لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تحليلا لديفيد غاردنر، قال فيه إن على دول الشرق الأوسط مراجعة ولاءاتها في ظل النزاع الأوكراني. مؤكدا أنه سيكون من الصعب عليها مع تزايد الأعمال العدوانية، الوقوف موقف المتفرج.
وقال إن حرب فلاديمير بوتين في أوكرانيا لم تؤد فقط إلى وحدة نادرة في الغرب والناتو، وإشعال حماس الاتحاد الأوروبي، بل أرسلت هزّات وموجات في عموم الشرق الأوسط، الذي كان ساحة آخر حرب لبوتين.
ووسط المواقف الصامتة والمراقبة، فإن تركيا 0عضو الناتو منذ 70 عاما- تبدو أكثر انكشافا. ففي السنوات الماضية، أغضب الرئيس رجب طيب أردوغان حلفاءه المهمين في الغرب، وخرق العقوبات ضد إيران ولاحق المعارضة في الداخل، وشن عمليات عسكرية في سوريا والعراق وليبيا والقوقاز، واشترى نظام الدفاع الصاروخي الروسي “أس-400” وهي خطوة استفزازية أثارت المخاوف من أن تركيا هي طائر الوقواق في عش الناتو.
ويعتقد أردوغان أن الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية دعمت الانقلاب الفاشل ضده عام 2016. ويقول المسؤولون في أنقرة إن الولايات المتحدة وألمانيا سحبت صواريخ باتريوت من الأراضي التركية. وتم طرد تركيا من مجموعة أوروبية تقوم بتصنيع مقاتلة “أف-35” وهو الجيل الجديدة من طائرات الشبح، وهناك شكوك فيما إن كانت الولايات المتحدة ستقوم بتحديث طائرات “أف-16” التركية.
وبعد أن قام بإحداث ثقب في التضامن داخل الناتو، فهناك إمكانية أن تؤدي أزمة أوكرانيا لدفع تركيا إلى الأحضان الغربية. ويعجب فلاديمير بوتين وأردوغان ببعضهما البعض كزعيمين قويين يواجهان القيود الغربية المتغطرسة، إلا أن العلاقة بينهما هي زواج مصلحة مهتز. ولم يستطع الأتراك تأمين أربعة جيوب في سوريا إلا بضوء أخضر من الروس الذين يتحكم طيرانهم بالمجال الجوي السوري. كل هذا منع المقاتلين الأكراد من توحيد المناطق التي يسيطرون عليها في شمال شرق سوريا، وهو أمر ترغب تركيا بمنعه لخوفها من إشعال التمرد داخل أراضيها.
والآن تعهدت تركيا بتطبيق معاهدة مونترو (1936) التي تغطي في زمن الحرب مرور البوارج البحرية من مضيقي البسفور والدردنيل. كل هذا سيؤدي إلى منع مرور حركة السفن الروسية إلى البحر الأسود الذي تقوم بضرب أوكرانيا، باستثناء السفن التي تعود إلى قواعدها. وقد تكون هذه خطوة كبيرة، إلا أن أردوغان يحاول الحفاظ على الخطوط مفتوحة مع روسيا وأوكرانيا.
صحيح أن أردوغان زود كييف بعدد من المسيّرات القتالية التي حرفت ميزان الحرب في ليبيا وإقليم ناغورنو كاراباخ. ونشرت السفارة الأوكرانية شريط فيديو أظهر مسيّرة تركية وهي تدمر رتلا من الدبابات الروسية. لكن تركيا لم تنضم بعد إلى العقوبات على روسيا وامتنعت عن التصويت في مجلس الأمن الدولي. ووجد أردوغان نفسه عالقا على الحياد، وهو مثل بوتين، لديه طموحات توسع بحري. ولو نجح الرئيس الروسي في حملته، فقد يتوصل الرئيس التركي إلى أن الناتو ليس إلا نمرا من ورق.
وردت إيران بحذر على الحرب في أوكرانيا، وهي تقترب من إحياء الاتفاقية النووية مع الولايات المتحدة وخمس قوى عالمية. وهي الدولة الأولى قبل روسيا التي تطرد من نظام “سويفت” الذي يربط الكم الأكثر من التحويلات المالية العالمية. وربما دفعت العقوبات هذه على قوة عظمى إلى تخفيف إيران من تحالف المصلحة مع روسيا.
وخسرت تركيا وإيران من الناحية التاريخية عددا من الحروب مع روسيا، لكن تركيا قد تجد نفسها أمام لعبة انتقامية روسية ضد مناطقها في سوريا. في المقابل، ستجد إيران يدها طليقة في سوريا بسبب انشغال بوتين في مكان آخر.
وهناك الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والذين باتوا يشعرون أن أمريكا لم تعد الضامن الحقيقي لأمنهم، ولهذا وسّعوا من تحالفاتهم. وشعرت إسرائيل والإمارات والسعودية بعدم الارتياح من هذه الحرب، كما بدا من امتناع الإمارات عن التصويت في مجلس الأمن الدولي، إلى جانب الصين والهند. ويتعاون السعوديون والإماراتيون مع “أوبك+” الذي تم من خلاله التوافق مع روسيا على تحديد معدلات إنتاج النفط.
من جانبها، تثمن إسرائيل علاقتها مع روسيا وتعرف أنها بحاجة لموافقة روسية لاستخدام المجال الجوي السوري لمواصلة حرب الظل ضد القوات الموالية لإيران داخل سوريا.
ويرى غاردنر أن المواقف الغامضة والمترددة ستكون صعبة في الأيام المقبلة. وربما عبّر بوتين عن غضبه من صلابة الأوكرانيين الذين أوقفوا تقدم قواته. ولو قرر تدمير كييف كما فعل في غروزني وحلب، فسيصبح الوقوف على الحياد أمرا صعبا وغير مريح.