صدر كتاب «الفرويدية: مقاربة ماركسية» لباختين٭٭ عام 1927 بتوقيع فالنتاين فولوشينوف، وسواء كان لباختين ذاته، أو هو عمل جماعي لحلقة بطرسبورغ التي شغل فيها موقعا بارزا، يمكن أن نلاحظ عليه عدة مخالفات منهجية اقترفها المفكر الروسي المعروف عمدا. لقد سقط باختين في هذا الكتاب في مغالطتين ألغى بهما ذاكرته النقدية. أولا حاول أن يتبع أسلوبا سكولائيا باردا، عوضا عن فصول نقدية مستقلة، وقسم كتابه لثلاثة محاور هي بالترتيب:
1ـ الاتجاهات الفلسفية البارزة في أوروبا. وتناول فيه جدل الميتافيزيقا والعقل، مع إلماحات مبسطة لمشكلة الروح والصورة.
2 ـ أهم ملامح الثورة الفرويدية، وضمنا التحليل النفسي والتنويم المغناطيسي. وركز على الطبيعة البورجوازية للتحليل النفسي واهتماماته بالإنسان اللامنتمي والتائه في بيداء متحولة تعصف بها الحروب والنزاعات، الأمر الذي جعل حياة الطبقة المتوسطة مغامرة غامضة تدور بين جدران البيت والمدينة فقط، وحول المعرفة الخالصة إلى حامل لفلسفة الأزمنة الفرويدية، التي حافظت على التفسير البورجوازي والمثالي للتاريخ. وقد تكفل ذلك «بمنح البيولوجي (باعتبار أنه طبيعة حكيمة ومتسلطة) أسبقية على التاريخي».
3 ـ الاتجاهات الماركسية التي أيدت الفرويدية ابتداء من الرفيق تروتسكي، كما ورد بالحرف الواحد، وحتى بيخوفسكي وفريدمان. وهنا يأسف لأن بعض الماركسيين لم ينتبهوا تماما للطريقة المريبة التي «تطور بها اللاشعور بمعزل عن كيانه العضوي».
المغالطة الثانية أنه حاول أن ينتقي أدواته من علبة البروبغاندا السوفييتية. وأيا كانت دوافعه كان اتهامه الأساسي لفرويد أنه مغرق بالذاتية ولديه نزوع مثالي غير تاريخي. ووصل به الأمر لمحاكمة فرويد على أساس عدم إيمانه بالجدل الديالكتيكي والمادة. ولا أستطيع أن أفهم «كيف يكون الإنسان مخطئا، إن لم يعتنق ما تدعي أنه حقيقة مطلقة». لقد قادت هذه الملاحظة باختين لاتهام الفرويدية بقصر النظر لأنها تصور الإنسان بشكل نوازع فردية تحاصر نفسها بنفسها، بينما الإنسان هو ابن طبقته ومرحلته التاريخية وهويته. بتعبير آخر يعتبر باختين الأعصبة والنقاط الغامضة أو الفراغات الناجمة عن النسيان والإنكار مظهرا من مظاهر خيانة الشريحة لأعضائها، وفي الوقت نفسه هي تعبير أسلوبي ومجازي عن صراع هذه الشرائح (بلغة مباشرة الطبقات والقوميات). وتوقف باختين لدعم وجهات نظره عند تفسير فرويد للأحلام، وعاب عليه أنه ساواها مع قوانين تشكيل الأساطير والأعمال الفنية. فالحلم ينشط عندما تخف سلطة الرقابة، بينما الفن وأساليبه آلية دفاعية لها هدف واحد وهو الهرب من جهاز الرقابة (الذاتي كالخوف) بالإضافة لما يفرضه المجتمع والسلطة من فروض وواجبات. وقد اشترط باختين على شكل الفن أن يكون ندا لمحتواه، وأن تخضع مكونات كل طرف للتحديد البيو سيكولوجي نفسه. لكن هذا لا يفسر لماذا كان خيال دستويفسكي شخصانيا ومضطربا، بينما كان خيال تولستوي تصويريا وطبيعيا. لقد اختلف دستويفسكي منذ البداية مع الطبيعة الاجتماعية لعصره، ورأى أنها سبب للشقاء المحتدم على مستوى الأفراد، ولذلك احترقت شخصياته بنار العلاقات الاجتماعية الإجبارية من الداخل، ما يدل على أن المجتمع هو خلاصة تجربة كل فرد على حدة.
وربما لهذا السبب غدرت سونيا بذاتها وامتهنت الدعارة، وألحق راسكولنيكوف الأذى بغيره ليغدر بذاته لاحقا. وفي الحالتين كانت الشخصيات تخدم تصورا نفسيا لظاهرة اجتماعية، «فردود الفعل حتى لو أنها لفظية تكون نتاجا اجتماعيا من اختصاص الشعور الطبقي وليس شعور الأفراد». وبالعكس اختلف تولستوي مع علاقات الطبيعة بالإنسان، وكان الحل لديه لا يفترض التضحية، وإنما الاحتجاج على البنية، ولو اضطر لتدميرها. لقد فهم دستويفسكي الطبيعة من خلال تجاربه وعلاقاته، وأدى ذلك للتعبير عن الشعور بأدوات لا شعورية منها الهذيان والكوابيس والبارانويا (أو جنون الاضطهاد). في حين ألغى تولستوي الطبيعة حينما حولها لإدراك إنساني، وكانت التجربة الإنسانية لديه تعني إدراك الطبيعة، والتعبير عنها بالصور والحركات، ولم يكن أمامه أي خيار للتصحيح.
ثم يأخذ باختين على فرويد عدم التمييز بين اللاشعور والانفعالات، وعليه إذا نظرنا لشخصيات دستويفسكي أنها إسقاط لانفعالاته، تكون شخصيات تولستوي تجريدا للاشعورها. وهذا يعني بالضرورة أن «الإرادة والمشاعر والمعرفة ليست مستويات بنيوية في وجود قائم» لكنها إنجاز لرغبة من الرغبات التي تختزل العناصر السابقة، وتبادل في ما بينها. وأنا أستغرب كيف استنتج باختين مما سبق، أن دستويفسكي بوليفوني. فبالعودة لعالمه الألسني، في مختلف أعماله، نجد أنه يقف على مسافة متساوية من جميع الشخصيات. ولا يمكن أن تجد أي فرق في حجم أو معاناة الشخصية ودائرة أفكارها.
والحقيقة أن الاختلافات تعود بالأساس لوعي المخيلة بالبنية، فهي تتركب من وحدات لها مرجعيات تجريبية متباينة مثل، الرسائل والمذكرات والتفكير بصوت مسموع، وهي كلها أساليب رومانسية محكومة بالخوف من قوة الحقيقة أو عالم الواقع، بالإضافة للمتابعة والمحاكاة والحدس والنبوءة، وهي أساليب فوق تاريخية وغير مشروطة، وتتبع لحظات استثنائية من تطور المجتمعات. ويمكن القول إن بوليفونية دستويفسكي متعددة الوسائط، وليست متعددة الألسن. ولذلك يجوز أن نتعامل مع الرقابة على أنها شعور أعلى من شعور الأفراد. وبهذه الطريقة يفسر باختين دور المجتمعات الاستبدادية في رعاية عقدة أوديب وتعميمها. وتفهم من كلامه أنه لا يبرر دور الرقابة، فهي وسيلة من وسائل تفشي الأمراض، ويكفي أنها تحرم الذهن البشري من قدراته على التصالح مع نفسه ومع بيئته، وتفرض عليه اختيار حلول راديكالية لاستئصال مضمون الرغبة باسم احترام النظام. ويمكن اعتبار الرقابة آلية للكبت التي تعبر عن إفلاس البورجوازية وليس عن إلغاء غاية بيولوجية فقط. ومن البديهي أن الأنظمة الرقابية لا تفرض العدالة بواسطة العقاب الرادع، بل تفرض معه أيضا نوعا من الشعور العدائي ضد المجتمع وبموازاته شعورا دائما بالتحسس من أشكال الحياة النوعية، أو ما يسميه باختين نقلا عن فرويد «الشعور بالذنب». ثم يختصر باختين عيوب التحليل الفرويدي بنقطتين. أولا تقريب الجهاز النفسي من الجسم. فهو «لا يهتم بالنشاط العضوي ومناطق الجسم الحساسة إلا من أجل معادلها النفسي في الذات». ثانيا اختزال الواقع لمبدأ نفسي للواقع. وأضيف نقطة ثالثة، أنه يعمم ولا يخصص. فالتجربة الإنسانية لديه واحدة، ومثل هذه المساواة وهمية في رأيي وهي تعبر عن علاقة روحية مع الميتافيزيقا، أو مع الماهيات وليس التجارب. لقد تطورت الفرويدية تلبية لنزوع الطبقات المعدمة والمحرومة، وقامت بنيتها على متابعة العقد والمكبوتات، وليس ملاحظة أشكال الوفرة والاستجمام والرخاء، واتخذت شكلا دراميا متناميا بالطريقة المؤلمة نفسها التي آل إليها مصير الفاشية والنازية، ولاحقا حركات تثبيت التاريخ في لحظة منه. وهذا بدوره يفسر لماذا اتسم تاريخ الفرويدية بالانشقاقات والصراعات، ولماذا كان أكثر دموية وعنفا من بقية اتجاهات الفلسفة.
وفي النهاية إن خطأ باختين لا يقل عن خطأ فرويد، لقد اعتبر كلاهما أن تاريخ البشرية هو تاريخ الطبقة المتوسطة، ويمكن اختصاره بقراءة إنتاج أعلامها أمثال دافنشي وسوفوكليس (عند فرويد) ودستويفسكي ورابليه (عند باختين). والسؤال الآن: هل يمكن أن يكون تاريخ البشرية هو ملخص أنباء القادة والزعماء فقط؟ أين ذهب دور بقية الشرائح التي أسهمت في تعميم ورعاية هذه الظواهر الفردية وتقديم غطاء شرعي لها. وهل يمكن أن نصل للنتائج نفسها لو أننا وسعنا قراءتنا لتشمل مع دستويفسكي إضافات صديقته المغمورة أليسكاندرا إيفانوفنا شوبرت، أو لو نظرنا بمزيد من الاهتمام لدور ميلزي تلميذ دافنشي المطيع، في ترتيب أوراق ومخططات معلمه؟
٭٭ صدر كتاب «قارئ باختين: كتابات مختارة لباختين وميدفيديف وفولوشينوف» بإعداد بام موريس عن دار بلومزبري أكاديميا في لندن. ويتضمن نقد الفرويدية باسم مشترك لفولوشينوف وباختين.
كاتب سوري