القاهرة ـ «القدس العربي»: ثمة تناقض ظاهر بين حالة الحداد التي أعلنتها وزارة الثقافة حزنا على الضباط والجنود المغدورين في العريش، حيث ألغت كافة النشاطات الثقافية والفنية لمدة ثلاثة أيام متواصلة، بينما فتحت أبواب معرض الكتاب للزائرين منذ اليوم الأول، وهو التظاهرة الثقافية الكبرى من دون أن يعلن الحداد يوما واحدا ولو بشكل رمزي، أو يخرج بيان يدين الاعتداء والقتل ويؤكد على وحدة الشعب والجيش ووقوف مؤسسات الدولة كافة ضد العنف بكل أشكاله.
لقد اكتفى المسؤولون في المعرض بوجود محاور ثقافية لمناقشة قضية الإرهاب أعدت سلفا، وأدرجت ضمن برنامج الندوات والاحتفاليات، واعتبروا أن ذلك مؤديا للفرص ويصب في الاتجاه نفسه، وعليه لم يلتفتوا لخصوصية الحادث وانعكاساته السيئة. صحيح أن جدول المعرض مليء بالنشاطات والإحداثيات ذات الصلة بالقضايا الرئيسية، وعلى رأسها قضية الإرهاب، لكن المشكلة أنها ليست أكثر من فعاليات روتينية لا يتعدى عدد الحضور فيها أصابع اليدين، وبالتالي هي فاقدة للتأثير كونها تحصيل حاصل وفعلا يتكرر كل يوم بلا صدى ولا طائل، اللهم غير ما يتصدر النشرات المطبوعة من عناوين وإثبات الحالة الثقافية على الورق فقط.
وللتدليل على ذلك نسوق نموذجا من عدة نماذج، ففي الندوة المخصصة لمناقشة أعمال الكاتب الروائي الراحل محمد ناجي في إطار تأبينه باعتباره آخر الأدباء الراحلين، لم يكن الحاضرون سوى مجموعة قليلة من الأصدقاء المقربين من بينهم نبيل عبد الفتاح والشاعر زين العابدين فؤاد، والناقد صلاح هاشم، وهم من كان منوطا بهم الجلوس فوق المنصة لإدارة الندوة والحديث عن ذكريات الرجل معهم. أما من حضر فعليا في الصالة فلا يتجاوز عددهم عشرة أفراد على الأكثر، وهو بالقطع شيء لا يليق لا بالأدب ولا بالأديب. ومرت الليلة وصورت الندوة وبدت في المشهد الدعائي أمسية ثقافية منقطعة النظير وتقديرا مستحقا للكاتب الفقيد.
أما عن شعر العامية فالشرح يطول، هناك عشرات الشعراء توافدوا على مخيم الإبداع، آتين من كل فج عميق، وللأمانة فإن أغلبهم يتمتع بموهبة حقيقية ولا يخلو صوته الشعري من تميز، لا سيما الجنوبيين الذين اعتدنا على وجودهم سنويا، بيد أن هناك شعراء آخرين اختفوا أو ظهروا على استحياء من بينهم شاعر الفلاحين أمين الديب، وهو الذي كان أكثر حضورا في الدورات السابقة، ناهيك عن عزوف بعض النجوم عن الحضور أمثال، عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب وجمال بخيت، وهم أيقونات المعرض في كل الدورات هؤلاء لم يتم الإعلان عن ندواتهم وأمسياتهم نهاية الأسبوع الأول من الفعاليات، وينتظر أن يكون لهم وجود في الأيام المقبلة، حيث أن غيابهم يخلق فراغا محسوسا وملموسا، لا سيما أن شعر العامية هو الأقرب لوجدان الناس وهمومهم.
ربما يكون الأبرز في فعاليات المعرض هذا العام، النشاطات الفنية خاصة المتصل منها بالمواهب الجديدة كالغناء والموسيقى فأكثر من فرقة غنائية إقليمية قامت بتقديم عروض متميزة في مخيم الإبداع، ونجحت في لفت النظر وإحداث الدهشة يضاف إلى ذلك ما قدمه المقهى الثقافي من تنويعات إبداعية جذابة على مستويات مختلفة تجدر بالاهتمام والمتابعة. وبشكل عام لابد من الإشارة في سياق ما نكتب عن المستحدثات الإيجابية في وسائل التثقيف وتسهيل طرق الحصول على الكتاب كوسيلة مهمة للانفتاح على العالم، ولعل من أهم ما تحقق في هذا الإطار إنشاء وتنظيم شكل جديد لسور الأزبكية، بطرح كميات كبيرة من مطبوعات الهيئة العامة للكتاب حديثة الصدور نسبيا، بديلا من الكتب القديمة وهو تخلص ذكي من المرتجعات الهائلة التي تملأ مخازن الهيئة ورواج شبه مجاني للإصدارات المهمة، فضلا عن أنه تحقيق للشعار المرفوع «الكتاب هديتك» وهو ما يسمح بقراءة واقتناء أكبر عدد من الكتب المفضلة للقراء على اختلاف أذواقهم وبأسعار رمزية للغاية.
من ناحية أخرى يكرس معرض الكتاب هذا العام لظاهرة إيجابية تساهم في التواصل الثقافي وتشجع على القراءة وهي ظاهرة حفلات التوقيع، إذ يتم الاحتفاء بالإصدار الجديد بالتنسيق مع دار النشر والمؤلف وعدد من النقاد لإلقاء الضوء على الجديد والمختلف والثري، واستبيان مناطق التميز بالتحليل والعرض واختلاف الآراء. وفي رأيي أنه تقليد حسن بدأته على نطاق ضيق بعض دور النشر الخاصة منذ فترة ثم تحول إلى ظاهرة .
وقد استفادت من هذا التقليد أعمال مهمة مثل «بعد القهوة» للكاتب عبد الرشيد محمودي وهي الرواية الحاصلة على جائزة الشيخ زايد للإبداع الثقافي، والمجموعة القصصية «صانع الأحذية» للكاتب فاروق الحبالي ورواية «جحر السبع» لسامي فايز وإبداعات أخرى كثيرة عرفت واشتهرت بعد تسليط الضوء عليها وفق الآلية والنظام الدعائي المتبع مع الأخذ في الاعتبار أنها أعمال إبداعية جديرة بالاهتمام.
نعود مجددا إلى ما يفسد الموسم الثقافي ويبدد فرحة المبدعين بإبداعاتهم ألا وهو سوء التنظيم والإهمال الذي كشف عن أوجه للقصور والخلل وتمثل، في سقوط سقوف وجوانب بعض الهياكل الخشبية بالقاعات المخصصة للأنشطة والندوات، وهو أمر أزعج الكثيرين وادى إلى انصراف نسبة من الجمهور والمثقفين على السواء، خوفا من تكرار مثل هذه الحوادث فليس كل مرة تسلم الجرة هكذا كان تعليق أحد الحضور على ما حدث.
الأيام الفائتة من الملتقى الثقافي الكبير تنوعت في مكوناتها الفكرية وأنشطتها وتباينت في تأثيراتها وحضورها الجماهيري الذي يشكل زخما ظاهرا في المشهد العام، ولكنه لا يدل بالضرورة على تفاعل حقيقي مع النشاط الثقافي الأساسي، فالبعض يذهب إلى النزهة والتجوال ويخرج من سرايا الإبداع ودور النشر ومنافذ البيع كما دخلها خالي الوفاض.
كمال القاضي