المسكوت عنه في الحكومة التونسية الجديدة

حجم الخط
12

منح مجلس «نواب الشعب» التونسي، أمس الخميس، الثقة لحكومة الحبيب الصيد بأغلبية كبيرة تمثلت بـ166 صوتاً مقابل رفض 30 نائباً وامتناع 8 عن التصويت، وتعهد رئيس الحكومة بـ «تقديم تقرير مفصل لمجلس نواب الشعب عن عمل أعضاء الحكومة بعد نهاية 100 يوم من تكليفة»، وبأن يكون عمل الحكومة «ميدانياً» بحيث يزور كل أعضاء الحكومة كل الولايات، طالباً من الوزراء تحديد 5 مشكلات يمكن حلّها خلال المهلة التي حددها لحكومته.
وعلى عكس ما هو متوقع من «نوّاب الشعب» فقد تركّزت المساءلات لرئيس الحكومة على قضايا الأمن والمرأة والطفولة والهجرة، وهي مسائل لا شكّ في أهمّيتها في الوضع التونسي لكنّ رائحة المزايدات الأيديولوجية المحلية تفوح منها، فهذه القضايا كلّها ليست إلا تفريعات ونتائج لقضيتين أساسيتين كبريين مترابطتين هما قضيتا التنمية والعدالة الاجتماعية.
إن الهجرة في قوارب الموت والانضمام للتنظيمات المتطرفة المسلحة هما شكلان لانسداد الآفاق الاجتماعية والاقتصادية أمام الشباب التونسي الذي تعاني أعداد كبيرة منه من العطالة وبالتالي من الفقر وما يتفرّع عنه من ظواهر اجتماعية تطرّق لها رئيس الحكومة باعتبارها مشكلات بحد ذاتها كالعنف ضد المرأة.
لقد كانت البطالة والفقر وارتفاع الأسعار أهم الأسباب التي فجّرت الثورة التونسية، فالبطالة في تونس تؤثر على ما نسبته 17 في المئة من السكان، ولكن نسبتها تزيد إلى أكثر من 30 بالمئة لدى الشباب الحاصل على الشهادات الجامعية، والذين يرتفع عددهم إلى نحو 80 ألف شاب وفتاة سنوياً، وقد تزايدت نسبة البطالة بعد الثورة بسبب القلاقل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نتجت عنها وأدت إلى تباطؤ عجلة الإنتاج وهروب رأس المال الأجنبي والمحلّي واستمرار آليات الفساد.
الإنجاز الكبير الذي حققته النخبة التونسية هو جسر الهوّة الافتراضية بين العلمانيين والإسلاميين، رغم ضغوط عالمية وعربية كبيرة لتطبيق سيناريو ثورة مضادة وتعزيز للنزعة الاستئصالية ضد الإسلاميين، والذي تبلور عملياً مع الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، وتفعيل دور خليفة حفتر في ليبيا، وتحالف علي عبد الله صالح مع الحوثيين في اليمن، والعمل المستمر على إزاحة الإخوان المسلمين عن قيادة الائتلاف السوري المعارض.
هذا الإنجاز الذي اشتركت فيه حركتا «نداء تونس» و»النهضة»، حمى السيادة الوطنية التونسية وأسس عملياً لنموذج سياسي عربيّ عظيم، وهو يمكن أن يكون رافعة كبرى لإجابة النخبة السياسية التونسية على الأسئلة الحارقة والأهم، والتي لا تنفكّ عن الديمقراطية والتحديث والحكم المدنيّ، فالناخب الذي أدلى بصوته يتوقع من هذه النخبة الإجابة على سؤال الخبز والعيش الكريم، اللذين يمهّدان للعدالة الاجتماعية والوسطية والاعتدال، ويبعدان أشباح الفقر والهجرة والتطرّف.
من النافل القول إن السفينة التونسية لا تستطيع السير في البحر المتلاطم للأزمات العربية الهائلة التي دمّرت العراق وسوريا واليمن، والانشطار السياسي الكبير في مصر وليبيا، وغياب مشروع عربي تقدّمي تستند عليه، وفي ظلّ صعود النزعات اليمينية في أوروبا، وفرنسا خصوصاً، ولذلك فإن عملها سيكون محفوفاً بالمخاطر والآلام.
رغم صغر حجمها تجد تونس نفسها في موقع عربيّ رياديّ يؤهلها لتقديم نموذجها باعتباره المشروع العربيّ الأكثر قابلية للحياة والنموّ، والبديل عن بلدان الجرح المفتوح الذي ترتفع فيه الحراب في حرب استئصال عدميّة تدمّر البشر والحجر والمستقبل.

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية