الكناري الجزائر المطرودات من اليابسة

حجم الخط
0

محمد الشحري

تزحزحت القارات فأنجبت جزراً غير شرعيات في مدخل المحيط الأطلسي أو بحر الظلمات حسب التسمية العربية، هذه الجزر هي الكناري أو جزر الخالدات، إذ بقيت الجزر متناثرة بين أوروبا التي تتبعها الجزر سياديا وبين أفريقيا القريبة منها جغرافيا حيث لا يفصلها سوى بضعة أميال عن شواطئ الصحراء الغربية، وبين السياسة والجغرافيا يتأرجح تاريخ جزر الكناري، التي سماها الاسبان بالكناري، نسبة إلى نوع من الكلاب الموجودة بكثرة على هذه الجزر، ويعتبر الغونش الأمازيغ السكان الأصليين لهذه الجزر.

كانت جزر الكناري أبعد نقطة وصلنا إليها في اسبانيا، حيث نزلنا في جزيرة تنريف أكبر هذه الجزر وأكثرها سكانا، والتي تشكل مع جزر (قنارية ولنسر ولا بالما) منطقة ذات حكم محلي تابعة للمملكة الأسبانية، وتضم جزر الكناري العديد من المعالم التاريخية والطبيعية، والتي تحرّض الزائر على حزم الأمتعة والذهاب إليها بحرا أو جوا لمشاهدة التنوع الإحيائي والطبيعي والثقافي لهذه الجزر، وقد يتجسد كل ذلك في جزيرة تنريف أكبر هذه الجزر وأجملها، وأكثرها تنوعا إذ قسمت الجزيرة نفسها طبيعيا إلى نصفين، نصف غربي يزدان بالغابات وأشجار الصنوبر مما يكسيها اللون الأخضر على مدار العام، بينما النصف الآخر أشبه ببيئة قاحلة نتيجة للنشاط البركاني في الجزيرة.

هبطت بنا الطائرة ليلا بين هضبتين، كانت الأضواء المنثورة على تدرجات سفح الجبل قد كشفت عن المعالم الطبيعية للجزيرة، حيث أمسى تبيُن ارتفاع الجبل في الجزيرة، والذي قرأنا عنه مسبقا في (الانترنت)، ولم نكتفِ بالقراءة فحسب بل ألقينا نظرة ‘غوغلية’ على الجزيرة، فعرفنا المسافة بين المطار وبين فندقنا كما تعرفنا كذلك على بعض معالم الجزيرة.

بعد وصولنا إلى الفندق وضعنا أمتعتنا في الفندق المطل على المنحدر الصخري، ذهبنا لتناول وجبة العشاء في مطعم قريب من الفندق، حيث مررنا على عدة مطاعم لا تبعد كثيرا عن مكان إقامتنا، وكنا قد قرأنا أن الجزيرة تشتهر بإعداد وجبة (البايا) التي تُعد من أشهر الأطباق الاسبانية وأكثرها شعبية، ويقول البعض بأن أصل كلمة (بايا) لا توجد في اللغة الاسبانية وأنه ربما تكون كلمة عربية أندلسية انحدرت من كلمة (بقايا) التي تعني بقايا الطعام، – سأستعين مستقبلا بصديقي المستعرب الاسباني اغناطيوس في معرفة أصل هذه الكلمة- المهم أن هذه الوجبة تتكون من الأرز وزيت الزيتون ويمكن أن يُطبخ معها اللحم أو الدجاج أو المأكولات البحرية، وتشبه وجبة (البايا) وجبة (الكبسة) المعروفة عندنا، ونظرا لشهرة جزيرة تنريف في إعداد (البايا مع غلال البحر) فقد اخترنا أن نتعشى هذا الصنف من الطعام، وكانت بالفعل وجبة لذيذة.

في صبيحة اليوم التالي وبعد الفطور الصباحي، قررنا الذهاب لاستكشاف المدينة، ولأن المدينة عند خاصرة الجبل فقد قررنا النزول إلى الأسفل باتجاه البحر مع أن النزول من المرتفعات يشعر الماشي بالإرهاق، وفي أثناء النزول إلى الأسفل مشيا على الأقدام تفصح الطرقات عن نفسها للعابرين تبرجا، وتكشف عن نظافتها حتى يتراءى للمرء أن المدينة قد وهبت نفسها للطهارة والقداسة. يخيم على المدينة الهدوء والسكينة ولا يخرقهما سوى أصوات الدرجات النارية لبعض المراهقين، وأخال أن أصواتها تصل إلى الجزر الأخرى في الكناري، تصطبغ البيوت في جزيرة تنريف بألوان هادئة، حتى تلك المدهونة بالألوان الساخنة لا تحدث أي ضجيج لوني لأن الخلفية الخضراء المتكونة من أشجار الصنوبر الباسقة تقاوم الضوضاء البصرية وحتى الأصوات الناشزة. جميلة هي تنريف لدرجة أنها تضع نفسها في خارطة الأماكن الموعودة بالزيارة والحنين، كما أنها تحرض البعض على اختيارها منفى إذا كانت المنافي اختيارية.

لقد غبطت أهلها الساكنين عند أطراف الغابة، فتصورتهم يفتحون نوافذهم باتجاه البحر وأخرى نحو الاخضرار الصاعد إلى رأس الجبل، هذه الطبيعة حينما توهب نفسها تعطي ما لديها بلا مقابل ودون حساب، سكان تنريف وحدهم من يعيشون في المعرض الدائم للطبيعة المتجدد بتبدل الفصول الأربعة، ووحدهم من يتكيف مع الجغرافيا والمناخ المعتدل على مدار العام. لا نعلم عدد الدرجات التي طويناها تحتنا في النزول إلى الأسفل نحو مبنى أرضي ذي أهرامات زجاجية، يجذب الزوار بطلاء جدرانه الخارجية، كنا نظن أنه متحف أقيم هنا ليحفظ بعضا من تاريخ جزر الكناري التي كانت محطة للكشوفات الأسبانية نحو الأمريكيتين والساحل الغربي لأفريقيا، ولكن بوابته الخارجية أعلنت لنا عن مجمع تجاري ليس إلا، كل هذه الروعة وجمال التصميم ما هو إلا لمجمع تجاري، وكأي زائر لمكان جديد تحرض الأماكن على الدلف إليها، فقد دخلنا مع الداخلين إلى المجمع للتّبضع وأخذ ما نسد به الفراغ في ثلاجتنا في شقة ‘فندق بلفست’، كان طريقنا الافعواني إلى الفندق شاقا ومرهقا ومضنيا في آن، خاصة إذا كنت محملا بالأكياس وحقائب الظهر واستقرار شعاع شمس الظهيرة في الجبين، إذن من السهل النزول إلى القاع ولكن من الصعب الصعود إلى القمة، وصلنا إلى الفندق بعد عدة وقفات على الطريق نستجمع قوانا ونحث أنفسنا على مواصلة المسير، وعلى الشرفة المطلة أمواج البحر وهي تعانق النتوءات الصخرية جلسنا نتأمل صراع الماء مع اليابسة، ومحاولات تدخل الإنسان في الصراع لصالح هذا الطرف تارة عن طريق ردم مساحات من المياه بالأتربة والبناء فوقها، وتارة أخرى مع الطرف الآخر بواسطة حفر قنوات من المياه إلى اليابسة تشبه الخلجان لأجل الترفيه.*كاتب عُماني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية