في ذكرى جابر عصفور: ثقافة التنوير وفتنة الكتابة

ثمة عاملان يجعلان حزني على رحيل جابر عصفور حزناً شخصياً إلى أبعد الحدود، وعامّاً إلى أقصى تخوم الثقافة التي تهـمّ المتخصّص والقارئ على حدّ سواء. في الجانب الشخصيّ من علاقتي به، التي كانت تغرق في تفاصيل صداقةٍ حقة، ظل جابر عصفور يرعاها رعايةً كريمة من بغداد إلى صنعاء إلى الإمارات. صداقةٌ لم تقترب يوماً من اليابسة، رغم كل الظروف التي مرّ بها كلانا، وطبيعةٌ مثلت، دائماً، إحدى الخصال الراسخة في شخصيته القريبة من الكثيرين.
كان حين يلتقي صديقاً، في جمع من المدعوين، لا يحيّيه من طرف لسانٍ في عجلةٍ من أمره، بل تحية المحبّ المتريّث، الذي يغرف من ذكرى بعيدة، أو حدثٍ مشتركٍ، أو شغفٍ جامع. أذكره مرة، وكنت مدعواً إلى واحدٍ من ملتقيات القاهرة الشعرية، بعد أن سلم عليّ، وكنت قادماً من صنعاء، سألني عن شاعر اليمن الكبير، وصديقنا المشترك عبد العزيز المقالح، ثم فاجأني بسؤال، لم أتوقعه، عن غرفتي في الفندق.
وعندما عرف أنها تطلُّ على المدينة لا على النيل، طلب من شباب المجلس الأعلى للثقافة أن أنتقل فوراً إلى غرفةٍ ذات إطلالةٍ نهرية: شاعر الماء، وسليل حضارة الأنهار، لا بد أن يواجه النيل لا كتل الإسمنت الصمّاء.هكذا كان يخاطب المشرفين على إسكان الضيوف. لمسةٌ فيها الكثير من الرقيّ والوفاء والصداقة، رغم بساطتها. كان يمزج الثقافة العميقة بالمرح والبشاشة الراقية، فلا يجور أحدها على الآخر، لا يرتدي قناع الثقافة المتجهمة، ولا ينسيك مرحه ودفء شخصيته، أنك في جـوار عمارة ثقـافية ونقـدية راسخة. كان شديد اللباقة، لا يضيق برأيٍ، ولا يحتدّ في نقاش.
في بداية الثمانينيات التقيت بالصحافي المعروف مفيد فوزي، الذي عرف بحواراته الحيوية والمثيرة للجدل، زارني في مجلة «الأقلام» وكنت حينها محرراً فيها، أخبرني أن جابر عصفور اقترح اسمي ضمن من سيجري معهم حواراتٍ صحافية. كانت تلك الشرارة الأولى التي ظلت تنتظر زيارتي للكويت، منتصف الثمانينيات، لتكون بداية علاقةٍ عامرةٍ بالمودّة. كان وقتها أستاذاً معاراً إلى جامعة الكويت، وكان حين التقيته، رئيساً لقسم اللغة العربية في كلية الآداب كما أذكر.

وترتبك خيارات جابر عصفور، ولا يتردد أحياناً في اختيار أكثرها سوءاً. وربما أحس الكثيرون، من أصدقائه وممن كانوا أقل صداقة له، أن إخلاصه لتاريخه إنساناً ومفكراً تنويرياً وناقداً مميزاً وضع على المحك أكثر من مرة، وأن هشاشة الكائن قربته من الموت، أو كادت، أكثر من مرة أيضاً.

٭ ٭ ٭

وهناك، في الأفق العـام، نقطة من التمازج الجميل، في شخصيته الثرية، بين عذوبة الإنسان وموسوعية المثقف. تبحّر الناقد وشغف المترجم. الحنو الأبويّ للأستاذ الجامعيّ ومنهجيته العالية. إنها تذويبٌ للمتعدد في الشخصية الواحدة، وجمعٌ للمتنافر أو المتنوع في كيان العارف الموسوعي، نقطةٌ شكلت، دائماً، مكمنَ سحرٍ خاصٍّ في شخصية جابر عصفور البسيطة والمركّبة، جعلته مثقفاً شديد التأثير، وناقداً مستوعباً لأكثر المفاهيـم النقدية جدةً وتعقيداً، مع قدرة استثنائية على الكشف عن مكنوناتها بأدق العبارات وأصفاها.
لم يبتعد عن مهمة المثقف العضويّ والشامل، كان ثقله الثقافيّ والنقديّ والأكاديميّ فضاء للجمال الواعي والاستنارة الباسلة، ومواجهة للقبح وضيق الأفق. حين تولّى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للثقافة، كان مؤثراً إلى أبعد الحدود في الإرهاص بحاجة الأكاديميّ والناقد والمبدع، وفي الإصغاء إلى حيوية الكاتب المؤلَّف، وتشمم نداء الشارع في نخبته القارئة المستنيرة. أما في المجلس القومي للترجمة، فقد أسهم، باقتدار كبير، في نهوض الفعل الترجمي نهوضاً نوعياً.

٭ ٭ ٭

ويظل جابر عصفور أجدر الناس بطه حسين، أستاذاً وملهماً وقريناً. كان لكليهما فضاؤه الحافل بالإثارة والغنى والتواصل، غير أن لجابر عصفور ما يجعله أكثر من ذلك: تجاوزاً وفضاءً غنياً بالممكنات. فهو الممهد لحداثة تبدأ من التراث، والواصل بين اللغات والثقافات والمفاهيم، المتجاوز أخيراً الكثير من منجزات أستاذه الملهم. هكذا كان صعود جابر عصفور سريعا مثلما العاصفة بين هذه الأقاليم الثلاثة. تراكم معرفي، وخبرة في قيادة المؤسسات الثقافية، وممارسات نقدية بالغة العمق واشتباك مع اللغات، من خلال تعلمها والترجمة عنها بجهد فردي، وبعناد لا يلين، ليقطف بعد ذلك ما يثقل شجر اللغات من وعي وجمال ومعرفة: مترجماً، ومخططاً، ومراجعاً، ومقوماً، وعقلية إدارية ثاقبة.. ويستمر هذا التراكم حتى تحين فرصته في التفجر الكبير، والمستمر أيضاً.
كانت مجلة «فصول» التي بدأ ضمن كادرها الأول بقيادة الراحل الكبير عز الدين إسماعيل، نقطة الانطلاق شديدة التوهج في مسيرته المدوية، ثم استطاع بعد توليه رئاسة التحرير، رغم ما أثاره ذلك التغيير في قيادة المجلة من جدل شبيه بالتقولات التي تقارب النميمة أحياناً، أن يتقحم مناطق كانت من مجاهيل النقد الأدبي وتشعباته المثيرة في عالم اليوم. وقد أسهم ذلك كله في زحزحة الحركات النقدية ودفعها إلى الأمام بقوة، ليشهد نقدنا العربي فجأة منعطفاً جديداً، وتحولات راديكالية حادة، تجسدت في المصطلحات والمفاهيم والأسماء والحركات. وتمثلت أيضاً في التغير الكبير في وعي النصوص والتفاعل معها: محاورة، واستثارة لمكنوناتها الدلالية، وبنيتها اللغوية، وثرائها الجمالي.

٭ ٭ ٭

يمكن القول، ربما، إن صعود جابر عصفور أو ذبوله التدريجي لاحقاً، يعكس أيقونياً أو رمزياً حركتين مماثلتين، في ملامسة الأعالي أو الحضيض، الانبثاق أو الخفوت في الحياة العربية عامة. مع أنهما ذاتيان في الكثير مما يتصفان به من رفعة أو تقهقر.
يمكن الإشارة إلى أن سلم الهبوط من الذرى، بدأ يُهيّأ له من خلال رائحة موت عائلي حميم عصف بالأسرة أولاً، الريح تعصف في الجوارالآمن، وتبدأ العائلة في ألفة التفكك والأسى الوشيك. وها هي رائحة المرض والموت تتجول في البيت بقدمين حافيتين: تموت ابنة جابر عصفور، فيمرض جابر مرضاً مهلكاً، ويتراخى الكلام الجميل بين شفتيه فترة ليست قصيرة، وتكف الكتابة عن جموحها فترة أطول، وتموت الزوجة، لتخفت رائحة الحبر والعافية .
وترتبك خيارات جابر عصفور، ولا يتردد أحياناً في اختيار أكثرها سوءاً. وربما أحس الكثيرون، من أصدقائه وممن كانوا أقل صداقة له، أن إخلاصه لتاريخه إنساناً ومفكراً تنويرياً وناقداً مميزاً وضع على المحك أكثر من مرة، وأن هشاشة الكائن قربته من الموت، أو كادت، أكثر من مرة أيضاً.
كان لقائي الأخير بجابر عصفور في ملتقى القاهرة للشعر العربي، قبل سنتين أو أكثر بقليل. وقفنا نتحدث في قاعة الاحتفال قبل أن يبدأ الإعلان عن الجائزة، التي منحت للشاعر البحريني قاسم حداد. كان يسرد، بفرح مشوب بتعب جليّ، بعضاً من ذكرياته عن بغداد، وعن أصدقائه من العراقيين. صوته ممتلئ بحنين إلى البعيد، وبالخوف مما يأتي. وكانت يداه ترتجفان، فلا تقويان على التناغم مع كلامه الذي بدا بطيئاً متعثراً، على غير العادة، وإن كان ما يزال على شيء غير قليل من بشاشته المعهودة.

شاعر عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية