أوكرانيا… الحرب والخطيئة

الخطأ يمكن إصلاحه لكن الخطيئة يحتاج إصلاحها إلى ضحايا وزمن طويل. لا يمكن أن نعتبر الحروب التي جرت في العالم نوعا من الخطأ. هذا يقال عادة لتبرير الفشل والهزيمة، لكن الحروب كلها تندرج تحت عنوان الخطيئة، كما تصيب المهزوم، تصيب المنتصر مهما طال الوقت.
هناك أكثر من تفسير في تاريخ الحروب والغزوات، لكن تخيل لو لم تحدث في العالم هذه الغزوات والحروب. كل الدول التي احتلت غيرها مهما تركت وراءها من آثار في البناء والمساجد والكنائس، أخذت ونهبت من الدول المقهورة أضعاف ما تركت، بل عبر التاريخ وحتى وقت قريب، بيع نساء المهزومين كقيان ورجالهم كعبيد، أي شملت التجارة البشر ولم يكتفوا بنهب ثروات البلاد المهزومة، ولو فتحنا باب النهب الذي جرى لن ينغلق.
الخطايا في التاريخ مرتبطة أكثر بالحكام، لأن حجم خطئهم، تدفع ثمنه طوائف من الشعوب. والخطايا أيضا مرتبطة بالخروج على ما يعتبره الله العدل والحق. أشهر الخطايا في الميثولوجيا اليونانية خطيئة أوديب، إذ أنبأ عراف معبد أبولو حاكم طيبة لايوس، أنه سيكون له من زوجته الحامل جوكاستا ولد يقتله في ما بعد ويتزوج أمه نفسها فتحل اللعنة على طيبة.

وما أن أنجبت زوجته جوكاستا طفلها حتى ربط قدميه وحمله إلى الغابة وتركه بينها ليموت.. لم يفهم الحاكم أن نبوءة الآلهة ستتحقق مهما فعل، عثر شخص على أوديب، ومعنى الكلمة مربّط القدمين، أخذه ورباه حتى صار شابا، وعرف منه أنه وجده في الغابة، ولا يعرف أهله، فترك المكان وعاد إلى طيبة لعله يلتقي بأبيه وأمه. في الطريق قابل شخصا يقود عربة تجرها الخيول واختلفا على العبور، فقتله أوديب وأكمل طريقه إلى طيبة، التي يقف على بابها عملاق يسأل الناس سؤالا بسيطا لكنه يبدو لهم ملغزا، وعندما لا يعرف أحد الإجابة يأكله.. تقدم إليه أوديب فسأله العملاق فأجاب أوديب الإجابة الصحيحة فتبخر العملاق وهللت المدينة وكافؤوه بتزويجه من زوجة الحاكم الذي وجدوه مقتولا في الغابة. لقد قتله أوديب وهو لا يدري أنه أبوه، وزوجته جوكاستا هي أمه. وقعت النبوءة، وتطول الحكاية حتى عرف أوديب حين حل الوباء بطيبة، ففقأ عينيه ومشي هائما في الصحارى.
كل ملاحم اليونان القديمة كانت تجليات لمصائر مقررة سلفا من الآلهة، لم ينج منها إلا من ساعدته آلهة أخرى. لماذا كانت المصائر مقررة هكذا؟ لأن المجتمع عبودي وكل في طبقته المقررة له سلفا لا يتمرد عليها. تطورت المجتمعات من العبودية إلى الإقطاع إلى الرأسمالية، وتجليات أخرى مثل الفاشية والشيوعية، لكن ظلت الحروب يأمر بها الحكام. ظلت الخطايا حتى مع اتساع مساحة الحريات، وحتى بعد ثورات في أوروبا لفصل الدين عن الدولة، فلا شيء مقرر من الآلهة.

هي خطايا لأن ضحاياها أبرياء. الفارق بينها وبين أوديب أن خطيئته المقررة سلفا بنت المجتمع العبودي، الذي تتحدد فيه الأقدار حاضرا ومستقبلا. أما خطايا هذه الزمن فهي تتم في عصر الحريات، ومن دول تتباهى بالحريات وليست ضحايا الأقدار، ومن ثم فنتائجها أبشع، وستكون أبشع في الأيام المقبلة.

استمرأ الإنسان الحروب والغزوات.. شهد القرن العشرين وحده أكبر حربين عالميتين، الحرب الأولى والثانية، وبينهما تم تأسيس عصبة الأمم، وكثر الحديث عن استقلال الدول المحتلة، لكن في الوقت نفسه اتحدت أوروبا وأمريكا على إيجاد إسرائيل على أرض الفلسطينيين. لم يتحدث أحد في ذلك العالم عن ذلك، فقط، نحن العرب الخارجين من تحت الاستعمار ولا حيلة لنا. العالم كله لا يتوقف عن الحديث عن مذابح الأرمن، التي جرت من الدولة العثمانية، ومذابح اليهود التي تمت في القرن التاسع عشر في إسبانيا وفرنسا وفي القرن العشرين في ألمانيا، لكن لا أحد من هذا العالم يتحدث عن المذابح التي جرت للفلسطينيين. وهكذا صارت الخطيئة طريقة حياة للدول الأقوى، يتم تجميلها بما يملكون من إعلام وسينما وثقافة.
تمر الأيام وتحدث ثورات الربيع العربي، وتفشل لأسباب فيها ولمؤامرات عليها من الداخل والخارج، إذ كيف تكون الديمقراطية مطلبا حقا في العالم العربي المنقسم بين حكم عسكري وحكم العائلات. تنجو دول من المذابح مثل مصر وتونس، رغم فشل الثورات، ولا تنجو دول مثل اليمن وسوريا وتملأ الدنيا الأخبار عن القتلى هناك بفعل الحرب بين الجماعات المختلفة، التي قفزت على الثورة، والأنظمة الحاكمة التي تستعين بدول خارجية وتكون روسيا أكبر ظهير للنظام السوري في حربه مع الجماعات الإرهابية وغيرها التي ظهرت في الصورة، فجعلت الثورة في خلفية المشهد. العالم رأى ويرى ملايين السوريين بين منفى وقتل ولا يهتم.
من قبل احتلت أوروبا العالم العربي كله وخرجت منه، لكنه يظل بالنسبة لها مصدر نهب لا أكثر. لا يعتد أحد بما فيه من بشر من حقهم الحياة الكريمة. تهاجم روسيا أوكرانيا وتحدث عملية هجرة كبيرة لشعبها إلى أوروبا، وتصرخ أوروبا وأمريكا منددة بالحرب التي من ضحاياها الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، كأن ضحايا العالم العربي لم يكونوا كذلك. تتم التفرقة على حدود بعض الدول المجاورة لأوكرانيا وتعلن بعض القيادات الأوروبية أن المهاجرين من أوكرانيا هم جزء متحضر منا ولا حاجة لنا بالمسلمين معهم. هكذا بوضوح. كان ذلك منتظرا، فقد تشوهت صورة الإسلام والمسلمين بالإرهاب الذي هو صنيعة هذه الدول الغبية أيضا، وإلا من أين جاءت قيادات «داعش»؟ ألم تأت من معتقلات غوانتانامو الأمريكية. ومن الذي شجع طالبان عند نشأتها؟ ألم تكن أمريكا في إطار حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتي الذي كان قراره بغزو أفغانستان أغبي القرارات، ومن عوامل هزيمته وتفككه. لم تنقلب أمريكا على بن لادن وطالبان، إلا بعد تفجير برج التجارة العالمي عام 2001. باختصار وصلوا بنا إلى العصور الوسطى فلا تعنيهم شعوبنا. يعنيهم الحكام وبقدر ما يستفيدون منهم تكون العلاقة، هل هذه أخطاء في السياسة؟ هي خطايا لأنه لا يمكن تصحيحها بسهولة.

هي خطايا لأن ضحاياها أبرياء. الفارق بينها وبين أوديب أن خطيئته المقررة سلفا بنت المجتمع العبودي، الذي تتحدد فيه الأقدار حاضرا ومستقبلا. أما خطايا هذه الزمن فهي تتم في عصر الحريات، ومن دول تتباهى بالحريات وليست ضحايا الأقدار، ومن ثم فنتائجها أبشع، وستكون أبشع في الأيام المقبلة. إنهم الآن على مشارف حرب نووية، وحتى لو لم يحدث ذلك، فالحرب الدائرة ستترك وراءها الآلاف من القتلي والمصابين والملايين من المهاجرين. وبعد أن تنتهي الحرب لن تتوقف نتائجها. إن ما نسمع عنه من غلاء كثير من السلع في بلاد العالم، وبالذات في بلادنا سيكون أمراً هيناً ومضحكاً أمام ما سنسمع عنه مستقبلا. بوتين يريد إعادة أمجاد روسيا القيصرية، التي لم تكن أوكرانيا بعيدة عنها، بل كانت في حزامها وبين ممتلكاتها. وحتى لو فشل فقد أعاد الحلم. وفي أوكرانيا حدثت ثورة على الاتحاد السوفييتي، حين بدأ يضعف حتى استقلت عنه مع غيرها من الدول التي كانت ضمن خريطته، فهل ستحدث ثورة مرة أخرى بعد أن تحتل روسيا البلاد من جديد؟ كيف تحدث وقد وقف الغرب لا يدافع عن أوكرانيا إلا بالمساعدات وبحصار روسيا وليس بحرب ومواجهة. لقد كان للغرب حلم في سنوات تفكك الاتحاد السوفييتي الأخيرة، ولا أنسى زيارتي لكييف عام 1990 وكل من قابلته هناك كان يسعده جدا الحديث عن السينما الأمريكية والثقافة الأوروبية والأمريكية ولا يريدون أحديث عن روسيا أو الاتحاد السوفييتي. هل سيظلون على هذا الحلم بعد خذلانهم من قبل أمريكا وأوروبا؟ العالم سيتغير كثيرا جدا ولن ينوبنا منه شيء جيد وسيكون غلاء الأسعار أقل ما أصابنا، رغم بشاعته والتسرع فيه أو تركه للتجار الجشعين.

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية