منذ سماعي نبأ سقوط طائرة الطيار الأردني معاذ وأسره في 24 ديسمبر الماضي من قبل «داعش»، منذ ذلك الحين وانا ليس هناك في مخيلتي سوى سيناريوهين اثنين.
ولا بد لنا في هذا الصدد ان نعود إلى التاريخ، الذي وحده يسمح لنا بفهم الواقع، وانه للحصول على القليل من الذهب عليك حفر الكثير من التراب.
وقبل ذلك لا بد لنا ان نعرف السياسة، على انها فن ادارة النزاع، واذا لم يكن هناك نزاع، فهي فن خلق نزاع وادارته.
وهذا ما تفعله امريكا منذ ان خرجت منتصرةً من الحرب العالمية الثانية.
اثناء الحرب العالمية الثانية وقبيل دخول امريكا الحرب مع الحلفاء عام 1942، اعلنت بريطانيا وادعت انها حصلت على رسالة سرية من هتلر إلى الرئيس المكسيكي، يتعهد فيها الاول بمساعدة المكسيك باسترداد ولايتي نيومكسيكو وتكساس، اذا ما انتصر هتلر في الحرب العالمية الثانية.
كان لهذه البروبوغندا اثر كبير جدا في تحريك وإثارة الرأي العام الامريكي ومناصرة الحكومة الامريكية، وأخذ الإذن من الكونغرس بدخول الحرب مع الحلفاء ضد دول المحور.
وبما ان الغاية تبرر الوسيلة في السياسة، أؤمن بهذه السيناروهات التي اعتقد بانها قريبة الى الواقع السياسي، اكثر مما يذاع على مسامع ومرأى الشعب العربي، الذي يعتبر الاعلام الرسمي المصدر الوحيد للحقيقة لديه.
وقد استخدمت امريكا هذه التكتيكات والدعاية الحربية عدة مرات وبأشكال مختلفه، فتراها تخترع القصص والمسرحيات الكاذبة التي تعطيها شرعية شن الحروب على الدول الفقيرة بمساندة الرأي العام الامريكي.
ولا زلت اذكر عندما شرح كولن باول، في الامم المتحدة كذبة المصانع الكيماوية المتحركة على ظهر شاحنات عراقيه تجوب الشوارع في العراق لتظليل فريق التفتيش الدولي للكشف عن الاسلحة الكيماوية، الذي ترأسه البرادعي يوما ما
وبالفعل نجحوا في تجييش العالم لتدمير العراق وجيشه آن ذلك، محققين عدة اهداف منها، القضاء على القوة التي يمكن ان تهدد الكيان الصهيوني يوما ما، وتجريب الاسلحة المتطورة، بالاضافة إلى عمل دعاية لهذه الاسلحة وبيعها، للمحافظة على التفوق الاقتصادي الذي يشكل بيع السلاح الرافد الاكبر له، ناهيك عن ترهيب العالم بأسره والاستعراض أمام العالم والبرهنة على انهم القطب الاوحد في السياسة الدولية، والهدف الاكبر والاهم للسيطرة على منابع النفط واللعب باسعاره كيفما تشاء.
ثم جاء دور سيناريو الحرب على الارهاب، فهم بحاجة الان إلى كذبة كبيرة ومسرحية مقنعة لاستمرارية الاهداف التي ذكرتها سابقا، فما كان اقوى من كذبة احداث 11 سبتمبر التي كانت بتأليف وإخراج وإنتاج امريكي وبكومبارس عربي او اسلامي لربط الاسلام بالارهاب، فما كان منها الا ان جمعت شبابا مسلمين كانوا يدرسون في المانيا وغيرها حتى يتعلموا الطيران بدورات مجانية في امريكا، لا يستطيع احد رفض إغراءات عروضها، اذ كانوا يجهلون نهاية ومصير هذه العروض، علما بان هؤلاء الشباب كانوا طلابا في الجامعات الالمانية ويشهد باخلاقهم الاساتذة الالمان الذين درسوهم.
من هذه المقدمة التاريخية استطيع ان اجتهد، ولكل مجتهد أجران، السيناريوهين التاليين مع انني اميل الى الاول.
السيناريو الاول: من مصلحة امريكا ان تدخل الاردن الحرب معها ضد «داعش»، لانها لا تستطيع الدخول بجنودها بحرب برية، لان الامر معقد في امريكا، فهي بحاجة إلى تقديم دلائل ومبررات للكونغرس ولجان ومؤسسات الدولة التي تجبر القيادة الامريكية بموجب دستورها، العودة اليها قبل شن حرب برية او غيرها، لان الانسان الامريكي غاية في حد ذاته، فكرامته تنتهك اذا تعرض للضغط او الاستغلال او الخيانة، بعكس الانسان العربي الذي هو اغلى ما يملكه الحكام العرب، فهم يتاجرون به من خلال شركات الأمن والحماية التي تخدم مصالح امريكا والكيان الصهيوني، وبعكس الانظمة العربية التي تشن حروبا دنما العودة إلى مؤسسات الدولة السيادية، كالبرلمان ومجالس الشعب او الامة الهلامية.
والامريكان يعلمون كل العلم الاوتار التي يلعبون عليها، لتحريك الشارع العربي برمته، هذه الاوتار النابعة من دراسات علمية، ومستندة إلى ارقام واحصائيات واقعية وحقيقية، ان الشعب الاردني شأنه شأن كل العرب، شعب عاطفي ليس لديه ادوات تفكير علمي يجعله يتريث قليلا قبل ان يتخذ قراراً ويصفق لقيادته، واتفقوا في انه يجب ان نجهز له مسرحية تراجيدية لتعبئته وجعله يبارك مشاركة جيشه في الحرب على الارهاب الذي صنعته امريكا بنفسها، والمبني على دراسات علمية.
والخبير في الشؤون العسكرية يعلم كل العلم ان الطائرة التي كان يحلق فيها معاذ فوق الرقة هي من احدث الطائرات، التي لا يستطيع احد فك شيفرتها وتكنولوجيتها الا امريكا بنفسها.
معاذ لم يتحدث عن انه حلق بمستويات منخفضة وهذا يؤكد ان طائرته اصيبت بهدف من اعلى من طائرة اخرى في التحالف، ناهيك عن ان «داعش» لا يملك تلك الاجهزة المتطورة او الصواريخ الارض جو، التي بمقدورها اسقاط طائرة اف 16، ومن هذا المنطلق يتبين ان الذي اسقط الطائرة هم الامريكان (قوات التحالف) وقد صرح والد الطيار الكساسبه، ان الطائرة الاماراتية التيكانت تقودها المنصوري هي من اسقطت طائرة ولده، وبضغوطات من النظام الاردني تراجع عن هذه التصريحات، أسقطت امريكا الطائرة حتى يتم أسره والتنكيل به بابشع الصور، لتلتف الاسرة الاردنية حول القيادة الامريكية، في حربها ضد الارهاب وقتل الظالمين بالظالمين حسب المبدأ الامريكي وكان لهم ما كان.
السيناريو الثاني، الذي ترددت في كتابته لانه فقط يدخل في فن الممكن، هو ان الطائرة اسقطت بنيران جيش النظام السوري، الذي قد يمتلك صواريخ ارض-جو او جو- جو، لتأجيج وزيادة الغضب العربي والدولي ضد «داعش»، واعطاء «داعش» صورة اكبر من حجمه، لبث الرعب في العالم من هذا التنظيم، واعطاء شرعية لنظامه عن طريق شرعية البقاء للمساهمة في الحرب على الارهاب، مع العلم ان «داعش» ادعى وصدق انه من اسقط الطائرة بصاروخ حراري، حتى يبين للعالم انه يمتلك تقنيات الدولة القوية القادرة على بسط سيطرتها على العراق والشام، التي سيطرت عليها بسهولة بسبب الفراغ السياسي والعسكري هناك.
وفي كلا السيناريوهين تم استغلال الموقف، وظهرت الغابة التي كانت تختفي وراء الشجرة لتجييش الرأي العام الأردني لقرع طبول الحرب على «داعش»، والجدير بالذكر ان النظام الاردني لم يحاول جديا استرجاع الطيار معاذ الكساسبة، مؤكدين بذالك ان قتله او حرقه سيؤتي أُكله، بتأجيج الشارع الاردني والحصول على موافقة الاردنين بدخول الحرب بحجة المطالبة بقميص معاذ الذي قتله التحالف نفسه(امريكا).
وبالارتكاز على الاستنتاجات السابقة اتمنى ألا يرتكب النظام الاردني هذه الحماقة، والدخول في حرب برية يكون ضحيتها آلاف المعاذات، من ابناء الفلاحين والبدو الفقراء الذين التجأوا إلى الجيش والاجهزة الامنية، لانهما الملاذ الوحيد من جور البطالة التي لم يشهد العالم مستوياتها المرتفعة جراء الفساد الممنهج والمؤسسي في الاردن.
اتمنى ان تؤتي هذه التحذيرات أُكلها ويقف الشعب الاردني صفاً واحداً ضد دخول الاردن الحرب الامريكية الهمجية، والا سيكون مصيرهم مصير قوم زرقاء اليمامة، وعندها لا ينفع حاكم ولا سحيج.
٭ كاتب أردني مقيم في الماني
عبدالمجيد عبيدات