تراجع التفوق الأمريكي العالمي.
وتحدث المحللون الأمريكيون عن إزدراء بوتين وبينغ لحقوق الإنسان والحريات والتجاهل التام للانتخابات النزيهة، وقالوا إن هناك محاولات من بكين وموسكو لزعزعة الاستقرار والمطالبة بدول ضعيفة تعتبر ضمن نطاق مناطق النفوذ- أوكرانيا بالنسبة لروسيا وتايوان بالنسبة للصين.
وأكد العديد من المحللين أن الشراكة المزدهرة بين اثنين من أقوى الأنظمة الاستبدادية تشكل تهديداً نشطاً ومتزايداً للاقتصاد العالمي، واستمرارية القيم الديمقراطية في جميع أنحاء العالم وحقوق الإنسان في كل مكان.
ولاحظ المحللون الأمريكيون أن الأزمة الحالية بين روسيا وأوكرانيا ليست سوى معركة واحدة ضمن حرب عالمية أكبر جارية بالفعل: الحرب بين الديمقراطية والاستبداد، وقالوا إنه من المؤسف أن الولايات المتحدة كانت منخرطة في هذه الحرب بشكل سلبي لسنوات عدة.
وأوضح محللون أن السياسة الخارجية الانعزالية للرئيس السابق دونالد ترامب، خاصة فيما يتعلق بعلاقة أمريكا مع حلف شمال الأطلسي، واحترامه لبوتين وعدم قدرته على الاعتراف بتدخل روسيا في انتخابات 2016 أدت إلى الخروج بانطباع بأن الديمقراطية الأمريكية كانت في حالة تدهور.
وفي أعقاب الانسحاب الفوضوي لإدارة بايدن للقوات الأمريكية من أفغانستان، استخدم خصوم الولايات المتحدة الفشل الذريع لتصوير أمريكا كشريك دولي ضعيف وغير موثوق به وإضعاف مصداقية الجهود الأوسع لنشر الديمقراطية عالمياً.
وأكد المحللون أن تآكل الهيمنة الأمريكية على المسرح الدولي قد شجع العديد من المستبدين مثل بوتين وشي على توسيع نفوذهم، وعلاوة على ذلك، قال المحللون إن الشراكة بين روسيا والصين تتطلب مشاركة أكثر نشاطاً وأقوى من الولايات المتحدة في حماية الديمقراطية في آسيا وأوروبا وحول العالم.
وخلصت قراءة الخبراء للشراكة بين موسكو وبكين إلى أن الرئيس بايدن يجب أن يكون أكثر حزماً وقوة في الدفاع عن أوكرانيا، ولكنهم أشاروا إلى أن بايدن قال علناً إن «القوات الأمريكية لن تتحرك إلى أوكرانيا» للدفاع عن سيادة البلاد، ومن الواضح أن حسابات بايدن السياسية تتقدم بحذر عندما يتعلق الأمر بالتعهد بإرسال قوات أمريكية إلى الخارج، بالنظر إلى الإذلال المحلي والدولي الذي واجهه في أعقاب كارثة أفغانستان.
وأشار الخبراء إلى أن تعهد بايدن بنشر القوات فقط في الدول الأعضاء في الناتو، ولكن ليس إلى أوكرانيا، كان يعني رسالة غير مباشرة لبوتين بشكل فعال بأن أمريكا لن تتدخل عسكريا خارج حدود الحلف، وبعبارة أخرى، منح بايدن الطمأنينة التي يحتاجها بوتين لغزو أوكرانيا ومواصلة توسيع نطاق نفوذ روسيا في المنطقة.
تايوان بعد أوكرانيا
رد فعل إدارة بادين على الغزو الروسي لأوكرانيا يشير وفقاً للعديد من المحللين الأمريكيين، إلى أن أمريكا لن تأتي للدفاع عن تايوان عسكرياً، على الرغم من تعهد بايدن خطابياً بدعم تايوان إذا استمر البر الصيني في اتخاذ إجراءات عدوانية في بحر الصين الجنوبي وبالقرب من المجال الجوي لتايوان.
وأوضح الخبراء أن إدارة بايدن لم تضع خطة عمل لمواجهة الصين، ولم يُقابل خطاب بايدن الصارم ظاهرياً حول عدوان الحزب الشيوعي الصيني تجاه تايوان والأعمال غير الديمقراطية لقمع المعارضة في هونغ كونغ بأفعال مماثلة.
وأضاف المحللون الأمريكيون أن عدم قيام الولايات المتحدة برد قوي وحاسم بما فيه الكفاية على الغزو الروسي لأوكرانيا سيؤدي إلى قيام الحزب الشيوعي الصيني باتخاذ إجراءات عدوانية أكثر جرأة ضد تايوان، وعلاوة على ذلك، إذا شعرت تايوان بأن أمريكا، الداعم الأبرز لاستقلال الجزيرة، شريك دولي غير موثوق به، فإنها قد تكون أكثر استعداداً لقبول شروط حكم البر الرئيسي الصيني بدافع الخوف.
البنتاغون وأوكرانيا
وقد أظهرت المحادثة الأخيرة بين وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن مع وزير الدفاع الأوكراني أوليكسي ريزنيكوف، الخميس الماضي، مع استمرار التوغل العسكري الروسي ضد أوكرانيا، مدى حدود الخيارات الأمريكية مع العدوان الروسي، إذ أكد البنتاغون أن أوستن أوضح بأن «دعم أمريكا لسيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها لا يتزعزع» ولكن هذا الدعم لم يظهر بشكل عسكري إلا عبر تقديم مساعدات دفاعية عادية.