وحاربت الأناشيد

حالةٌ مزاجيةٌ بائسة تلك التي تسيطر على الناس في مصر.. مزيجٌ من الغضب والخوف في أعقاب الاغتيال الآثم المجرم لجنودنا في سيناء على يد الإرهابيين، وما تلا ذلك من زرع قنابل في أماكن متفرقة وحيوية في مصر.
غير أن شيئاً آخر يعتمل في صدور الناس… شكٌ أخذ يتسرب إلى نفوسهم في كفاءة ومقدرة ذلك النظام والقائمين عليه على التعامل مع ذلك الخطر الوجودي، شكٌ يخالط خوفهم ويغذيه، إلا أنهم، وبالأخص مؤيدي السيسي الخلص ودراويشه، بالطبع لا يعترفون بذلك الشك وينفونه بشدة، كما ينفي أحدٌ عن نفسه تهمة الكفر أو الخيانة، بل ويلاحقون بالنقد كل من تسول له نفسه التعبير عن أدنى قدر من ذلك الشك.
وعلى الرغم من كوننا في المقام الأول نناقش السياسية، فإن تلك التغيرات المزاجية شديدة الأهمية والمغزى كونها ستتجسد لاحقاً في قوى اجتماعية وحراكية ستعبر عن نفسها على صعيد تلك السياسة، مهما بلغ القمع والكبت، الأمر الذي يجعل الالتفات إليها ومناقشتها فرضاً حيوياً ومفصلياً.
ثلاثينية مبارك ثلاثينية ضائعة، باهتة من دون أدنى شك، وإذا كان هناك ما يستحق الدراسة ومن ثَم الرثاء فهو استمرارها طيلة ذلك الوقت بما يرقى إلى مصاف الأعاجيب، وليس هنا المجال للتناول بالتحليل توازنات الضعف وألاعيب النظام والمتغيرات الإقليمية والدولية، التي أدت إلى ذلك الثقب الأسود في تاريخ مصر الحديث، لكنها لم تستمر بالقمع وحده وإنما بكمٍ مذهلٍ من المساحيق ومحاولات عديدة، فشلت في نهاية الأمر، لشد الوجه وشفط الدهون، قادها الإعلام وعلى الأخص المرئي منه، عبر أجهزةٍ تضخمت بشكلٍ مذهل طيلة سني مبارك، وبالتحديد النصف الأخير من جثومه على أنفاس مصر، وقام صفوت الشريف بدورٍ أساسي في ذلك، وقد بنوا في حقيقة الأمر صرحاً ضخماً من الإنجازات وأوهام التحقق، عالماً موازياً، كستار الدخان للتمويه على واقع بائسٍ من الترهل والتردي والتعفن البطيء على كافة الأصعدة، تعليمية، وصحية، وفكرية وعسكرية إلى آخر ما شئت؛ ليس ذلك فحسب وإنما رافق تلك التحركات تكملة السردية التي بدأها «بطل الحرب والسلام»، الذي «ضحك على إسرائيل» برفيقه ونائبه صاحب الضربة الجوية الأولى، لتكرس جملة من الانحيازات السياسية والاجتماعية المعادية كلية لمحدودي الدخل- الكثير من الضوضاء والصوت العالي والجعجعة بلا طحن، لقد كانت دولة مبارك دولة افتراضية ليس فيها سوى القمع والأمن والترهل.
الفكاهة في الموضوع أن هناك من يتصور أن كل ما أعقب سقوط مبارك من أزمات وترهل وفشل نتج عن ذلك، وما أراهم بذلك إلا واضعين العربة أمام الحصان، لقد سقط مبارك نتيجة فشل نظامه.
السيسي ابن هذا النظام وهذه الثلاثينية، لم يفلت منها (شأننا جميعاً بدرجاتٍ متفاوتة) غير أن الفارق بينه وبين الثائرين على مبارك ونظامه، أنه جاء من قلبه لينقذه ويرممه، وقد استفاد من خوف الناس من نماذج التفكك الإقليمي واستثمر فيه «أحسن من سوريا والعراق» واستبدل هو وإعلامه بسردية التحقق والضحك على إسرائيل، سردية المؤامرة الكونية سبباً وحيداً للفشل، ولعل أبرز مفارقة في هذا السياق تكمن في كون الجمهور نفسه الذي تحرك ضد مبارك لم يستطع التخلص مما زرع في رأسه من أوهام عن قدرات خيالية تبخرت من عقود… يدعوهم السيسي لتفويضه ودعمه لإنقاذ الدولة فيلبون، بيد أنهم لا يلتفتون إلى كونها هي دولة مبارك نفسها، دولة هيكلية فارغة نخرها السوس؛ يريدون أن يشعروا بالفخر الوطني فيعطيهم جهاز الكفتة المأسوف على شبابه و»قناة سويس جديدة».
مشاريع وأحلام… سوف نفعل وسوف نحقق وسوف وسوف…لكن الناس يصحون على شهداء يسقطون بالعشرات، هذا هو الواقع الملح المؤلم الدامي.. انعدام الكفاءة والتجهيز.. التسيب وضعف القدرات.. ميراث ما يزيد على الثلاثة عقود من تصورٍ أبله وسقيم بأن الأخطار قد زالت بالسلام مع إسرائيل.
لعل السؤال الأكثر إلحاحاً الآن هو: متى نسمي الأشياء بمسمياتها؟ متى نسمي الفشل فشلاً والتقصير تقصيراً ونتحدث عن انعدام الكفاءة صراحةً؟
لقد استجاب النظام بالشحن المعنوي والعاطفي واستدعاء المدد من ذلك الرصيد من الأغاني الوطنية الذي تراكم عبر سنوات المد والصعود الوطني وما أكبره رصيداً، ليزيد ضراماً تلك الحالة من الغضب والمطالبة بالثأر للذات الوطنية المكلومة المجروحة تصل في حماها وعصابها إلى مصاف الفاشستية احياناً، فلا تقبل بالنقاش، ولم يتبق في حقيقة الأمر سوى أن يبعثوا من مرقده شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».
في زمنٍ آخر، عقب نكسة 67، حين كان المجتمع أكثر حيويةً ونشاطاً، غير منهزمٍ نفسياً، على الرغم من الكارثة العسكرية، اتخذت القيادة السياسية قراراً جريئاً حاسماً وقيادياً بحق: أزالت قيادات الجيش التي أدت إلى الهزيمة وأحلت محلها ضباطاً محترفين وقادرين، وبحثت في أسباب الهزيمة (نتيجة تقصي الحقائق كانت مخجلة ومرعبة) وعمدت إلى ما تكشف من أوجه القصور فأصلحت وطورت ما استطاعت.
ما تحتاج إليه مصر الآن ليس تفويضاً آخر لا يساوي شيئاً، يضاف إلى سابقيه وإنما التوقف والنقد والبحث، توسيع دائرة المشاركة المجتمعية ومن ثم طرح السؤال: هل في هذه الدولة، دولة مبارك، ما يستحق البقاء؟
من دون طرح الأسئلة الكبيرة وإعادة التقييم والتغييرات العميقة، فلا أرانا نمضي سوى للمزيد من الأزمات والفقدان والآلام… المزيد من العويل والتخوين والأغاني… ولا يحضرني هنا سوى شعر أمل دنقل الذي حور فيه بيتاً لأبي الطيب: نامت نواطير مصر عن عساكرها وحاربت بدلاً منها الأناشيد

٭ كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية