يثير اجتياح القوات الروسية لأوكرانيا، والرد عليه من جانب الولايات المتحدة سؤالين كبيرين، يتعلق أحدهما بطبيعة الاجتياح والثاني بطبيعة الرد. الاجتياح الروسي يعني أن قوة نووية رئيسية، تحتل مقعدا دائما في مجلس الأمن، وتتمتع بحق الفيتو، تتصرف وكأنها فوق القانون الدولي، ويقرر رئيسها تغيير الحدود بالقوة، وتغيير النظام السياسي لبلد مجاور بالقوة. أحد الأهداف الرئيسية للغزو هو تغيير النظام السياسي القائم في كييف. وفي هذا فإن روسيا تسلك الطريق نفسه الذي ابتكرته ونفذته وروجت له الولايات المتحدة منذ بداية القرن الحالي. فهل تصبح القاعدة الجديدة في النظام الدولي هي «القوة فوق القانون»؟
إذا كان امتلاك القوة النووية يحمي المعتدي من العقاب، فإن الرد على ذلك هو ترسيخ اليقين بأن امتلاك القوة النووية يصبح ضرورة من أجل امتلاك الحد الأقصى من الردع الذي يمنع المجرم من ارتكاب الجريمة، طالما كان يعلم مسبقا أنه سيتعرض لخطر الفناء. وربما هذا هو ما تسعى إليه إيران حاليا؛ أي امتلاك القوة النووية للوقاية من تهديد «تغيير النظام».
السؤال الثاني يتعلق بجوهر العقوبات الاقتصادية التي أعلنتها دول الناتو. هذه العقوبات لا تضاهي قوة التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن أو رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في الأسابيع الأخيرة. ويعرف المسؤولون في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا أن العقوبات الاقتصادية التي فرضوها على بوتين عام 2014 بعد حرب القرم كان وما يزال تأثيرها ضعيفا، فلا هي زحزحت قواته من القرم، ولا هي ردعته عن غزو أوكرانيا. فإذا كانت العقوبات الاقتصادية فشلت في المرة السابقة فلماذا تنجح الآن؟
قدرة بوتين على التحمل
يسود اعتقاد في الدوائر السياسية الغربية خصوصا في «البيت الأبيض» و«داوننغ ستريت» أن تأثير العقوبات سيتجاوز حدودها الاقتصادية إلى تداعيات سياسية قد تسفر عن سقوط سلطة بوتين في الكرملين وتأتي بغيره. جوزيف بايدن في واشنطن يعتقد أن العقوبات ستؤدي إلى تحول كبير في الرأي العام الروسي ضد بوتين، بما يمهد لصعود المعارضة وإسقاطه، أو إضعافه على الأقل، بينما بوريس جونسون في لندن يعتقد أن العقوبات على الأوليغارشيين الروس أصدقاء بوتين، قد تؤدي إلى تحولهم ضده والانقلاب عليه. البعض ربما يقول أن تلك هي مجرد أضغاث أحلام. ومع أن السياسة لا تعرف المستحيل، فإننا سنفترض بقاء الوضع على ما هو عليه، لنرى هل يستطيع بوتين أن يتعايش مع عقوبات 2022 كما تعايش مع عقوبات 2014؟
لقد تعلم بوتين من تجربة عقوبات 2014 أن الاعتماد المفرط على الدولار في تسوية المدفوعات الدولية يمثل خطرا يجب التحوط له. كما تعلم أن الإفراط في المعاملات التجارية مع الغرب هو خطر يستلزم تنويع التجارة جغرافيا. وبناء على ذلك فقد أنفق السنوات الثماني الماضية في إعداد نفسه لليوم الموعود 22/2/2022 الذي قرر فيه غزو أوكرانيا.
كان بوتين يعرف مسبقا بشكل عام أن دول حلف الناتو سترد على اجتياحه أوكرانيا بعقوبات اقتصادية أشد من تلك التي تعرض لها بعد حرب القرم، فاستعد. وكان هدف الاستعدادات التي قام بها هو زيادة قدرة روسيا على تحمل تأثير العقوبات، فتضمنت أهداف سياسته لتقليل أثر العقوبات: زيادة رصيد الاحتياطي من النقد الأجنبي حتى وصل إلى 630 مليار دولار في نهاية الشهر الماضي، أي ما يعادل 42 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي لروسيا. كما ضاعف رصيد روسيا من الذهب ليرتفع من 1112.5 طن عام 2014 إلى 2298.5 طن خلال ثماني سنوات، لتحتل روسيا المركز الخامس عالميا والرابع أوروبيا. ولدى روسيا أيضا رصيد مؤكد من الذهب الخام يبلغ حوالي 7500 طن يضعها في المركز الثاني عالميا. ومع الارتفاع في أسعار النفط والغاز في العام الحالي فمن المتوقع أن يواصل رصيد النقد الأجنبي الارتفاع، حيث أن السعر التوازني للنفط في الميزانية يبلغ 45 دولارا للبرميل، وما فوق ذلك يعتبر فائضا.
تقليل أضرار عقوبات نظام «سويفت»
هذا يعني من الناحية المالية أن بوتين ينام على وسادة مريحة جدا من الذهب واحتياطي النقد الأجنبي، وأن التقلبات في سعر الروبل مقابل العملات الأجنبية لا تعنيه كثيرا، بل إن انخفاض سعر الروبل يرفع حصيلة صادرات روسيا عندما يتم تقويمها بالعملة المحلية. ويأتي ارتفاع الأسعار في مصلحة روسيا باعتبارها دولة مصدرة للغذاء مثل القمح والزيوت النباتية، والمعادن مثل النحاس والألومنيوم والنيكل. ومع ذلك فقد تحوط بوتين لانخفاض سعر الروبل بزيادة الغطاء من النقد الأجنبي والذهب، وكذلك بالتوسع في اتفاقيات تسوية المعاملات التجارية بالعملات المحلية مع شركاء روسيا التجاريين، وكذلك اتفاقيات مبادلة العملات currency swap بين البنك المركزي الروسي وعدد كبير من البنوك المركزية في الدول الصديقة لروسيا مثل الصين ومصر وإيران وغيرها. ويتردد أيضا أن روسيا أقامت في بروكسل مركزا لتسوية المبادلات التجارية باليورو واليوان والروبل، بعيدا تماما عن نظام «سويفت» الذي تدخره الولايات المتحدة ليكون بمثابة القنبلة الكبرى في قائمة العقوبات الاقتصادية. بوتين توقع ذلك وقد تحوط ضده.
هذا لا يعني أن الاقتصاد الروسي لن يتعرض لأي مخاطر أو أضرار. وقد شهدنا فعلا خلال الأيام الأخيرة تراجعا حادا في أسعار أسهم الشركات الرئيسية، وهبوطا حادا لقيمة سندات الخزانة، وهو ما يعني ارتفاعا صارخا في العائد، أي زيادة تكلفة الاقتراض الحكومي من الخارج، في حال أرادت الحكومة إصدار سندات وهو افتراض نظري بحت، لأن العقوبات تضمنت حظر إصدار أو تداول سندات الحكومة الروسية. هذه التداعيات يمكن أن تترك آثارا سلبية على استقرار النظام المصرفي وأسعار الفائدة ومعدل التضخم المحلي.
ونلاحظ كذلك أن السياسة التجارية الروسية اتجهت إلى تكثيف العلاقات مع الصين ودول آسيا الوسطى وتركيا وإيران والهند والدول العربية ودول أمريكا اللاتينية. وشهدت السنوات الأخيرة مد خطوط أنابيب النفط والغاز إلى الصين. ووقع البلدان في الأيام الأخيرة اتفاقية تسمح للصين باستيراد كميات غير محدودة من القمح الروسي، بعد أن قررت الصين إلغاء التزامها بالعقوبات الأمريكية.
وقد فشلت الولايات المتحدة في إقامة تحالف عالمي لفرض عقوبات موحدة على روسيا. لكن ذلك لم يمنع مجموعة من الدول إلى جانبها تشمل بريطانيا والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا واليابان ونيوزيلندا، اتفقت معا على استخدام سلاح العقوبات، مع ترك الحرية لكل دولة تختار ما تشاء منها. على سبيل المثال فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أكبر بنك روسي هو «سبيربانك» في حين لم تشمله بريطانيا بالعقوبات. وفرضت بريطانيا حظرا على رحلات طيران ايروفلوت، في حين أن دولا أخرى لم تفعل. هذا النهج الانتقائي وعدم الاتفاق على قائمة واحدة من العقوبات يخلق ثغرات في منظومتها ككل ويجعلها أقل تأثيرا.
إفلات الغاز من العقوبات
السؤال الرئيسي في العقوبات المعلنة حتى الآن يتعلق بقطاع النفط والغاز، الذي أفلت تقريبا من العقوبات المباشرة باستثتاء الشركة صاحبة امتياز تشغيل خط نوردستريم2 للغاز التي خضعت لقرار ألمانيا بتعليق الموافقة على ترخيص تشغيل الخط، وهو ما رفع أسعار الغاز في السوق بنسبة 50 في المئة. وتستفيد روسيا بارتفاع الأسعار نظرا لأن الأثر الايجابي لذلك يمكن أن يقلل الأثر السلبي لانخفاض الصادرات، وهو ما قد يشجع روسيا على توجيه ضربة قاتلة لأوروبا بوقف أو تقليل إمدادات النفط الغاز المتجهة غربا ولو لأسبوع واحد.
ويرتبط إفلات قطاع الطاقة الروسي من العقوبات بخريطة توزيع الطاقة في العالم، وفشل أوروبا على وجه التحديد في تخفيف اعتمادها على النفط والغاز من روسيا، وهي تعلم أنها يمكن أن تستخدم الطاقة سلاحا سياسيا، لأنه معلوم للكافة منذ سبعينات القرن الماضي أو منذ الحرب العربية- الإسرائيلية عام 1973 أن النفط يستخدم كسلاح سياسي، وأن ذلك يصدق على كل السلع الإستراتيجية.
لماذا فشلت أوروبا في تحقيق هدف «استقلال الطاقة»؟
زاد اعتماد أوروبا على امدادات الطاقة الروسية (الغاز الطبيعي والنفط والفحم) في العقود الثلاثة الأخيرة على الرغم من التحذيرات والدعوة إلى زيادة معدلات الاعتماد على النفس والتحول إلى مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، وإعادة الاعتبار إلى محطات الكهرباء التي تعمل بالطاقة النووية. وبسبب الفشل في زيادة الاعتماد الذاتي أو تنويع مصادر الإمدادات فإن معدل الاعتماد على روسيا وصل إلى حوالي 40 في المئة في المتوسط، ويرتفع إلى أكثر من 50 في المئة في ألمانيا وإلى ما يقرب من 80 في المئة في دول مثل سلوفاكيا والمجر بلغاريا.
كذلك لم تستطع دول الاتحاد الأوروبي تطوير خطوط أنابيب نقل الغاز وشبكات التوزيع في الاتجاه من الجنوب إلى الشمال، وذلك على العكس من الاهتمام المتزايد بتعزيز الاستثمارات في الشبكات الممتدة من الشرق إلى الغرب. وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن إنشاء مراكز لاستقبال وضخ الغاز المسال في بلدان مثل اليونان وكرواتيا، بغرض السعي لزيادة الواردات من دول جنوب البحر المتوسط والشرق الأوسط، فإن المجهود الفعلي لتحويل هذا الحديث إلى مشروعات فعلية كان ضئيلا جدا. وربما كان السبب الرئيسي وراء ذلك هو رخص تكلفة الحصول على الغاز الطبيعي الروسي عبر خط يامال- أوكرانيا وخط السيل التركي الجنوبي. ونظرا لطبيعة العقوبات الاقتصادية التي تم إعلانها، وبرنامج التحوط المالي والتجاري الذي نفذه بوتين على مدى السنوات الثماني السابقة، فإن الرئيس الروسي يستطيع أن يستمتع بهوايته في التوسع، وهو يعرف مسبقا الثمن الذي سيدفعه وهو مستعد له. إن العقوبات المعلنة حتى الآن ستكون بمثابة طوق نجاة له من عقوبة جريمة الاجتياح، لأنها ستؤجج أغلبية الشعب الروسي الذي سيدفع الثمن ضد الغرب الذي فرضها. كما انها ليست أكثر من محاولة إبراء للذمة أو انقاذ ماء الوجه من جانب الولايات المتحدة وحلفائها بعد أن تُركت أوكرانيا تقاتل وحدها بدون صديق.