عجز الموازنة العامة في العراق

حجم الخط
1

تعيش البشرية اليوم في عالم متغير سريع التطور في المجالات كافة، تسعى فيه دول العالم للأخذ بأسباب التقدم عن طريق الاستفادة من إمكانياتها ومواردها المتاحة، وتعد الموازنة العامة للدولة بمثابة الاداة التي تعكس استراتيجيتها في الإفادة من مواردها المحدودة، واستخدامها الاستخدام الأمثل؛ إذ تبين الموازنة الحكومية المركز المالي للدولة وقوته، ومن هنا فإننا نتسأل ما المقصود بالموازنة العامة وما هي اهميتها، وما هو توازن الموازنة واختلالها، وما المقصود بعجر الموازنة العامة، وما هي مؤشرات العجز في العراق؟

مفهوم الموازنة وأهميتها:

ليس من السهل تحديد مفهوم واحد للموازنة الحكومية، إذ وضعت مفاهيم عديدة قلما اتفق واحد منها مع الآخر، ويقصد بالموازنة الحكومية «خطة تتضمن تقديرا لنفقات الدولة وإيراداتها خـــلال مدة زمنيـــة مقبلة عادة تكون سنة واحدة»، وهناك من يعرفها بأنها «حساب تقديري ومفصل لجميع نفقات الدولة وإيراداتـــها، المحتمل تحقيقها خلال سنة مالية مقبلة، ويكون هذا التقـــرير معتمداً من قبل السلطة التشريعية صادراً بقانون من الحكومة».
ويمكننا تعريفها بأنها: تخمين للإيرادات العامة المتوقع تحصيلها وتقدير للانفاق العام المتوقع صرفه خلال سنة مالية معينة.
وتتأتى اهمية الموازنة العامة من خلال الاتي:
انها اداة سياسية؛ لأن الحكومة تترجم سياساتها عن طريق الاعتمادات التي تدرجها في الموازنة من ايرادات ونفقات، فمن خلالها يتضح ما اذا كانت الحكومة الى تسعى إلى الاقلال من التفاوت في توزيع الدخول والثروات أو زيادة التسلح او الاقلال منه.
انها اداة تساعد على اجراء التحاليل الاقتصادية وبالتالي رسم السياسات الاقتصادية.
انها اداة رقابية للسلطة التشريعية على التصرفات المالية للسلطة التنفيذية. انها وثيقة تعــبر عن اهداف الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتبين دور الدولة في التأثير على تلك الانشطة.
اخيراً فهي عمل قانوني واداري في الوقت ذاته.

توازن الموازنة واختلالها:

ذكرنا سابقاً أن الموازنة العامة تبين المركز المالي للدولة وقوته، إلا أنها لا تبقى على حالة واحدة، فقد تظهر حالة التوازن أو الاختلال في جانبيها، النفقات العامة والإيرادات العامة، إذ يكون الاختلال إما بصورة فائض أو بصورة عجز، ولكن تركيزنا سينصب هنا على حالة العجز؛ لأنها الحالة الاكثر حدوثاً في العراق.
ويقصد بتوازن الموازنة الحكومية بأنه تساوي النفقات العامة مع الإيرادات العامة، كما يقصد به، توازن الإيرادات العامة مع النفقات العامة في جداول الموازنة العامة للدولة، ويعبر هذان المفهومان عن مفهوم التوازن بشكل عام.
لايزال الجدل قائما بين المتخصصين في علم المالية العامة في آرائهم حول التوازن والاختلال اللذين يحدثان في الموازنة الحكومية، إذ يعتقد الكلاسيكيون أن توازن الموازنة امر لابد من تحقيقه في كافة الظروف والأحوال، وعدم إحداث اختلال في الموازنة، في حين يرى انصـــار المدرســــة الحديثة (الكينزيون) إن حدوث الاختلال (الفائض أو العجز) امر لا يحمل بين طـــياته أي خطورة، بل على العكس قد يكون السبيل للخروج من الأزمة الحاصلة في الاقتصاد.
يمكننا القول إن عجز الموازنة الحكومية يحصل عندما تنفق الحكومة أكثر مما تحصل عليه، وحجم العجز عادة هو قضية سياسية واقتصادية مهمة، لذا يقصد بالعجز (الزيادة في مجموع إنفاق الحكومة على الإيرادات الحكومية)، كما يقصد بالعجز (مقدار ما تنفقه الحكومة كل سنة بما يفوق ما تفرضه من ضرائب ورسوم وإيرادات تحصل عليها). قد يختلف بعض الاقتصاديين في تحديد الأسباب المؤدية إلى حدوث عجز في الموازنة الحكومية، ولكن من أبرز أسباب عجز الموازنة الحكومية، هو تزايد النفقات العامة وانخفاض الإيرادات العامة.
وهنالك أشكال كثيرة لعجز الموازنة الحكومية منها: العجر المقصود (المنظم)، والعجز الهيكلي، والعجز المتراكم، والعجز المؤقت، وغيرها، وما يهمنا هنا هو العجز الهيكلي الذي يحدث إذا لم تغطِ الإيرادات العامة بصورة مستمرة النفقات العامة، ويعود هذا الوضع إلى زيادة الإنفاق الحكومي بمعدل يزيد عن القدرة المالية للاقتصاد وتحمله للأعباء، ويشير إلى وجود خلل في هيكل الاقتصاد القومي نفسه، بحيث يصعب حل هذا العجز إذا تمت الاستعانة بالوسائل المالية فقط. وهذا هو الواقع المالي المعاش في العراق خلال السنوات المالية الاخيرة؛ إذ أن الحكومة العراقية تنفق اكثر من الايرادات العامة الواردة من مبيعات النفط كون الاقتصاد العراقي ريعيا يعتمد على النفط بالدرجة الاساس.
ووفقاً لخبراء الاقتصاد بالإمكان التخفيف من حدة العجز الهيكلي من خلال وسيلتين: الأولى: تخفيض النفقات العامة ويعني تخفيض معدل الزيادة في الانفاق الحكومي، على ألا يتم ذلك بطريقة عشوائية، فكما هو معروف، أن إنتاجية النفقات العامة تختلف حسب طبيعة النفقات، منها عديمة الإنتاجية، وقليلة الإنتاجية، وعالية الإنتاجية، وبناءً عليه، يتم التركيز على نفقات الإنتاجية العالية بما يتوافق مع السياسة الاقتصادية والمالية، خصوصاً نفقات المسؤولين ومخصصاتهم وموازنات الرئاسات الثلاث المهولة والدرجات الخاصة، ممن هم بدرجة وكيل وزير أو مدير عام، فقد بينت موازنة عام 2013 المنشورة في جريدة «الوقائع العراقية» العدد 4272 ان عدد وكلاء الوزراء ومن هم بدرجة وكيل وزير بلغ 716 في حين تجاوز عدد من هم بدرجة مدير عام اكثر من 5000 شخص وهؤلاء يكلفون الموازنة نفقات رواتبهم وسكنهم وحماياتهم ونثرياتهم وايفاداتهم ونقلهم وسياراتهم وصيانتها ووقودها ومخصصات الضيافة لمكاتبهم، ومجموع هذه المخصصات يتجاوز رواتبهم بنسبة الضعف، ويعد هذا مؤشرا على وجود خلل بنيوي في مؤسسات الدولة وترهلها، ومن الضرورة بمكان تقليص هذه الاعداد وضغط نفقاتهم من اجل بناء الدولة على اسس علمية.
الوسيلة الثانية: زيادة الإيرادات العامة، تعتبر هذه الوسيلة النتيجة الحتمية للنتائج الناشئة من تخفيض النفقات العامة (الوسيلة الأولى)، حيث يترتب على زيادة إنتاجية الإنفاق الحكومي زيادة الدخل القومي، وبالتالي زيادة في الجزء المقتطع من الدخل لتغطية الانفاق العام، الذي قد يكون اقل إنتاجية –أحيانا – من الانفاق الخاص. بسبب الخلل في التنظيم، وتدني مستوى الوسائل الفنية عن مستوى التقدم العلمي والتكنولوجي؛ لذا يقتضي الامر تخفيض الضرائب لوضع جزء كبير من الدخل القومي تحت تصرف القطاع الخاص ليكون عاملاً تشجيعياً، بشرط عدم إلحاق الضرر بالمصلحة العامة، والتركيز على الجوانب المدرة للدخل للحكومة وزيادة ايرادات الدولة غير النفطية مثلاً من عقارات الدولة ورسوم الدوائر الخدمية وتعزيز ايراداتها وجبايتها. فهل ستتمكن الحكومة العراقية من الخروج من هذا المأزق والعبور بالاقتصاد العراقي إلى بر الأمان واقرار موازنة تقشفية وموضوعية لعام 2015 ــ على ألا تضر بذوي الدخل المحدود ــ في ظل المعطيات الراهنة من ارتفاع نفقات الجانب العسكري وانخفاض اسعار النفط وتدني نسب الانتاج والتصدير؟

٭ كاتب عراقي

همام عبدالله علي السليم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية