بعد أن اقترب الليبيون منه للغاية، عقب عقد كامل من الزمان، ها هو حلم الانتخابات يغيب عن المشهد من جديد؛ ليعود السؤال مرة أخرى إلى الواجهة: متى ستجرى الانتخابات الليبية؟
وإذا طرحنا هذا التساؤل، فلا يسعنا ألا نعرّج على الأطروحة الأممية التي بلورتها ستيفاني وليامز، مبعوثة الأمم المتحدة بالإنابة آنذاك، للوصول إلى الانتخابات، والتي يرى كثيرون أنها كانت الأقرب نحو الاستحقاق المنشود، وأن الليبيين كانوا على وشك رؤية انتخاباتهم الرئاسية الأولى، وهو السبب وراء خيبة الآمال الكبرى لديهم، واستمرارهم في المطالبة بإجرائها والحفاظ على الزخم الذي كان حولها.
ولكن هل كانت حقا مبادرة ستيفاني قد قابت قوسين أو أدنى من النجاح؟
أولا يجب الالتفات إلى السردية الغربية التي ترى بأن الانتخابات هي الحل، وهي الضامن لحدوث الاستقرار، والانطلاق نحو دولة الحقوق والمؤسسات، ولستُ ههنا بصدد تشريح هذه السردية، ولكن التجارب العديدة التي مرت بها دول شابهت ظروفها الوضع الليبي، أثبتت لنا أن انتقال الدولة من حالة أعلى درجات الصراع الداخلي إلى أعلى درجات الممارسة الديمقراطية هو ضرب من الخيال!
قبيل انطلاق فكرة ملتقى الحوار السياسي الليبي عاشت ليبيا صراعا عسكريا مروعا على تخوم العاصمة طرابلس بين أطراف ليبية، وبدعم من شتى الدول المتدخلة في الملف، وليس ثمة مرحلة تعلو هذه المرحلة من التشظي والانقسام والانفجار الداخلي، إلا أن ستيفاني وليامز ومن خلفها الأمم المتحدة أصرت على سردية الدفع نحو الانتخابات وترميم ما يمكن ترميمه بقدر إنجاح هذا الاستحقاق، ومن ثم ستتولى السلطة المقبلة إجراء المعالجات الجذرية.
وبمعنى آخر أجرت وليامز مقاربة تقوم على الدفع الأممي والإصرار الأمريكي نحو 24 كانون الأول/ديسمبر، وإغماض الأعين عن الثقوب التي تملأ الطريق نحو هذا التاريخ، وإذا مضى الأمر كما هو مخطط له فسيكون حل بقية الإشكاليات متأتيا.
ومن بين هذه الثقوب إشكالية التشريعات الانتخابية وعمل المفوضية العليا للانتخابات، وجميعنا يعلم أن المفوضية كانت تضع أجلا زمنيا حاسما للحصول على التشريعات الانتخابية والأساس الدستوري، ثم تقوم بتأجيل الموعد شهرا، يليه شهر آخر، والمفوضية في كل ذلك تقول إنها قادرة على إنجاز الاستحقاق رغم أن الأمر فنيا بات في طيات المستحيل! أضف إلى ذلك الإشكاليات التي شدتها نصوص القانون الانتخابي عن مجلس النواب، والذي وجدت روسيا من خلاله فسحة لتدفع بمرشحها النهائي سيف القذافي، وتدلي بورقة لعبها من خلال ذات الأطروحة التي دفعت بها ستيفاني وليامز ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية؛ لتقف الكرة عند هذا الحد، ويُسدل الستار أمام مبادرة ستيفاني وليامز التي أضاعت وقتا كبيرا أمام ليبيا، وأعادتهم إلى نقطة البداية، ولا ننسى أن الحرب الماضية لم تجف دماء ضحاياها بعد!
التقاربات الجديدة
اليوم تغير المشهد تماما، وشهدنا جميعا التقاربات الجديدة بين الدول المرتبطة بملف الأزمة الليبية؛ تغيرات قلبت المشهد رأسا على عقب، ووجد من خلالها الساسة الليبيون الفرصة لتصدر المشهد من جديد، وقدموا من خلالها رؤية مفادها السير في إجراءات واقعية لتحقيق الاستحقاق الانتخابي، واستمرارهم في المشهد كضامن للعملية.
ورغم أن الجميع متفق على أن استمرار مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في المشهد أمر مرفوض للغاية من قبل الشعب الليبي، ولكن تظل احتمالات هذه الرؤية أقرب بكثير للواقعية من مغامرة ستيفاني التي تغاضت عن كل شيء.
وفي المقابل يواصل عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية إصراره على عدم التخلي عن السلطة، متشبثا بخريطة الطريق التي أسفر عنها ملتقى الحوار السياسي، وينتهي أمدها في حزيران/يونيو المقبل، وهو التاريخ الذي يحاول الدبيبة أن يجدد شرعيته بعده عبر انتخابات برلمانية تنتج جسما تشريعيا جديدا ينهي مجلسي الدولة والنواب، ويتولى النظر في أمر السلطة التنفيذية، وهي جميعها خطوات تعطي الدبيبة أمرين مهمين للغاية؛ التخلص من القوى السياسية التي سيطرت على المشهد لسنوات، ومساحة لعب جديدة ربما يتمكن خلالها من الدلو بأوراق أخرى، أو على الأقل ضمان المنافسة في أي انتخابات مقبلة بعد الحملة التي نظمها لنفسه خلال توليه رئاسة الوزراء.
وبأدنى نظر يتضح لنا بأن أطروحة «عودة الأمانة للشعب» التي يقدمها الدبيبة لن تجد طريقها للضوء أبدا، فالسلطة التشريعية ممثلة في مجلس النواب قد كلفت حكومة أخرى تواصل المفاوضات الآن لدخول العاصمة بشكل سلمي، كما أقرت تعديلا دستوريا، وخريطة طريق للانتخابات، ما يعني أن الطريق من هذه الجهة مسدودة.
كما أن توجه الحكومة نحو المجلس الرئاسي لإصدار مراسيم بقوة القانون تبدو وجهة بعيدة للغاية، ولا تحتاج تدليلا على ضعفها، فالمجلس الرئاسي الحالي بالكاد يمارس مهامه الشكلية كرئيس للدولة في المحافل، وما سوى ذلك فإصدار القرارات الجوهرية المؤثرة في الشأن الليبي أمر بعيد عنه للغاية.
وبالتالي ربما تكون خطة «عودة الأمانة للشعب» قد ولدت ميتة، ولن تجد طريقها للضوء، أي أنه، وعلى افتراض أن حكومة الوحدة تمكنت من الصمود حتى حزيران/يونيو المقبل، فإنها عقب ذلك لا تملك الشرعية، ولا إجراء الانتخابات، وهو ما سينتج فراغا، ويجعل كل الاحتمالات واردة.
مسيرة التوافق والمصالحة
على الطرف الآخر يطرح مجلس النواب بالتوافق مع مجلس الدولة – ولسنا بصدد الحديث عن تراجع مجلس الدولة ورفضه للتعديل الدستوري وما خلفه- رؤية تقوم على تنحية السلطة الحالية لفشلها في إجراء الانتخابات، واستحالة التعويل عليها في أي استحقاقات مقبلة، وتكليف أخرى تتولى هذه المهمة، إلى جانب معالجة المسار الدستوري، وحلحلة حالة القوة القاهرة التي أعلنتها مفوضية الانتخابات، على أن يتم ذلك بعد 14 شهرا من تاريخ إقرار التعديل الدستوري.
وتستند فلسفة البرلمان الليبي في تكليفه للحكومة الجديدة على أنها تمثل أطراف القوى في البلاد؛ فتحي باشاغا في الغرب الليبي، وخليفة حفتر في الشرق الليبي، وهو توافق يُعد الأول من نوعه بين المنطقتين الشرقية والغربية.
ومرت العديد من البلدان، التي شهدت حالة احتراب داخلي، بهذه التجربة من جلوس أطراف الصراع على طاولة واحدة، وتجاوز الماضي، ومحاولة فتح صفحة جديدة من التوافق والانطلاق نحو البناء، وهي فكرة أثمرت نتائج إيجابية فيما مضى، ولكن هل ستكون هكذا في الحالة الليبية؟
للجواب عن هذا يجب أن نعرف ماهية الميثاق الذي بين رجل الغرب فتحي باشاغا، ورجل الشرق خليفة حفتر؟ وهل ثمة ضمانات واضحة وقوية تلزم الجانبين بالسير جنبا إلى جنب في مسيرة التوافق والمصالحة، وطي صفحة الماضي؟ لاسيما وأن الظروف سانحة الآن في ظل التقاربات الدولية، وانشغال العالم بملفات أكبر كملف الحرب الروسية الأوكرانية، أم أن التوافق مبني على وعود هشة قد تسقط مع أول خلاف تتقاطع فيه مصالح الرجلين؟
من هذه الزاوية يبدو أن فتحي باشاغا مقبل على أبرز التحديات في مسيرته السياسية، كما أنه مطالب بالحفاظ على حالة الوفاق الأولى من نوعها، والتي ستكون بلا شك معرضة للكثير من المخاطر؛ للسير بالبلاد نحو الهدف الذي جعله مهمته الأولى؛ انتخابات رئاسية وبرلمانية وفق أسس دستورية وقانونية واضحة، وبنتائج يرضى بها الجميع، تنهي الخلاف، وتحسم الجدل، وتنتج الرئيس الأول المنتخب للبلاد.
أولى هذه التحديات بسط السلطة في كامل التراب الليبي، وحرية تنقل الحكومة بين المدن، وهو ما عجزت عنه حكومة عبد الحميد الدبيبة الذي لم يتمكن حتى الآن من زيارة الشرق الليبي، كما أن رحلتين له نحو الجنوب تم عرقلتهما بشكل قسري، لتنحسر سلطته داخل الغرب الليبي فحسب.
التحدي الآخر هو توحيد المؤسسات، وعلى رأسها العسكرية والأمنية، وحل التشكيلات المسلحة، وإدماجها داخل المؤسسات النظامية، هو ملف شائك تغاضت عنه كل الحكومات السابقة، بل نبالغ إن قلنا إن الحكومات ذات المكونات العسكرية والأمنية وليس العكس! وهو ما يحتاج معالجة جذرية تتطلب رجلا قويا يملك من النفوذ ما يتيح له هذا الأمر.
فيما يكمن التحدي الثالث في تحسين الأوضاع المعيشية، وإنهاء معاناة الليبيين المتمثلة في شح السيولة النقدية، وتفاقم الحالة الصحية، وضعف التعليم، وغياب الأمن، وانهيار المنظومة المؤسساتية في الجهات الحكومة، وإيجاد برنامج اقتصادي متكامل ينوع مصادر دخل البلاد التي تقتات من نفطها فحسب، ويفتح المجال واسعا أمام المشاريع الصغرى، المتوسطة، والكبرى.
لتبدأ بعد هذا المهمة السامية؛ المصالحة الوطنية الشاملة، وإذابة الجليد بكل كل مكونات المجتمع الليبي، وإعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحروب المتوالية منذ اندلاع الثورة الليبية، والتمهيد للعدالة والمحاسبة، وبسط العدل في الدولة.
كل تلك التحديات تُعد مطالب مهمة للوصول إلى انتخابات حقيقية ينشدها الليبيون- والحديث عن كلٍ منها على حدةٍ يتطلب وقفات مفصلة- وفي حال غض الطرف عن أيٍ منها؛ فإننا سنجترّ التجربة الأممية مجددا، ولا ندرى هل سننجح حينها في التهدئة والبحث عن البدائل، أم أن مربع الصراع الأول ليس منا ببعيد!