فيلم «عطلة في روما»… الرومانسية وظاهرة أودري هيبرن

تحتل الأفلام الرومانسية موقعا مهما في عالم السينما، فأكثر الأفلام الشهيرة هي رومانسية في جوهرها. وقد يكون فيلم «رحلة في روما» Roman Holiday، الذي كان من بطولة أودري هيبرن وغريغوري بيك، المثال الأشهر، حيث لم يتمتع بنجاح تجاري كبير وحسب، بل نال استحسان النقاد والمشاهدين، ومثّل نقطة تحول في تاريخ السينما الأمريكية، حيث اعتبر أسلوبا جديدا في صناعة السينما. لكن هذا النجاح الملحوظ ودعم الإعلام الكبير لهذا الفيلم، ربما أخفيا جوانب سلبية للفيلم تستحق الدراسة بالنسبة لدارسي صناعة السينما.

أحداث الفيلم

تدور أحداث الفيلم عن ضجة أثارتها الصحافة الإيطالية حول وصول الأميرة الأوروبية «آن» (أودري هيبرن) العاصمة الإيطالية روما، كمحطة في جولة بين العواصم الأوروبية، لإجراء محادثات حول السياسة الاقتصادية الأوروبية. لكن الأميرة كانت قد ضاقت ذرعا بالضغط النفسي الذي سببته هذه الرحلة المرهقة، وكانت تواقة لأخذ قسط من الراحة، قبل أن تقيم مؤتمرا صحافيا كبيرا صباح اليوم التالي، سيحضره جميع مراسلي الصحف ووكالات الأنباء المحلية والعالمية. وفي هذه الأثناء كان الأمريكي «جوبر أدلي» (غريغوري بيك) يحاول جاهدا النجاح في عمله كمراسل صحافي صغير لمكتب وكالة أمريكية للأنباء في «روما» وكان رئيسه قد طلب منه حضور المؤتمر الصحافي للأميرة.

تشكو الأميرة «آن» في تلك الليلة من عدم قدرتها على النوم، فيعطيها الطبيب المرافق لوفدها مهدئا بطيء المفعول. لكن ما أن تجد «آن» نفسها وحيدة في غرفتها حتى تنجح في الخروج خلسة من القصر للقيام بجولة في شوارع «روما» المظلمة في ساعة متأخرة من الليل. لكن مفعول المهدئ يبدأ بالظهور وتشعر بالنعاس، فتقرر النوم على أحد مقاعد الشارع. ويصادف أن يكون «جو» سائرا في ذلك الشارع بالذات في طريقه إلى شقته الصغيرة المتكونة من غرفة واحدة. وإذا به يشاهد شابة أنيقة وجميلة نائمة على أحد المقاعد. ويشعر بالشفقة والفضول نحوها، فيحاول إيقاظها كي لا تتعرض لأي مكروه، لكن رد فعلها ليس سوى كلمات غير مفهومة ما يجعل «جو» يعتقد أنها تحت تأثير الكحول، ولذلك يعطى بعض المال لسائق سيارة أجرة لإيصالها إلى منزلها، إلا أن السائق يرفض لأنها كانت غير قادرة على الكلام ولا يريد تحمل مسؤولية فتاة فاقدة الوعي في سيارته. وفي نهاية المطاف يقرر «جو» أن يأخذها إلى شقته، كي تقضي الليلة هناك وتغادر في الصباح التالي. وهناك يعطيها بيجامته ويخلد الاثنان إلى النوم في مكانين مختلفين في الغرفة. ويستيقظ «جو» في وقت متأخر من صباح اليوم التالي، ويلاحظ أن المؤتمر الصحافي قد فاته، فيسرع إلى مكتب وكالة الأنباء مدعيا حضوره المؤتمر وحصوله على معلومات مهمة من الأميرة نفسها. ويثير هذا حنق مديره الذي يواجهه بحقيقة إلغاء المؤتمر، حيث أعلن طبيب الوفد الملكي المرافق لها أنها مريضة. ويعتقد «جو» أن ذلك اليوم سيكون الأخير في الوكالة، لكنه يرى صورة الأميرة على الصفحة الأولى لإحدى الصحف ويكتشف أنها الفتاة النائمة في شقته، فيعد مديره بمقابلة خاصة مع الأميرة وسبق صحافي لا مثيل له، إذا وعده المدير بمبلغ كبير مقابل ذلك. ويهرع عائدا إلى شقته التي ما أن يدخلها حتى تستيقظ «آن» مرتعبة، إذ وجدت نفسها في شقة رجل غريب ومرتدية بيجامته.

كتبت أحداث فيلم «عطلة في روما» في الحقيقة على نمط مسرحية «روميو وجولييت» للكاتب البريطاني وليام شيكسبير. وهو نمط يعتمد على فكرة عدم قدرة عاشقين على الارتباط بسبب خلفية كل منهما الاجتماعية، وتنتهي علاقتهما بفشل درامي.

وينجح «جو» في طمأنتها، لكنه يخفي معرفته بكونها الأميرة الشهيرة عندما تدعي أنها شابة عادية. وسرعان ما تطمئن «آن» وتظن أن «جو» شابا طيبا يحاول مساعدتها، دون أن تدرك أهدافه الحقيقية. ويتصل «جو» بصديقه المصور «أرفنغ» (إيدي ألبرت) ويتفق معه على أن يلتقيا في أحد مقاهي المدينة مع الأميرة. وكان هدف «جو» التقاط صور لـ»آن» دون علمها لإضافتها إلى السبق الصحافي. ويأخذ الرجلان «آن» في جولة سياحية في المدينة، تخللتها أحداث فكاهية كثيرة، ويلتقط «المصور «أرفنغ» الكثير من الصور، لكن «جو» يشعر تدريجيا بالندم لعمله، إذ وجد نفسه غارقا في حب الأميرة الجميلة، التي من الواضح أنها تبادله ذلك الشعور. وعند حلول الظلام تطلب «آن» منه أن يتركها بالقرب من القصر الذي يقيم فيه الوفد الملكي المرافق لها دون أن يتبعها، ويوافق. ويراقب «جو» «آن» وهي تبتعد عنه بسرعة نادما على كل شيء، ويدخل في جدال مع «أرفنغ» لإقناعه بعدم نشر الصور. وعلى الرغم من معارضة المصور، فإنه يوافق في نهاية المطاف.
تعلن الصحف أن المؤتمر الصحافي للأميرة سيعقد، ويحضره «جو» وصديقه المصور «أرفنغ» ما أثار دهشة «آن». ويخبرها «جو» أن ما حدث في اليوم الماضي سيكون سرا بينهما، كما يقوم المصور «أرفنغ» بتسليمها جميع الصور التي التقطها، وينتهي المؤتمر الصحافي ويخرج «جو» من قاعة المؤتمر وحيدا. وتنتهي هنا أحداث الفيلم.

تحليل الفيلم

كتبت أحداث فيلم «عطلة في روما» في الحقيقة على نمط مسرحية «روميو وجولييت» للكاتب البريطاني وليام شيكسبير. وهو نمط يعتمد على فكرة عدم قدرة عاشقين على الارتباط بسبب خلفية كل منهما الاجتماعية، وتنتهي علاقتهما بفشل درامي، ففي هذا الفيلم نجد هذا الاختلاف طبقيا (المرأة أميرة بينما الرجل صحافي بسيط) بينما الاختلاف في المسرحية الشهيرة كان العداء بين عائلتي العاشقين، أما في فيلم «قصة الحي الغربي» فالاختلاف في الأصول، حيث أن المرأة من أصول بورتوريكية، والرجل من أصول أوروبية غربية. وليس هذا النمط بجديد أو أوروبي بحت، إذ نجده على مدى التاريخ حيث ذكر في القصص الإغريقية القديمة وكذلك حكايات كثيرة في التراث الشعبي العربي، فمثلا حكاية «عنترة بن شداد وعبلة» تنتمي إلى هذا التصنيف. وأما تفاصيل الأحداث في هذا الفيلم، فقد كان الاقتباس واضحا من الفيلم الشهير «حدث ذات ليلة» It happened One Night (1934) الذي مثله كلارك غيبل Clark Gable وكوليت كولبرت Claudette Colbert وكان أفضل من فيلم «إجازة في روما» إخراجا وتمثيلا، حيث امتلك كلارك غيبل ما لم يمتلكه غريغوري بيك، من خفة الظل والوسامة والعمر المناسب. وقد اقتُبِسَت قصة فيلم «حدث ذات ليلة» مرات عديدة من قبل السينما الأمريكية والعالمية. لكن صانعي فيلم «عطلة في روما» أضافوا عاملين مهمين إلى الفيلم لزيادة تأثيره الدرامي وجعله يبدو مختلفا. وكان أولهما جعل الفتاة أميرة أوروبية، فأصبح الفارق الطبقي بين العاشقين في أقصاه وتحول الفيلم إلى قصة شعبية للأطفال على غرار قصة «سندريللا» وبذلك فإنه يعطي الانطباع للمشاهد العادي، بأنه قادر على زيارة مدينة أوروبية جميلة لتقع في غرامه أميرة أوروبية رقيقة قادرة على الطبخ وتنظيف المنزل كربة منزل مقتدرة، حيث تقول الأميرة «آن» هذا بنفسها في الفيلم. وتكلمت أودري هيبرن اللغة الإنكليزية بلهجة بريطانية راقية ممزوجة بأثر أجنبي لإعطاء الانطباع بأنها ارستقراطية أوروبية، وقد دعمت ذلك الانطباع طريقة حركتها البالغة الرقة وكونها الفتاة الرشيقة الوحيدة في الفيلم بأكمله، حتى بدت وكأنها فراشة، وقد ساعدها في ذلك كونها راقصة باليه سابقة. وظهرت الأميرة «آن» كشابة ساذجة جدا، وهو الانطباع الذي لدى المشاهد العادي عن أبناء الطبقات الغنية والارستقراطية، بينما الواقع عكس ذلك.

لم يحدث في تاريخ السينما الأمريكية أن تظهر فتاة في دور رئيسي في أول أفلامها وتحصل على جائزة الأوسكار وجوائز أخرى عن دورها في ذلك الفيلم، بل إنها كانت الشخصية الأكثر بروزا في الفيلم، دون منازع، وأصبح هذا من صفات أودري هيبرن في جميع أفلامها، فمثلا تقزم همفري بوغارت ووليام هولدن مقارنة بها في فيلمها الثاني «سابرينا».

وكان العامل الثاني أن أحداث الفيلم وقعت في روما، التي تعد إحدى أجمل مدن العالم. وقد تم اختيار المواقع بدقة مع الاتفاق مع وزارة السياحة الإيطالية وكان خير دعاية سياحية للمدينة الشهيرة، فالمباني الأثرية الرومانية رائعة، والشوارع آمنة ليلا، والحفلات الراقصة كثيرة، والجميع تقريبا يتكلمون الإنكليزية! وساعد هذا على ملء مشاهد الفيلم وتغطية سذاجة القصة وبرود الممثل غريغوري بيك وشخصيته المملة. وهذه خدعة معروفة استعملها الكثير من المخرجين والمؤلفين. ولهذا السبب تُصَوّر الكثير من الأفلام في باريس، وأشهرها فيلم «منتصف الليل في باريس» Midnight in Paris للمخرج وودي ألن، الذي عرض عام 2011. ولإضفاء طابع المرح على الفيلم اختُلِقَ دور المصور الذي مثله إيدي ألبرت، وبذلك نجح الفيلم أخيرا في تغطية أحد أهم عيوب غريغوري بيك، أي بروده الواضح.

فشلت أودري هيبرن في تمثيل الفتاة المخدرة، التي لم تكن قادرة على الحركة في سيارة الأجرة، لأنها تنهض فجأة بنشاط وتصعد الدرج مع غريغوري بيك إلى شقته. وقد يكون السبب أن القائمين على الفيلم لم يجدوا طريقة أخرى لنقلها إلى شقته، فمن الواضح أن غريغوري بيك، لم يكن قادرا على حملها، إذ يعرف الممثل بعضلاته، ولم تكن أودري هيبرن، خفيفة الوزن، حيث كان طولها مترا وسبعين سنتمترا. وكان من الواضح أن هذا الممثل البالغ الشهرة لم يظهر كصحافي ناشئ، أي أنه كان يمثل دورا لشخص أصغر منه بعشر سنوات على الأقل.
كان وجود غريغوري بيك في الفيلم عبارة عن جانب ثانوي، فدوره كان مقتصرا على دعم أودري هيبرن، ما جعل الممثل كاري غرانت يرفض الدور عندما عرض عليه قبل ذلك. وبدا غريغوري بيك كذلك كبيرا جدا في السن وبدا وكأنه والدها، على الرغم من أنه كان أكبر من الممثلة بثلاثة عشر عاما وحسب، كما بدا عديم الوسامة وخفة الدم. وقد يكون سبب اختياره أنه الوحيد من ممثلي الصف الأول الذي قبل بالدور، أو أنهم أعطوه أجرا يعوضه لظهوره كممثل ثانوي، مع الأخذ بنظر الاعتبار، أن اسمه كان الأول في قائمة ممثلي الفيلم.
كان من الواضح أن المعضلة الأولى في الفيلم، كانت كيفية لقاء العاشقين للمرة الأولى، فهي أميرة من دولة أوروبية مهمة، بينما هو صحافي صغير، ولا يوجد شيء مشترك بينهما. لكن القائمين على الفيلم لم يستطيعوا التفكير بحل لهذه المعضلة أفضل من فكرة هروب الأميرة من القصر، تحت تأثير مخدر بطيء المفعول، ونومها على كرسي في الشارع، ويصادف ذلك مرور الصحافي في ذلك الشارع بالذات. ومن المعروف أن طريقة لقاء العاشقين تكون أحيانا من أهم مشاكل الأفلام السينمائية. وعلى الرغم من أن الفيلم كان في الواقع فيلما ساذجا للمراهقين، فقد حقق نجاحا منقطع النظير في أوساط النقاد والمشاهدين، ما يدل على مستوى تفكيرهم.

ظاهرة أودري هيبرن

لم يحدث في تاريخ السينما الأمريكية أن تظهر فتاة في دور رئيسي في أول أفلامها وتحصل على جائزة الأوسكار وجوائز أخرى عن دورها في ذلك الفيلم، بل إنها كانت الشخصية الأكثر بروزا في الفيلم، دون منازع، وأصبح هذا من صفات أودري هيبرن في جميع أفلامها، فمثلا تقزم همفري بوغارت ووليام هولدن مقارنة بها في فيلمها الثاني «سابرينا». وأصبحت أودري هيبرن ظاهرة سينمائية نادرة، مثلت النقيض لظاهرة عادلتها شهرة وهي ظاهرة مارلين مونرو، وبذلك قدمت السينما الأمريكية نموذجين مختلفين جدا، لكنهما مكملين لأحدهما الآخر، للمرأة الجذابة، ما يزالان حيين في الإعلام، فقد بقيت صور الممثلتين تظهر حتى الآن في الدعايات وصور المشاهير، وهما الأكثر تداولا في المقالات عن العهد الذهبي للسينما الأمريكية.
قامت السينما المصرية باقتباس الفيلم ثلاث مرات، وكان الأول فيلم «يوم من عمري» الذي عرض عام 1961 ومثله عبدالحليم حافظ وزبيدة ثروت وعبدالسلام النابلسي ومحمود المليجي، ثم أنتج فيلم «غرام في الطريق الزراعي» (1971) ومثله محمد عوض وشويكار وخيرية أحمد وعادل إمام، وبعد ذلك فيلم «ليلة شتاء دافئة» (1981) الذي كان من تمثيل عادل إمام ويسرا ومحمود المليجي. وكان الفيلمان الأخيران أقرب إلى فيلم «حدث ذات ليلة».

باحث ومؤرخ من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية