السياسي اللبناني أحمد فتفت: ولادة «الجبهة السيادية» ضرورة انتخابية وسياسية لملاقاة التحوّلات الدولية

حاورته: رلى موفّق
حجم الخط
1

في المسميات، يتولى السياسي الطبيب أحمد فتفت رئاسة «المجلس الوطني لرفع الاحتلال الإيراني عن لبنان». ليس بالأمر البسيط أن تكون في «بلاد الأرز»، حيث الاغتيالات جزء من الحياة السياسية اللبنانية، وترفع لواء تحريرها من نفوذ إيران الذي يبسطه بالوكالة «حزب الله». هو ابن الضنية الشمالية التي وُسمت عام 2000 في زمن الوصاية السورية بسمة الإرهاب. انتمى في السياسة، نائباً ووزيراً، إلى «تيار المستقبل»، لكنه كان من النواب الذي عارضوا انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، كاتباً بذلك نهاية نيابته، التي آلت إلى ابنه، ومتحرراً من القيود الحاكمة لسقفه السياسي في مناهضته لهيمنة السلاح الإيراني.
يرى أن مسألة التوصل إلى الاتفاق النووي أضحت أكثر صعوبة بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، ولكن إن حصل ذلك بنسخة العام 2015، أي من دون ملفي النفوذ الخارجي لإيران والصواريخ الباليستية، فإنه سيزيد حكماً في نفوذ «حزب الله»، لأنه يعني أن اتفاقاً، من تحت الطاولة أو فوقها، قد جرى لتبادل النفوذ الإيراني في المنطقة مقابل ضمان الأمن الإسرائيلي، وسبق أن شاهدنا تقاطع مصالح، وأحدها في ملف ترسيم الحدود مع إسرائيل.
يعتبر أن الوقت اليوم هو لتأسيس «الجبهة الوطنية السيادية» العابرة للطوائف والمناطق، التي نادى بها رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة في مؤتمره الصحافي قبل أيام، لمواجهة المشروع السياسي الاستراتيجي الذي يحمله «حزب الله» ويخرِّب لبنان في صيغته ودستوره وقوانينه واقتصاده وعلاقاته العربية والدولية. في نظره أن القوى السيادية في زمن «14 آذار» هي اليوم على المحك بعد «مانيفستو» السنيورة، والذي شرَّح المشكلة بوصفها مشكلة وطنية بامتياز. وهنا نص الحوار:
○ جرى الإعلان عن قرب التوصل إلى اتفاق بشأن النووي الإيراني، ماذا ستكون انعكاساته المباشرة على لبنان في المديين القريب والبعيد؟
• أعتقد أن الإعلان عن اتفاق قريب كان قبل الهجوم الروسي على أوكرانيا، وهذا معطى جديد قد يجعل مسألة الوصول إلى اتفاق أكثر صعوبة لأن التعاون الروسي – الأمريكي سيكون مختلفاً. إنما في حال حصول الاتفاق فيجب علينا بداية أن نعرف مضمونه، وما إذا كان كاتفاق العام 2015، أي يشمل فقط الموضوع النووي، ولا يأخذ بالاعتبار موضوعي توسّع إيران خارج حدودها وصواريخها الباليستية. هذا يعني أنه ربما يكون هناك اتفاق من تحت الطاولة، أو من فوقها، يشمل الأمن الإسرائيلي في المنطقة، وهناك تساؤل كبير: هل وُضع هذا الموضوع على الطاولة في ظل ما نراه من هدوء إسرائيلي في الوقت الراهن؟ ربما يكون هناك اتفاق ضمني على تبادل النفوذ الإيراني في المنطقة مقابل ضمان الأمن الإسرائيلي، تماماً كما كان يحصل سابقاً بين الأسد وإسرائيل، حيث كان الأسد يضمن الأمن لإسرائيل على حدود الجولان وهي تدعم استمراره في الحكم، قبل الحرب السورية وخلالها.
○ التسريبات تشي بأن الاتفاق يتضمن العودة إلى اتفاق الـ2015 من دون التطرّق إلى ملفي نفوذ إيران الإقليمي وصواريخها الباليستية؟
• نحن شهدنا تقاطع مصالح حقيقي بين الإسرائيليين والإيرانيين و«حزب الله»، وهناك دلائل على ذلك، أولاً بخصوص قضية ترسيم الحدود البحرية؛ فعندما يقول الرئيس نبيه بري (أحد طرفي «الثنائية الشيعية») في بيانه حول الاتفاق على الترسيم أنه سيكون بين لبنان ودولة إسرائيل، فهذا معناه أن هناك اعترافاً ضمنياً بوجود دولة إسرائيل. ثانياً، هناك تراجع عما سُمي بالخط 29 من قبل رئيس الجمهورية من دون أن يرفَّ جفن لا للرئيس بري ولا لـ«حزب الله»، هذا يعني أن هناك تفاهماً ضمنياً في هذا الاتجاه. فهل هذا سينعكس مزيداً من النفوذ الداخلي لـ«الحزب»؟ هذا احتمال وارد جداً أن تكون الانعكاسات مزيداً من النفوذ السياسي له في الداخل اللبناني، مقابل المحافظة على الهدوء التام الذي يسود الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة منذ العام 2006، وإن كانت تشوبه أحياناً أزمة طائرات مسيّرة أو ما يشابه بهدف ذر الرماد في العيون للتمويه على ما يجري في المفاوضات.
نعم إذا حصل هكذا اتفاق فربما سيكون الوضع الداخلي اللبناني أصعب، وسيزداد نفوذ «حزب الله» في الداخل اللبناني. يجب أن يكون هناك وعي لدى الرأي العام اللبناني أن هذا مرتبط أيضاً بإرادة إسرائيلية مشاركة في هذا القرار.
○ كيف سيُترجم «حزب الله» قبضته المتنامية في الانتخابات النيابية المرتقبة؟
• الانتخابات النيابية هي جزء من العملية السياسية العامة. عادة الانتخابات تُعبّر عن توازن قوى موجود على الساحة، ولا تفرز توازن قوى جديداً، ومن الواضح أن «حزب الله» يسعى جاهداً لجني مكاسب على حساب الجميع في الانتخابات المقبلة. بصراحة لدي توجس من أن يكون «الحزب» يسعى، بطريقة غير مباشرة، للحصول في مرحلة لاحقة على ثلثي مجلس النواب لفرض تغييرات أساسية في النظام اللبناني وفي الدستور اللبناني، من دون أن يظهر ذلك وكأنه مؤتمر تأسيسي أو كأنه يفرض الأمر بالقوة. نعم سيكون هناك انعكاس على الواقعين اللبناني والانتخابي، إنما هذا الانعكاس يجب أن يكون باتجاه آخر، فإذا توحدت المعارضة في وجه «حزب الله»، وأدركت كيفية خوض المعركة ورفعت الشعارات السياسية المحقة، تستطيع أن تجابه هذا التوجه رغم قناعتي بأن الانتخابات ليست هي الحل. هي جزء من الحل، ومن الضروري حصولها لسببين على الأقل، الأول: عندما نتكلم عن القانون والدستور فيجب أن نكون ملتزمين بما نقوله، وبأن تحصل الانتخابات في وقتها وأن نشارك بها. والثاني: مجرد وجود معارضة في المجلس النيابي، ولو ضعيفة، تؤهل دائماً لعملية سياسية، تماماً كما حصل بعد العام 2000. حينها ورغم وجود معارضة ضعيفة لكنها تمكنت من إيجاد قيادة حقيقية لانتفاضة «14 آذار» بعكس ما حصل مع انتفاضة «17 تشرين».
○ لكن اليوم يغيب العنوان السياسي السيادي ليس فقط عن المعركة الانتخابية لدى قوى المعارضة، بل حتى في أدبياتها السياسية؟
• علينا أن نحدّد عن أي معارضة نتحدث؟ إذا كنا نتحدث عن المعارضة التي تسمّي نفسها «المجتمع المدني» فهي مشتتة، ولكن إذا تحدثنا عن المعارضة التي ترفع دائماً لواء المواجهة مع «حزب الله» فكلام الرئيس فؤاد السنيورة (رئيس الحكومة الأسبق) واضح، وكذلك كلام حزب الكتائب، وحتى كلام وليد جنبلاط (الزعيم الدرزي) أصبح واضحاً بعدما قسا عليه «الحزب» في توجهاته، وأعتقد أنه عند المفصل سيكون لـ«القوات اللبنانية» موقف سيادي أوضح مما هو عليه الآن. هذه ضرورة انتخابية وضرورة سياسية يشعر الجميع بها. المشكلة هي: هل سيتمكنون من توحيد صفوفهم لخوض انتخابات تُحرز عدداً متقدماً من المقاعد؟ هذا يبدو صعباً في المرحلة الحالية، إنما هناك مساع حقيقية بهذا الاتجاه، وأعتقد أن كلام الرئيس السنيورة حول هذا الموضوع واضح حول أن الوقت هو لتوحيد المشروع السيادي. المؤسف أن القوى السيادية في لبنان ومنذ العام 2005 اعتبرت أنها أنهت معركة إخراج السوريين من لبنان وأن البلد أصبح سيداً، وأنها تستطيع التلهي بالخلافات السلطوية، وهذا ما أدى إلى صعود «حزب الله» وضمور ما سمي بـ «14 آذار». يجب أن ندرك، كما قال الرئيس السنيورة، أن هناك مشروعاً سياسياً استراتيجياً يجب أن نواجهه وأنه لا يمكن بناء الدولة في ظل هيمنة السلاح والاحتلال الإيراني ونفوذه… ولا يمكن إجراء إصلاحات، ولا محاربة الفساد. نحن لا نريد إلغاء «حزب الله» إنما المشكلة هي مع الأدوات التي يستعملها، وانتمائه الإيراني، واستغلاله لنفوذه، وليست المشكلة مع وجوده السياسي الذي له الحق به كأحد الممثلين الأساسيين للطائفة الشيعية الكريمة. هذه هي المنطلقات السياسية لتوحيد المعارضة بوجه هذا المشروع، وأن يكون مشروعنا واضحاً عندما نتوجه بالخطاب السياسي. فهل سيحصل ذلك؟ لا أعرف.
○ هل قانون الانتخابات الحالي يسمح بمساحة وطنية؟ وألا يحتاج الرئيس السنيورة إلى رافعة «تيار المستقبل» الذي لديه الحضور الأقوى سنياً؟
• نحن أمام قانون سيئ جداً، قانون ذو طبيعة طائفية بامتياز. اعتقد البعض أنه يحل مشكلة التمثيل الطائفي المسيحي، لكنه أدى إلى خلل كبير على صعيد الوطن، وأعتقد أن الجميع أدركوا هذا الخلل ويحاولون معالجته. الانتخابات غير قادرة على قلب الوضع، وهي ليست الحل والمَخرج. أعتقد أنها مرحلة تُشبه التي تلت انتخابات العام 2000، كمرحلة تحضيرية لما جرى بعدها في 2005.
بالنسبة للموضوع السُّني، الرئيس السنيورة كان واضحاً وطرحه وطني، وليس طرحاً سنياً، ويقول بكثير من الوضوح أن المشكلة ليست مشكلة سنّية إنما هي مشكلة وطنية بامتياز، والسُّنة جزء من المشكلة وربما يعانون أكثر من غيرهم، لكن الحلول هي حلول وطنية ولا يمكن أن تكون سنّية.
تيار المستقبل خارج العملية الانتخابية، ولم يُعلّق عمله السياسي إنما علّق عمله الانتخابي، وأعتقد أننا بالأمس سمعنا كلاماً لأحد الصحافيين يقول فيه: «تيار المستقبل لن يُحل وسيأخذ مواقف»، بمعنى أنه يمارس عمله السياسي، وإن كان لا يشارك في الانتخابات في هذه المرحلة. إنما ما طرحه الرئيس السنيورة هو طرح وطني يتوجه بالتأكيد إلى الطائفة السُّنية، ولكنه يتوجّه أيضاً إلى جميع الأطراف اللبنانية لتكون هناك مشاركة فاعلة؛ فهل قانون الانتخابات يسمح بذلك؟ أعتقد أنه يسمح بالحد الأدنى من الاتفاقات والتوافقات، فهو قانون سيئ ونتيجته ستكون سيئة.
نحن ندرك تماماً أنه لا يمكن خرق الأكثرية التي يستطيع «حزب الله» الحصول عليها في الانتخابات، ولكن هذا القانون إذا تمَّ التعاطي معه بجبهة موحدة متراصة يستطيع أن يخلق معارضة فاعلة ضمن المجلس، وأُصر على كلمة «إذا» لأنه حتى الآن للأسف بعض الأطراف المعارضة لمشروع «حزب الله» ما زالت تتلهى بخلافاتها أكثر مما تعمل على مجابهة الموضوع الأساسي الذي هو السلاح والاحتلال والنفوذ الإيراني في لبنان.
○ من خلال متابعتك، وأنت رئيس «المجلس الوطني لرفع الاحتلال الإيراني عن لبنان»، ما سبب غياب أو خفوت العنوان السيادي، وتحديداً لدى مكونات قوى «14 آذار»؟
• برأيي هناك عدة أسباب. أولاً الصوت كان خافتاً أكثر قبل كلام الرئيس السنيورة، لكن الآن أصبحت الأمور واضحة، ورفع الصوت الذي قام به الرئيس السنيورة سيُجبر الجميع على أخذ موقف من الموضوع الأساسي، وربما أحد أهدافنا في المجلس الوطني لرفع الاحتلال الإيراني، أن نضع هذا الموضوع قيد التداول، وفي الإعلام، واستطعنا ذلك، وأصبح مطروحاً بشكل جديّ على بساط البحث، أما لماذا غاب هذا العنوان لدى تلك الأطراف؟ لأنه بعد الـ2005 كانت هناك قناعة لدى بعضها أنها انتهت من الموضوع السيادي، وأن الموضوع أصبح مكرّساً وأنها تستطيع أن تتلهى بخلافاتها على السلطة وعلى المراكز، واستمر هذا الموضوع حتى اليوم. هناك صراع أحياناً على نائب بالزائد أو نائب بالناقص لهذه المجموعة أو لذاك الحزب، كذلك هناك خلافات على بعض المواقع عندما نصل إلى موضوع التعيينات. وفي مجال السياسة أحياناً الخلافات الشخصية تلعب دوراً. هنا تبرز أهمية ما قاله الرئيس السنيورة لأنه تجاوز كل هذه الأمور ليذهب إلى الطرح الاستراتيجي الحقيقي، وأعتقد أن هذا سيضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
لقد سبق وقلنا في «المجلس الوطني» أننا لسنا طرفاً انتخابياً، ولكننا نحمل شعاراً نريد من الناخب ومن المرشحين ومن الأطراف السياسية أن يبدوا رأيهم به بشكل صريح وعلني، وعند ذلك تصبح الأمور الاستراتيجية أهم من الأمور التكتيكية. وحتى هذه اللحظة ما زالت أطراف كثيرة تسمّي نفسها قوى سيادية ومعارضة ترى أن المصالح الطائفية الضيّقة، وربما المصالح الحزبية والمصالح المرتبطة بالمواقع في السلطة، أهم من القرار الاستراتيجي، فهذا تحدٍ مطروح عليها بالدرجة الأولى.
○ لنفترض أن هذه القوى تلاقت ورفعت العنوان السيادي وخاضت الانتخابات ضمن الأطر الدستورية، أي آلية يمكن أن تعتمدها إذا جاءت النتائج بأكثرية نيابية لصالح «حزب الله»، واعتبر المجتمع الدولي أن هذه الأكثرية هي نتاج الشعب اللبناني؟
• يجب أن تبدأ القوى السيادية من الآن. أولاً: بتشريح القانون وإطلاع المجتمع الدولي على خلفيته وتبيان أنه سيئ ويمنع التمثيل الديمقراطي الحقيقي وتحديداً في الطائفة الشيعية، ويُنتج هيمنة وسيطرة لتوجّه سياسي معيّن، وكأنه فُصِّل على هذا المقاس. ثانياً، أياً كانت نتيجة الانتخابات هناك دائماً معارضة قادرة على أن تكون فعّالة من خلال موقفها السيادي الواضح، ومن خلال العلاقات التي تستطيع أن تنسجها مع المجتمعين العربي والدولي ومع الدبلوماسيين، وتستطيع أن تكون فاعلة على الأرض، من خلال التعاون مع المجتمع المدني ومؤسساته. أعتقد أن تجربة الـ2000 و2005 هي مثال على ما يمكن فعله. أنا لا أقول إن الوضع مشابه وأننا نستطيع أن نكرر التجربة، ولكن علينا استرجاع ما حصل في انتخابات 2000 وكيف حصلت المعارضة يومها على عدد قليل من النواب، ثمَّ جاء إعلان مجلس المطارنة، ثمَّ مصالحة الجبل، و«لقاء قرنة شهوان» وصولاً إلى «لقاء البريستول». لا أنتظر معجزات من هذه الانتخابات وليست الحل. المجتمع الدولي لن يهتم كثيراً بهذه التفاصيل إلا إذا تمكنا من بناء جبهة وطنية حقيقية متجاوزة للإطارين الطائفي والمناطقي، كما فعلنا أيام الاحتلال الفرنسي وكما فعلنا عندما قال بشير الجميل في الموضوع الفلسطيني إن القرار لصائب سلام. وفي موضوع المقاومة بوجه إسرائيل كانت هناك جبهة وطنية عريضة مؤيدة للمقاومة عندما كانت مقاومة فعلية، وكما فعلنا في 2005، يعني البحث عن جبهة وطنية عريضة تستطيع أن تكون مؤثرة، ولو أن الانتخابات النيابية في ظل هذا القانون ستأتينا بمجلس نواب قريب أو مسيطر عليه بغالبيته من قبل «حزب الله»، كما كان يحصل أيام الوجود السوري. فالسيطرة عليه من قبل وكلاء السوري لم تمنع وجود حركة سيادية حقيقية.
○ ولكن حينذاك، كانت هناك عوامل أخرى في مقدمها اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما أنتجه من وحدة داخلية والقرار 1559 والملاقاة الدولية لما كان يجري في الداخل اللبناني، فأين نحن اليوم؟
• يجب أن نرى الأمور بشكل معاكس. في العام 2000 كان الوضع مشابهاً لما هو عليه اليوم. كانوا يقولون لنا: «أنتم تحلمون»! وحتى بعد اغتيال الرئيس الحريري، وفي 27 شباط/فبراير 2005 في منزل النائب السابقة نائلة معوض قال لنا (دايفيد) ساترفيلد: «أنتم لستم على الأجندة اذهبوا وحاوروا السوريين». لكن عندما تحرّك الشعب اللبناني، وثبت أن هناك قوة وطنية حقيقية متجاوزة، اضطر المجتمع الدولي – الذي يهتم بمصالحه فقط – لأن يتعامل مع الواقع الموجود. تصوري لو لم يكن هناك تحضير داخلي وحصل تغيير دولي معين، فعندها من سيقطف ثمار هذا التغيير؟ لا أحد. إذن وجود قوى سياسية موحدة في الداخل يؤثر على الموقفين الدولي والإقليمي، وتكون مستعدة عند حصول أي تطور لاستغلاله للمصلحة الوطنية والمصلحة السيادية. بدون هذا الواقع الداخلي لن نستطيع أن نأمل بأي شيء. لا يجب أن نبني على قوى الخارج فقط؟ لو فكرنا بهذه الطريقة سنة 2000 و2001 و2002 لما كنا وصلنا إلى أي نتيجة. علينا أن نبني في الداخل أسس وحدة وطنية حقيقية تكون مؤهلة للاستفادة من أي تطور، لأن السياسة الدولية ليست ثابتة وتتغيّر كل يوم، فما نتحدث عنه اليوم مختلف عما كان يمكن أن نتحدث عنه منذ عدة أيام قبل الحرب في أوكرانيا، وبالتالي دائماً المعطيات الدولية موجودة، ويجب أن نكون على قدر المسؤولية لنستطيع تلقف الفرصة المناسبة، وهي لمن يعمل لها عبر الاتصالات الدولية. حتى القرار الدولي 1559 لو لم تكن هناك أطراف سياسية لبنانية فاعلة تعمل في هذا الاتجاه لما حصلنا عليه، فلا وجود لـ«كاريتاس» في العلاقات الدولية، هناك عمل سياسي جدي يجب أن تمارسه القوى المحلية بدءاً من الموضوع الداخلي، ثمَّ انطلاقها باتجاه العالم الخارجي، وفي لحظة معينة أو في تطور معيّن، تستطيع أن تقطف ثماره.
○ إذا تضمّن الاتفاق النووي ضمان أمن إسرائيل هل سيأخذ المجتمع الدولي – الذي يتعامل وفق مصالحه الخاصة – بالاعتبار ما ينادي به الشعب اللبناني والسياديون؟
• الشيء نفسه حصل أيام الاحتلال السوري عندما تمَّ تلزيم لبنان لسوريا في بداية التسعينيات، ولكن في النهاية تمكن الشعب اللبناني من فرض إرادته في إطار واقع معين، فبالتالي المنطق الاستسلامي مرفوض في السياسة لأن هناك تطورات ممكن أن تحصل في أي لحظة، فالبناء يجب أن يشمل اللبنانيين كافة، وأن يكون داخلياً في الأساس ثمَّ نذهب به إلى الخارج. البعض استغرب كلام الرئيس السنيورة أنه يمكن بناء دولة مع «حزب الله» ولكن ليس مع سلاح «حزب الله».
○ حملت قوى «14 آذار» سردية أن سلاح «حزب الله» مسألة إقليمية، وبالتالي الحل ليس بيد اللبنانيين إنما مسألة دولية… وإذا طرحتم هذا العنوان مجدداً، هل في الأفق الدولي مؤشرات إيجابية؟
• المشكلة مع «حزب الله» لا تتعلق بوجوده كتنظيم حزبي سياسي بل بما يفعله بهذا السلاح داخلياً وخارجياً. نحن رأينا في الآونة الأخيرة عدة مؤشرات داخلية وخارجية ترفض هذا السلاح. مثلاً المذكرة التي قدّمها الرؤساء السابقون الخمسة: سعد الحريري، وفؤاد السنيورة، وتمام سلام، والرئيسان السابقان أمين الجميل وميشال سليمان، لأمين عام الأمم المتحدة (أنطونيو) غوتيريس، وتلاقى هذا العمل مع البيان السعودي – الفرنسي المشترك الموجه لـ«حزب الله»، ثمَّ المبادرة الكويتية-العربية التي أشَّرت إلى مشكلة سلاح «الحزب»، ثمَّ الاتحاد الأوروبي الذي قال الشيء نفسه، وحتى الروس في مجلس الأمن قالوا كلاماً مشابهاً عند الإصرار على تنفيذ القرارات الدولية. هذا يعني أن الساحة الدولية تتحرّك في هذا الإطار، وعلينا الدفع بهذا الاتجاه من خلال جبهة داخلية متراصة، أما إذا شعر الخارج بأن اللبنانيين لا يأبهون، فسيستخفون بنا وتصبح الأولوية في مكان آخر. يجب أن نكون مستعدين لقطف الثمار، هذه معركة طويلة المدى، كما كانت معركة إخراج السوريين من لبنان.
○ التنازل عن الخط 29 هل يُنبئ بوجود أهداف سياسية أم ينطلق من حاجة لبنان الاقتصادية؟
•هو مزيج، فمن المؤكد أن الحاجة الاقتصادية مرتبطة بالإرادة السياسية الإقليمية والدولية. ترسيم الحدود قضية استراتيجية كبرى وليس قضية صغيرة ترتبط بعقوبات على (صهر رئيس الجمهورية) جبران باسيل أو سواه. قد يكون الأمر مرتبطاً بالنفوذ الإيراني ونفوذ «الحزب» بشكل مباشر أو غير مباشر، علماً أن موضوع النفوذ والأمن الإسرائيليين مطبق عملياً منذ العام 2006 ولغاية الآن. عندما نتحدث عن فيينا يجب أن نذهب أبعد منه ونقول إن فيينا موضوع نووي ظاهرياً ولكن ما يجري تحت الطاولة أكثر من ذلك بكثير، فماذا يعني أن يُطرح موضوع الترسيم بهذا الشكل في هذا الوقت، وكذلك التراجع عن الخط 29 وهذا القبول الضمني والصمت المطبق لـ«حزب الله» بعد أن هللنا له وكاد يصبح «شبعا بحرية». «الحزب» ترك الموضوع معلقاً لأنه يمارس دائماً التقية، فإن كان هذا الموضوع يُناسبه يقبل به، وإن كان لا يناسبه يُشهِّر بالخونة والعملاء الذين تنازلوا عن الخط 29، وهذه الممارسة باتت واضحة للشعب اللبناني. نعم هناك حاجة اقتصادية للبنان لاستخراج الغاز وربما النفط، وهناك أيضاً واقع دولي استراتيجي جديد.
○ أعلن وزير الداخلية عن اكتشاف شعبة المعلومات مخططاً إرهابياً لعمليات تستهدف مناطق البيئة الشيعية ونُسب منفذوها المفترضون إلى جماعات فلسطينية في مخيم عين الحلوة، وتصب في الهدف الدائم لـ«دعشنة السُّنة»، كيف قرأت هذا «الإنجاز» وأنت كنت وزير داخلية سابق؟
•هذا مسار قديم. أنا عايشت هذه الأمور من مواقع عدة منذ سنة ألفين مع أحداث الضنية وإلى اليوم. دائماً كان هناك عمل أمني-مخابراتي منظّم تجري مجابهته. ما فعلته «شعبة المعلومات» إنجاز كبير ولكن كيف تم بيع هذه القضية وفضحها بهذه السهولة، في وقت هناك مخطوفون لبنانيون، وهناك جرائم صغيرة لا يتم كشفها، وجرائم كبيرة لم يتمّ التحقيق بها. أنا دائماً لدي شكوك، ولدي براهين في قضية الضنية. أنا أبلغت حينها المخابرات السورية والمخابرات اللبنانية قبل شهر ونصف الشهر من أحداث الضنية بوجود مسلحين، لكنهم لم يفعلوا شيئاً وتركوا الأمور تتطور حتى حصل الصدام ليتم استغلاله على عدة جبهات، وتخويف الرأي العام الداخلي، وتحديداً الرأي العام المسيحي، ولتتم «شيطنة» الطائفة السُّنية والقول إن هناك طرفاً واحداً قادراً على حماية لبنان. هذا معطى معقد استُعمل في أحداث الضنية وفي أحداث نهر البارد مع «فتح الإسلام».
ما حصل إنجاز، ولا بدّ من أن نحيي القوى الأمنية، ولكن في الوقت نفسه لا بدّ من القول إن هذه الأمور لا تحدث صدفة، هناك مَن يُخطط لها ومَن يفضحها في وقت معين لاستغلالها، ربما اليوم التوقيت لتغطية موضوع ترسيم الحدود، أو لأننا على أبواب الانتخابات النيابية وقبيل انتخابات الرئاسية نهاية السنة وتحت عنوان «شيطنة» الطائفة السُّنية، ولكن هذه المسائل أصبحت مستهلكة والرأي العام بات واعياً.
○ أنت من ضمن مجموعة تنضوي تحت لواء «المجلس الوطني لرفع الاحتلال الإيراني عن لبنان»، هل تتخوفون من عودة الاغتيالات السياسية؟
• هذا أمر وارد دائماً. نحن أمام مرحلة خطيرة، ولكن لنكن واضحين: هناك طرف واحد قادر على الاغتيالات. نحن لا نُؤمن بالخوف وإلا لما كنا أقدمنا على مشروعنا السياسي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية